استمع إلى الملخص
- تميز راينر بقدرته على التنقل بين أنواع سينمائية مختلفة، مثل الثريلر والكوميديا، مع الحفاظ على جودة العمل. من أبرز أعماله فيلم "بؤس" و"الرئيس الأميركي"، حيث استخدم الكوميديا للسخرية من المجتمع.
- شارك راينر في التمثيل والتلفزيون، مما يعكس تنوعه المهني. أخرج 21 فيلماً وشارك في العديد من الأعمال التلفزيونية، مما يعكس شغفه بالسينما والتلفزيون.
أنْ يُقتَل في منزله رفقة زوجته، أو يرحل في فراشه وامرأته جالسة قربه، إنْ لم ترحل قبله، لن يُبدّل الحال، لأنّ الموت واحدٌ، وإنْ تكن أساليبه كثيرة. الأميركي روب راينر (1947)، وزوجته ميشيل سينغر (1957)، يُعثَر عليهما مقتولَين في منزلهما، في برنتوود (كاليفورنيا)، يوم الأحد، 14 ديسمبر/كانون الأول 2025. الإشارة الأولى إلى القتل تتمثّل بطعنات سكين. التحقيقات ستؤكّد سبب الوفاة.
إذاً، مخرج سينمائي آخر يرحل، تاركاً وراءه ليس فقط سالي وهاري، وبضع رجال طيّبين (أو صالحين، أو شرفاء)، بل نتاجٌ يتنوّع بتنوّع المزاج الخاص به، وينتقل من الثريلر إلى الكوميديا، كانتقاله من الإخراج إلى التمثيل فالإنتاج، والأخير غير متجاوزٍ إنجازاته الإخراجية الخاصة، باستثناء تجربة "نهر الرياح: الصعود" للكندية كاري سْكوغْلاند، الذي لم يُحدَّد موعد إطلاق عروضه التجارية إلى الآن. تنوّع يكشف جوانب من شخصيةٍ عملية، تجهد في تحقيق توازنات مطلوبة بين السينمائي البحت والتجاري المرغوب فيه كثيراً داخل هوليوود تحديداً، ما يعكس براعةَ مهنةٍ ربما لن تصنع الأهمّ والأجمل والأفضل في التاريخ المعاصر للسينما الأميركية، لكنّها بالتأكيد تُفرز ما يبقى عالقاً في تفكير وذات، و"عندما التقى هاري بسالي" (When Harry Met Sally، 1989) أحد أفضل النماذج التي يُعوَّل عليها في تحقيق توازن حَسن بين مضمون وشكل، يُفترض بأحدهما أنْ يتكامل مع الآخر في صُنع السينما.
نموذج آخر، يُعتبر أقوى وأجمل: "بضع رجال صالحين" (A Few Good Men، 1992)، الذي يُصبح، أقلّه بفضل بعض أجمل مشاهده، درساً في التمثيل (توم كروز وجاك نيكلسون وديمي مور تحديداً، علماً أنّ الملازم دانيال كافي سيمنح كروز أحد أجمل أدواره، المتحرّرة من شخصية الـ"بلاي بوي" الوسيم والنشيط والمُدافع عن العالم) والتصوير (روبرت ريتشاردسون) والتوليف (روبرت لايتن وستيفن نيفِيَس)، خاصة في مشهد المحكمة. لكنْ، ماذا عن "أشباح المسيسيبي" (Ghosts Of Mississippi، 1996)؟ هذا غوصٌ في أوحال العنصرية البيضاء، في ستينيات القرن 20، والبحث في التركيبة البشرية، اجتماعياً ونفسياً وسلوكياً، عبر شخصيات تتورّط في حالة ناشئة بعد اغتيال الناشط الأسود مدْغِر أفِرس (12 يونيو/حزيران 1963).
روب راينر سيكون، بدوره، أحد السينمائيين الساعين إلى اختبار العمل وفق اشتغالات الكاتب ستيفن كينغ: "بؤس" (Misery، 1990) مثلاً، المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه (1987). لكن "الرعب"، الذي يتابعه عشّاق كينغ بشغف، لن يتفرّد ببثّ أجوائه وتوزيع مفرداته في الخطّ الدرامي، كما في متفرعات قليلة تنبثق منه، لأنّ راينر، باختياره هذا النص الروائي، يُتيح متنفّساً ولو صغيراً لتبيان شيءٍ من النفس البشرية الفردية، في علاقتها بالكتابة الأدبية والمشاعر والأمكنة والأشياء.
رغم مهنيّته السينمائية في إنجاز فيلم تشويق، يمتلك شيئاً من رعبٍ وحركة داخلية، يبرع روب راينر في الكوميديا متنوّعة الأشكال، وبعضها عالقٌ في ذاكرة فردية: "لائحة الأمنيات" (The Bucket List، 2007)، و"الرئيس الأميركي" (The American President، 1995)، و"نورث" (North، 1994) وغيرها. هناك وصفٌ يُلصق بأفلامٍ كهذه: كوميديا درامية. أي ذاك النوع السينمائي (والتلفزيوني طبعاً) الذي "يستخدم عناصر كوميدية لأغراضٍ درامية"، وهناك من يُضيف أنّ الكوميديا فيها مهمومة بالسخرية من الجوانب المظلمة والسلبية. فهل يُمكن تخيّل الكمّ الرائع من الضحك والسخرية، والانتقادات المبطّنة والعلنية، الذي يُنتجه لقاء كبيرين في حكاية واحدة، أي مورغان فريمان وجاك نيكلسون، والأخير منتقلٌ من الدراما، بتمثّلات مختلفة لها، كالجريمة والصرامة العسكرية والخفايا والألاعيب والسلطة والبطش والمواجهة (بضع رجال صالحين)، إلى بهاء الكوميديا، وهذا حاصل بحِرفية مهنية مذهلة (لائحة الأمنيات)؟
له، بالتالي، فيلم سيرة بعنوان LBJ، المنجز عام 2016، عن سيناريو لجوي هارستن، يخطّ مقتطفات من سيرة ليندن باينز جونسون، الذي سيُصبح الرئيس 36 للولايات المتحدة الأميركية، غداة اغتيال جون كينيدي (22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963): سيرة حياة، مسارات سياسة، نزاعات من أجل مصالح ورغبات، نجومية السابق عليه، التي يزداد منسوبها القوي بفعل الاغتيال، حرب فيتنام ومناهضتها الداخلية، جاذبية كينيدي التي تُضيء البيت الأبيض، إلخ.
ميزة روب راينر، إذاً، متمثّلةٌ بتمكّنه الإخراجي من الاشتغال في أنماطٍ سينمائية مختلفة، وبقدرته على تضمين كل نمطٍ (تقريباً) مفردات من أنواع أخرى، بغية إضفاءِ لمسة مُختلفة، ولو قليلاً، على مسارات درامية حادة، أحياناً. لكنّ له ميزة أخرى، تظهر بتمثيله أدواراً سينمائية، ربما لن تعلق كثيراً في الذاكرة، وبمشاركات تلفزيونية (أفلاماً وحلقات) أيضاً. التنويع في المهن السينمائية والتلفزيونية منبثقٌ، ربما، من بحثٍ مستمرّ عما يُتيح له تعبيراً، أو تمريناً مهنياً، أو اختباراً عقلياً يضعه أمام تحدّيات الابتكار. وهذا غير سهلٍ بالنسبة إلى متابعٍ له في مساراته الفنية، أو لعلّه أسهل بالنسبة إلى السينمائي نفسه، الذي يعتاد تنويعاً يُعينه على التنفّس في صناعةٍ هوليوودية ضاغطة: يُخرج 21 فيلماً في 41 عاماً (ويكيبيديا الفرنسية)، إلى التمثيل في أفلامٍ طويلة وقصيرة، وأعمالٍ تلفزيونية. أهذا كثيرٌ؟ ربما. لكنْ، يندر العثور على فيلمٍ له غير نافع (إخراج)، وإنْ يندر ـ في الوقت نفسه ـ بلوغ أفلامه مرتبة الإدهاش المطلق.
سينمائي آخر يرحل، ورحيله دافع إلى استعادة شيءٍ من سيرة، والسيرة خصبة بنتاجات متفرّقة.