استمع إلى الملخص
- يتميز المسلسل بإخراج آرييل فينوغراد، الذي يضفي لمسة كوميدية-تراجيدية، ويستعرض الظاهرة السياسية والاجتماعية المعروفة بالمنعمية، مع التركيز على التناقضات والأزمات التي واجهها منعم.
- يعتمد المسلسل على بنية درامية كلاسيكية، ويبرز أداء ليوناردو سباراغليا في تجسيد شخصية منعم، مما يضفي على العمل جاذبية خاصة.
بعد التغلّب على نزاعات قانونية عديدة، عرضت "أمازون برايم فيديو" أخيراً مسلسلاً درامياً قصيراً بعنوان "منعم" (Menem: The President Show)، يتناول حياة الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم ذي الأصول السورية. يروي العمل، المكوّن من ست حلقات، مسيرة منعم منذ بداية حملته الانتخابية وحتى نهاية ولايته الرئاسية الأولى، مُعيداً بناء صعود وذروة وانحدار الرجل الذي رأس البلاد مرّتين بين عامي 1989 و1999، وجسّد دوره ببراعة ليوناردو سباراغليا. يأتي انطلاق المسلسل الجديد في لحظة عصيبة من التاريخ الأرجنتيني الحديث، تحت قيادة رئيسها اليميني المتطرّف خافيير ميلي، الذي تُذكّر الآثار الكارثية لسياساته الاقتصادية بتلك التي اتبّعها منعم خلال حكمه.
يحمل "منعم" ختم مخرجه آرييل فينوغراد، الذي رغم كونه جزءاً من فريق كبير من كتّاب السيناريو، إلا أنه يمنحه بصمته، في مكان ما بين العفوية والمرح، التي استطاع بناءها في أفلام مثل "سرقة القرن" (2020)، ومسلسلات مثل "كوبولا: الممثل" (2024). هذه المقاربة الكوميدية-التراجيدية، حتماً ستثير جدلاً (في أوقات أرجنتينية من الانقسامات والتعصّب، سيرى كثيرون أنه متعاطف للغاية أو متنازل، بينما سيرى آخرون أنه مفرط في المساءلة والسخرية)، لكنها في الوقت نفسه تقدّم بورتريهاً ناجحاً للظاهرة السياسية والاجتماعية المتمثلة في صعود المنعمية (Menemism) وترسيخها، بكل ما فيها من تناقضات وبؤس.
صحيح أنه في أكثر من أربع ساعات إلا قليلاً (مدة الحلقات الست) يستحيل تغطية جميع الأحداث المهمّة في عصر مكثّف وحافل ومتغيّر باستمرار مثل عصر منعم، ولكن بخلاف حقيقة أنه كان لا بد من معالجة العديد من الحالات وتلخيصها سطحياً نسبياً، لم يُتجاهل أيّ منها. منذ اللقطات الافتتاحية، تباغتنا وفاة جونيور، ابن منعم (أغوستين سوليفان)، في مارس/ آذار 1995 (اتُّهم حزب الله اللبناني بالضلوع في مقتله)، وانقلاب الكارابينتادا عام 1990 بقيادة العقيد محمد علي زين الدين والعفو الرئاسي اللاحق، ونشأة خطة التحويل والتوترات المتزايدة مع الطموح دومينغو كافالو (مارتن كامبيلونخو)، والإصلاح الدستوري بعد ميثاق أوليفوس الذي تم التفاوض عليه مع راؤول ألفونسين (فرنان ميراس)، والأزمات المتتالية مع زوجته زوليما/ سُليمى (غريسيلدا سيسلياني)، وبقية عائلة يوما (يلعب ألبرتو أجاكا دور أمير، وتلعب فيوليتا أورتيزبيريا دور أميرة)، والتأثير السياسي والأيديولوجي للبرنامج التلفزيوني "عصر جديد" الذي قدّمه الصحافي برناردو نيوستادت، والصراعات مع قطاعات النقابات المختلفة بشأن الخصخصة (سياسات الدمج التي اتبعتها ماريا جوليا ألوغاراي، وتلعب دورها مونيكا أنطونوبولوس، أساسية لبيع الشركات المملوكة للدولة للمستثمرين الأجانب)، وقضايا الفساد (الجمارك وغسل الأموال والاتجار بالأسلحة والابتزاز والرشوة)، والعلاقات الخطيرة مع الأميركيين والأوروبيين والعرب، وبالطبع الهجمات على السفارة الإسرائيلية (17 مارس 1992)، وجمعية اليهود الأرثوذكس في إسرائيل (18 يوليو/ تموز 1994).
البنية الدرامية كلاسيكية، تبدأ بالظهور والصعود (حاكمٌ مجهول لولاية صغيرة يفوز في الانتخابات التمهيدية الحزبية على أنطونيو كافييرو، رغم ما أظهرته استطلاعات الرأي من ترجيح خسارته الساحقة، ثم يهزم الراديكالي إدواردو أنخيلوز ويتولّى منصبه مبكراً وسط معدل تضخّم تراكمي بلغ 5283% وموجة نهب)، وصولاً إلى الذروة (شعبيته التي سمحت بإعادة انتخابه عام 1995 بنسبة 50% من الأصوات)، ثم إلى التراجع خلال ولايته الثانية.
ربما تنبع أكثر جوانب المسلسل إثارة للجدل من تضمين شخصيات خيالية مثل أوليخاريو سالاس (يجسّده خوان مينوخين)، من مواليد لا ريوخا، يجعله السيناريو المصور الرسمي لمنعم ومستشاراً له في الظلّ. وتؤدّي جورجيلينا أروزي دور زوجته أماندا، بينما يتحوّل ابنه ميغيل (فالنتين واين)، إلى جانب فيكتوريا التي جسّدتها كانديلا فيترانو، إلى صحافي استقصائي ينتقد النظام بشدة، ووالده جزء من هذا النظام.
يكشف المسلسل عن عبثية وطيش تلك الحقبة من خلال حفلٍ فرعوني في فندق فاخر على إيقاعات ريكي مارافيلا، فيكتشف المتفرّج منعم الرياضي، ومنعم زير النساء، ومنعم المتحمّس للإعلام، ومنعم الباطني، ومنعم المحتال، ومنعم الذي أصبح استراتيجياً سياسياً بارعاً، ومنعم الذي خضع لضغوط عوامل السلطة المظلمة (الخيانة تُدفع بالدم). هناك استخدام جيّد لصور الأرشيف، وإعادة بناء مثالية لتلك الفترة، مستوحاة من الإخراج الفني لناتاليا مينديبورو. لكن المسلسل ما كان ليحظى بمثل هذه الجاذبية والألق لولا مساهمة ليوناردو سباراغليا الرائعة. لا يقتصر الأمر على تصوير الشخصيات ببراعة (تقليد الإيماءات أو نبرات الصوت)، بل الأهمّ، الطريقة التي ينقل بها، بدءاً من ابتسامة أو نظرة، تنوّع المشاعر، وتفاصيل شخصية جذّابة وشائكة مثل منعم.
صحيح أن البطل، حتى مع تلاعباته وإهاناته، يبدو أحياناً جيّاشاً بإفراط، لكن ما كان ليُنجز هذا العمل لولا التعاطف والسحر اللذين يُبدعهما سباراغليا. وسواء كان هذا العمل مُبالغاً أو غير دقيق في استكشافه لأكثر جوانب تلك الفترة عبثية، فهذا أمر يقرّره كل متفرّج.