منتدى دراسات الخليج يختتم الدورة 12... مقاربات للمجال الرقمي العام

14 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 20:57 (توقيت القدس)
من منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يناقش الباحث حسن مدن تأثير وسائط التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي والسلوك والسياسة، مشيرًا إلى تداخل العالمين الواقعي والافتراضي وتأثيرهما على الرأي العام.
- يبرز المنتدى دور المجموعات الصغيرة في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل مجموعة الثمانين في الكويت، في التأثير على الرأي العام وصنع القرار السياسي، متجاوزة النماذج الحزبية التقليدية.
- تناول المنتدى تأثير التحولات الرقمية على الهوية والتنشئة الاجتماعية والسياسية في الخليج، مع أمثلة على التفاعل الرقمي مع القضايا السياسية، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي.

يتساءل الباحث والكاتب البحريني حسن مدن: "هل نحن نعيش فعلاً في عالمين أحدهما واقعي والآخر افتراضي؟ أم أنهما يتداخلان، حتى إن ما نحسبه افتراضياً بات واقعياً، ونحن لا ندرك بالضبط في أيهما نقع، وإن ما نقضيه من ساعات في متابعة ما نسميه عالماً افتراضياً، ربما يفوق تلك التي نعيشها في العالم الواقعي الذي سترثه الأجيال القادمة. يقول مدن هذا في مستهل تقديمه إحدى جلسات الدورة الثانية عشرة من منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية التي اختتمت مساء اليوم في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. وبدا ما فكر ونطق به فلسفياً في صياغته ويومياً عادياً في معاشه، لمجرد أن ينبهنا أحد إلى أسماء قديمة: شمس، شجرة، أرض، إنسان، كأنه يعيد إلينا أسماء حفظناها، وعلينا أن نؤكد اليوم ما حفظناه.

والسؤال لا يطرح وسائط التواصل بوصفها أدوات تقنية محايدة، بل يضعها في موقع البنية الفاعلة التي تعيد تشكيل الوعي، والسلوك، والسياسة، وتخفي حد التعمية، وتكشف بوضوح حد النهار، وتعمل على تقديم شخصياتها المستقلة رقمياً. يبدو العالم الافتراضي محتقناً أحياناً، بينما لا يكون الأمر هكذا في الواقع المرئي في المجالس، والديوانيات، والسبلات. يبدو هذا العالم مجالاً لاختبار مزاج عام والتعبير عنه، مثلما تتدخل في إدارته ورأيه العام منصات وظيفية.

في الهامش

لكن دائماً ثمة فعل في الهامش يؤثر في المركز، بل يدفعه إلى تبني مواقف تنسجم مع الفعل السياسي الذي يعبر عن ذاته بطرق غير تقليدية، مثل مجموعات "واتساب". يحدّثنا هنا في إحدى جلسات اليوم من الكويت فهد الفضالة الأمين العام لمنتدى التطوير الوظيفي الخليجي حين عالجت ورقته وسائط التواصل بوصفها فعلاً سياسياً، وبرزت فيها مجموعة الثمانين في الكويت، وهي كما قدّمها ليست قوى سياسية بالمعنى التقليدي، لكنها تمتلك حضوراً رقمياً يتجاوز أحياناً حضور المؤسسات الرسمية.

ثمانون، يعني الرقم أنها مجموعة صغيرة، ومن ثم هي أحد نماذج المجموعات التي تعتمد على وسائط التواصل الاجتماعي أداة استراتيجية مؤثرة في الرأي العام وصنع القرار السياسي. وأظهرت نتائج الورقة التي قامت على المنهج الوصفي التحليلي أن المجموعات السياسية الصغيرة ذات قدرة متنامية على تجاوز النماذج الحزبية التقليدية، بناءً على آليات رقمية تتسم بالمرونة، واللامركزية، والتفاعل المستمر مع الجمهور، مستخدمة في ذلك منصات التواصل الاجتماعي مثل "إكس"، و"إنستغرام"، و"يوتيوب"، و"واتساب"، إضافة إلى الحفاظ على قنوات تواصل تقليدية عبر الديوانيات العامة.

سؤال التنشئة

انطلق سؤال التنشئة في أولى الجلسات، وهو مدخل جديته غير مؤجلة، يضع الإصبع على لحظة تأسيسية مفادها: كيف تتشكّل الذوات الجديدة في فضاء لا يخضع للمعايير التربوية التقليدية؟ ثلاث أوراق بشأن الجندر والإدمان والتطرف ليست موضوعات منفصلة، بل تشير مجتمعةً إلى قلق عميق إزاء أجيال تؤسس هوياتها في منصات صممت أصلاً لتحقيق الانتباه لا التنشئة.

خصوصية الخليج هنا ليست في وجود هذا القلق. في بعض الأحيان يتوارى القلقون خلف ما يفعله ترامب في تجريفه لحقوق الإنسان وأدوات التعبير، حتى العنصرية الدينية والعرقية المكشوفة، ليقولوا إن العالم بأسره "على قلق". غير أن السياق الخليجي يطرح هذا القلق ضمن معادلة أكثر تعقيداً، إذ تتداخل التحولات الرقمية مع بنى اجتماعية شديدة الحساسية تجاه الاستقرار، ومع نظم سياسية تراقب فضاء عاماً يمتد امتداداً مباشراً للمجال الواقعي لا هامشاً منفصلاً عنه.

في هذا الإطار، لا تظهر وسائط التواصل أدوات مجرد حيز تعبير أو تنفيس، إنما تتحول إلى مساحات تفاوض دقيق على حدود المسموح والممكن، وعلى أشكال الفعل العام وحدوده. هنا تتكثف الأسئلة حول من يملك الصوت، وكيف يُصاغ الرأي، ومن يحدد سقف النقاش، في بيئة يتقدم فيها القلق بوصفه وعياً جمعياً حذراً، لا صرخة احتجاج صريحة، ويمارس حضوره عبر الإيحاء، والمناورة، واللغة الملتبسة، أكثر مما يمارسه عبر المواجهة المباشرة.

إلى السياسة

انتقلت الجلسة الثانية من التنشئة إلى السياسة، ومن الفرد إلى الفضاء العام. تحليل تغريدات نواب مجلس الأمة الكويتي بعد الحل، والتفاعل العماني الرقمي مع القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والدبلوماسية الدينية الإماراتية كما تنعكس على وسائط التواصل، هذه الأوراق الثلاث تشترك في رصد لحظة انتقال السياسة من فضاء التمثيل الرسمي إلى فضاء التأثير الرمزي.

ما يجعل هذا الطرح لصيقاً بالتجربة الخليجية أن المجال السياسي التقليدي في أغلب دول الخليج محدود أو مقيّد. حين يُحلّ برلمان أو تُضيَّق مساحات التعبير المؤسسي، تصبح المنصات الرقمية الفضاء البديل، مع وجود استثناءات حيوية تتحرك بحسب أحداث تاريخية تكسر التنميطات وسقوف التوقعات.

إحدى الأوراق المشتركة من عمان للباحثتين وضحاء الكيومية وصفية الهاشمية، ترصد بالتحليل التفاعل الرقمي لدى الشباب العمانيين تجاه القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي أعاد حضور القضية بقوة في الخطاب العربي عموماً وفي سلطنة عمان على وجه الخصوص.

في السياق ذاته كان أحد الحضور يجادل ضد التنميط السياسي للبحرين في وسائط التواصل، حين قال إن الشارع البحريني كان ينزل إلى التظاهر مرتين على الأقل أسبوعياً، من دون أن تمنعه السلطات، وكانت من ثم المشاهد المصورة بالفيديو تحاول أن تقول شيئاً في مواجهة المزاعم التي تنفي وجودها.

بيت العائلة

الباحثة في سياسات الشرق الأوسط، إيكاترينا إيلينا ماتوي، تناولت أحد التمظهرات السياسية التي يصعب تمريرها من دون استقطاب سريع، يتعلق بهذا العنوان "وسائط التواصل الاجتماعي في مواجهة الدبلوماسية الإماراتية بين الأديان: بيت العائلة الإبراهيمية واتفاقيات أبراهام (2020-2025). فقد أُنشئ بيت العائلة الإبراهيمية في أبوظبي، عام 2023، باعتباره مجمعاً حكومياً يحتضن الحوار بين الأديان، ويضم مسجداً وكنيسة وكنيساً. يجسّد هذا المشروع التوجه الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة نحو تعزيز التعايش الديني، المستند إلى "وثيقة الأخوّة الإنسانية" الصادرة عام 2019.

ومع ذلك، تثور أحياناً إشارات إلى توترات بين الأهداف المعلنة للمجمع وبعض أدوار الدولة الإقليمية، كما أن ارتباطه باتفاقيات أبراهام يعزّز الانطباعات القائلة إن المشروع يخدم مصالح سياسية واقتصادية إلى جانب أهداف تعزيز التقارب الديني. في خاتمة تقديمها الورقة قالت ماتوي إنها بوصفها مسيحية أرثوذكسية تؤمن بأن النبي إبراهيم أبو الأديان السماوية الثلاث، والحال الذي يطرح ذاته في سؤال مباشر: كيف لفلسطين أن تكون حصة حصرية لواحد من الأبناء؟

من الفقيه إلى المؤثر

جلسة أخرى فتحت نقاشاً حول انتقال السلطة المعرفية من الخبير إلى صانع المحتوى. ورقة "من الفقيه القانوني إلى المؤثر القانوني"، لقيت تعديلاً ضرورياً من محمد حسن الكعبي عميد كلية القانون في جامعة قطر إذ قال إنه لا وجود للضدية، بل هما طرفان متقابلان. مع ذلك، فالقصة بمفاعيلها وخواتيمها دائماً. هذا التحول الرقمي أنشأ وجوداً لمؤثرين قريبين من الشارع "يفتون" بمعلومات مختزلة وسهلة تقوم على التحذير من عواقب الأمور قانونياً.

وفي المحصلة دعت الورقة التي قدمها بالشراكة مع أستاذ القانون في جامعة قطر، عبد الرحمن الباكر، إلى تجاوز هذا عبر تشكيل أدوار للتثقيف القانوني التقليدي، إذ إن ضعف أدوات المؤسسات القانونية التقليدي وعجزها عن بناء قنوات اتصال فعّالة مع المجتمع أتاحا ظهور فاعلين جدد يقدمون المعرفة القانونية عبر وسائط رقمية.

منتدى دراسات الخليج أمام أمرين

في منتدى خليجي سنوي يعني الأمر أن أبناء الخليج ينتدون أو باحثين عرباً، وأجانب يدرسون هذا الجزء المكوَّن بحدوده السياسية الحالية من ست دول، هي مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وثقافياً قلب الجزيرة العربية. ويكون أمام المنتدين أمران:

  • الأول هو التعامل مع الخليج بوصفه كتلة متجانسة تُختزل في مؤشرات عامة عن الاستقرار والريع والتحول الرقمي، وهي مقاربة بقدر ما هي مريحة معرفياً فهي فقيرة تحليلياً، تمحو الفوارق الدقيقة بين التجارب، وتغفل التباينات الاجتماعية والسياسية داخل كل دولة، حتى داخل المدينة الواحدة.
  • الثاني هو الذهاب إلى قراءة أكثر تعقيداً ترى الخليج فضاءً متعدد الإيقاعات، تتجاور فيه أشكال تقليدية من الاجتماع السياسي مع أنماط رقمية ناشئة، ويتقاطع فيه المحلي مع العابر للحدود، والرسمي مع غير المنظور، والمرئي مع ما يُقال همساً.

عند هذا الخيار الثاني فقط يصبح المنتدى أكثر من حدث دوري، ويغدو مختبراً لفهم كيف يُعاد تشكيل المجال العام في منطقة لا تزال تُقرأ غالباً بأدوات جاهزة، فيما هي، في الواقع، تنتج أسئلتها الخاصة وتفرض لغتها الخاصة على من يحاول دراستها.

المساهمون