ملعقة بلاستيكية في دماغك: كيف تهدد الأطعمة المصنعة صحتنا العقلية؟
استمع إلى الملخص
- يسبب الميكروبلاستيك تلفًا في الخلايا العصبية من خلال تأثيره على الميتوكوندريا، مما يؤدي إلى التهابات مزمنة واضطراب توازن النواقل العصبية، وبالتالي يؤثر سلبًا على الصحة النفسية.
- اقترح الباحثون تطوير "مؤشر الميكروبلاستيك الغذائي" وتقنية "الفصل العلاجي خارج الجسم" لإزالة الميكروبلاستيك، مع التأكيد على دعم الأنظمة الغذائية الطبيعية.
كشفت دراسة جديدة عن أدلة تربط بين تناول الأطعمة فائقة التصنيع وتراكم جزيئات البلاستيك الدقيقة في الدماغ (الميكروبلاستيك)، ما قد يساهم في تفشي أمراض الاكتئاب والقلق والخرف واضطرابات نفسية أخرى. أشارت الدراسة، التي نُشرت يوم 20 مايو/أيار الماضي في مجلة Brain Medicine، إلى أن دماغ الإنسان يحتوي على ما يعادل ملعقة من البلاستيك. استعرضت الدراسة فرضية مثيرة مفادها أن الميكروبلاستيك، وهو نوع من الجزيئات التي لا يتجاوز قطرها 5 ملم، يوجد بتركيزات مرتفعة في الأطعمة فائقة التصنيع مثل الوجبات الجاهزة والخفيفة والمعلبات، وأن هذه الجزيئات يمكنها عبور الحاجز الدموي الدماغي، والوصول إلى المخ والتراكم داخله.
يقول المؤلف المشارك في الدراسة نيكولاس فابيانو، الباحث في كلية الطب في جامعة أوتاوا في كندا: "فوجئنا بأن كميات ضئيلة من الميكروبلاستيك قادرة على التسلل إلى الدماغ خلال فترة قصيرة نسبياً، ما يثير تساؤلات حقيقية عن التأثيرات العصبية طويلة المدى لهذا النوع من التلوث". ويضيف فابيانو في تصريحات لـ"العربي الجديد": "لا يدرك الناس أنهم ربما يبتلعون قطعاً صغيرة من البلاستيك يومياً عبر طعامهم، ولكن الأدهى أن هذه القطع قد تترسب في الدماغ نفسه، وهو عضو حساس لا يحتمل مثل هذه الملوثات".
بينت الدراسة أن الشخص العادي في الولايات المتحدة يستهلك أكثر من 50% من سعراته الحرارية من أطعمة فائقة التصنيع، مثل النقانق، والبيتزا المجمدة، والمشروبات الغازية، والحلويات المغلفة. وهذه الأطعمة، تحتوي على ما يصل إلى 30 ضعف كمية الميكروبلاستيك مقارنة بالأطعمة الطبيعية. فمثلاً، تحتوي قطعة دجاج مقلية جاهزة على كميات من البلاستيك تزيد عشرات المرات عن تلك الموجودة في صدر دجاج طبيعي غير معالج. يوضح المؤلف المشارك في الدراسة أن خطورة هذه الجزيئات تكمن في حجمها متناهي الصغر، ما يتيح لها الانتقال عبر مجرى الدم والوصول إلى مناطق محمية في الجسم مثل الدماغ، وهو ما كان يُعتقد في السابق أنه أمر نادر الحدوث أو غير ممكن.
حذرت الدراسة من أن الميكروبلاستيك يمكنه إحداث تلف في الخلايا العصبية بسبب تأثيره على الميتوكوندريا، وهي مراكز الطاقة في الخلايا، كما أنه يسبب التهابات مزمنة وإجهاداً تأكسدياً يعطّل وظائف الدماغ الحيوية. ولفتت إلى أن هذه التأثيرات قد ترتبط بتطور بعض الاضطرابات العصبية والنفسية على المدى البعيد، خاصة إذا كان التعرض لها مستمراً منذ الطفولة.
يشرح فابيانو أن النتائج أوضحت أيضاً أن الأطعمة فائقة التصنيع تشترك مع الميكروبلاستيك بعدة آليات بيولوجية تؤثر سلباً على الصحة النفسية، مثل اضطراب توازن النواقل العصبية، وتأثيرها على الجهاز المناعي، وإحداث تغييرات فوق جينية. يقول: "هذه العوامل مجتمعة قد تكون مسؤولة عن ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم لدى الفئات التي تعتمد بشكل كبير على الأطعمة المصنعة.
دعمت هذا التوجه مراجعة علمية سابقة خلصت إلى أن استهلاك الأطعمة فائقة التصنيع يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 22%، والقلق بنسبة 48%، واضطرابات النوم بنسبة 41%. ولأن حجم التهديد غير معروف بدقة بعد، دعا الباحثون إلى تطوير ما سموه "مؤشر الميكروبلاستيك الغذائي"، وهو أداة بحثية مقترحة تهدف إلى قياس كمية جزيئات البلاستيك الدقيقة التي يتعرض لها الإنسان من خلال نظامه الغذائي اليومي، تمهيداً لفهم علاقتها بالأمراض العصبية والنفسية. ووفقاً للباحث، بدأت بعض فرق البحث بالفعل في جمع بيانات عن نسب الميكروبلاستيك في أطعمة مختلفة بهدف تحديد أي منتجات غذائية هي الأكثر خطورة في هذا السياق.
واقترح الفريق البحثي إمكانية استخدام تقنية تُعرف باسم "الفصل العلاجي خارج الجسم" لإزالة الميكروبلاستيك من مجرى الدم. وتقوم هذه التقنية على سحب دم المريض وتنقيته من الجزيئات الدقيقة ثم إعادته مرة أخرى إلى الجسم، على غرار الغسيل الكلوي. ويقول المؤلف المشارك في الدراسة إن التقنية لا تزال في مراحلها الأولية، لكنها تبشر بإمكانية تطوير حلول مستقبلية تقلل من تراكم هذه الجزيئات في الجسم.
يختم فابيانو تصريحاته بالتأكيد أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن كل من تناول وجبة سريعة معرض للخرف، لكنها دعوة جدية لمراجعة علاقتنا بالطعام الصناعي، والبدء في دعم أنظمة غذائية طبيعية أكثر نقاءً وصحة.