منتدى دراسات الخليج... قراءات في مجتمعات رقمية متسارعة
استمع إلى الملخص
- أشار غانم النجار إلى التحولات التكنولوجية والرقمية، معتبراً التواصل الرقمي زمناً مختلفاً يتسارع مع تطور الذكاء الاصطناعي، وتأثيره الاجتماعي مثل قيود استخدامه في أستراليا.
- تناول المنتدى موضوعات مثل الهوية والعصبية والبودكاست، وناقش مفهوم "الرأسمالية الرقمية" وسياسات منصات التواصل، مشيراً إلى التحديات في التوازن بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الدولية.
تقدّم وسائط التواصل الاجتماعي في دول الخليج العربية نفسها بوصفها جزءاً فاعلاً في تشكّل المجالين السياسي والمدني، ومساحةً أساسية لفهم التحولات الجارية في هذه الدول، كلٌّ منها باعتبارها كياناً له روايته التاريخية الخاصة، أو بوصفها فضاءً ثقافياً تتقاطع فيه الجغرافيا مع تواريخ متعدّدة ومتداخلة.
هذا المنطلق شكّل الخلفية النظرية لمحور "وسائط التواصل الاجتماعي في سياقها الخليجي: الأداة وبناء المجال السياسي والمدني"، ضمن منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية بدورته الثانية عشرة، والذي افتتحه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة اليوم السبت، ويستمر على مدار يومين.
وكشفت عناوين اليوم الأول من منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية عن مقاربة مجتمعات الخليج الرقمية بوصفها شبكة متداخلة من التأثيرات، لا فضاءً افتراضياً منفصلاً عن الاجتماع والسياسة، كما عكست ذلك الجلسات الأربع التي امتدت من صباح اليوم الأول حتى المساء.
من النقاش حول الشبكات العابرة للحدود، وصولاً إلى سياسات المنصات نفسها، بدا واضحاً أن الفضاء الرقمي بات موقعاً لإنتاج المصالح، وتوزيع التأثير، وإعادة تعريف الفاعلية. غير أن هذا التحوّل لا يُنظر إليه دائماً بقدرٍ من الاطمئنان. فحين يُطرح سؤال تمظهرات الهوية، يُثار التساؤل عمّا إذا كانت مواقع التواصل تمثّل رافعة حقيقية لها، في وقت تعجّ فيه بملايين الأسماء الوهمية. كما أن الفاعلين داخل هذه المجتمعات لا يتحرّكون بمنطق التواصل الحر فقط، بل ضمن بيئات خوارزمية تحكمها سياسات داخلية للمنصات، وتوازنات غير مرئية بين المحلي والعابر للحدود، وبين ما يُتاح تداوله وما يُدفع إلى الهامش.
ومع ذلك، لا يبدو الحديث عن تأثير هذه الوسائط حديثاً هامشياً أو غير جدي. فاجتماع هذا العدد من الباحثين والأكاديميين لدراستها يؤشر إلى أن الافتراضي والسريع والهامشي والرقمي بات واقعاً موازياً، سرعان ما يجد ترجماته على الأرض.
في هذا السياق، افتتح أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، غانم النجار، أولى جلسات منتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية بالإشارة إلى دخولنا طوراً جديداً من التحول التكنولوجي، ينبئ بتغيّر جذري في بنية التواصل الرقمي نفسها، إلى حدّ طرح سؤال نهاية محركات البحث بصيغتها المعروفة، والانتقال إلى أنماط جديدة في إنتاج المعرفة والوصول إليها. واستحضر النجار بدايات الإنترنت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين كان الاتصال بطيئاً ومحدود الإمكانات، وتبدو سرعته اليوم مضحكة مقارنة بالحاضر، واصفاً تلك المرحلة بأنها "سرعة نملة" قياساً بأبسط جهاز محمول اليوم. واعتبر أن المقارنة لم تعد مجدية، لأننا لم نعد أمام أداة إضافية، بل أمام زمن مختلف بالكامل، يتسارع مع تطور الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن دولاً مثل أستراليا فرضت قيوداً على استخدام وسائط التواصل لمن هم دون السادسة عشرة، في دلالة على عمق الأثر الاجتماعي لهذه المنصات.
وحازت سلطنة عُمان حيّزاً وازناً ضمن المحور، مع تخصيص مساحة لدراسات الحالة. وأظهرت مقاربة أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، سيف المعمري، أن الفضاء الرقمي لا يُنتج بالضرورة معارضة صدامية، ولا يعكس ولاءً مطلقاً، بل يفتح مجالاً دينامياً للتدرّج والتكيّف وإعادة التموضع، بما يخدم صناعة "العلامة الوطنية" (Nation Branding).
وفي المسار نفسه، بيّنت أوراق تناولت الهوية والعصبية والبودكاست أن وسائط التواصل لم تعد مجرد مرآة للهويات القائمة، بل غدت أداة لإعادة إنتاجها والتنافس عليها. وحتى الأشكال الجديدة، مثل البودكاست، تندرج ضمن هذا التحول، بوصفها منصات هجينة تجمع بين النقاش العام، والخبرة الشخصية، وبناء الثقة خارج الأطر التقليدية للإعلام.
في مجملها، رسمت أوراق الجلسات الأربع صورة لفضاء رقمي خليجي تتجاور فيه المشاركة مع العصبية، والانفتاح مع الحذر، والتعبير مع إعادة الضبط، من دون أن يفقد قدرته على إنتاج أدبيات اجتماعية وسياسية جديدة.
ومن أبرز الأوراق التي أثارت نقاشاً حيوياً ورقة أستاذ الاتصال العام في كندا ومؤسس مشروع "التضليل الإعلامي"، أحمد الراوي، التي تناول فيها مفهوم "الرأسمالية الرقمية" تحت عنوان "السياسات الداخلية لمنصات وسائط التواصل الاجتماعي تجاه الخليج: فيسبوك نموذجاً". ويشير هذا المفهوم إلى النموذج الاقتصادي لموقع فيسبوك، القائم على تحويل البيانات والانتباه والتفاعل البشري إلى مصادر ربح، عبر منصات رقمية تمتلك البنية التحتية للتواصل وتتحكم في تدفق المحتوى.
ومن إحدى المداخلات، طُرحت مقارنة بين دول عربية، من بينها دول خليجية، وتركيا، حيث أُشير إلى أن الأخيرة نجحت في ترويض سلوكات شركة ميتا المالكة لـ"فيسبوك"، عبر فرض غرامات متصاعدة. كما لفت الراوي إلى أن بلداً مثل الهند لا يواجه الانحيازات نفسها التي تظهر في العالم العربي، لأن الشركة تدرك أن مصالحها المالية هناك تفرض عليها الالتزام باشتراطات الدولة.
هكذا، عكست أوراق اليوم الأول من منتدى دراسات الخليج صورة منطقة رقمية في ساحة تفاوض مستمرة بين المستخدمين والمؤثرين والمنصات والدولة، يدخل طوراً متسارعاً تتقدّم فيه الأسئلة على الأجوبة، وتأتي نتائجه أوسع من التوقعات.