مقاربة الإبادة في غزة درامياً

27 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 06:42 (توقيت القدس)
الممثل الأردني إياد نصار (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعتزم الفنان إياد نصّار إنتاج عمل درامي جديد عن حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، مع مخاوف من التسرع في الإنتاج الذي قد يعيق توثيق المعاناة بشكل لائق.
- يتطلب إنتاج دراما عن غزة التمهل لتجنب الصور النمطية والاستشراقية، وضمان جودة عالية تعكس الواقع الفلسطيني بدقة، بعيدًا عن الكليشيهات واللهجات غير المناسبة.
- الكتابة الجيدة هي عنصر حاسم، ويجب الاستعانة بورشات سيناريو تجمع بين الاحتراف والإحساس، لإنتاج دراما تعكس الواقع الفلسطيني بصدق وعمق.

في الأخبار أن الفنان الأردني ــ الفلسطيني إياد نصّار بصدد عمل درامي جديد يتناول على نحو أو آخر حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وبعيداً عن حسن النيات ونبل المقصد، فإن "التعجّل" إذا صح الوصف قد يكون وصفة للفشل، والإساءة بالتالي للهدف النبيل المعلن، وهو توثيق معاناة الغزّيين، خصوصاً أن "كل منزل فلسطيني يستحق عملاً درامياً متكاملاً" بحسب تصريحات للفنان المعروف والموهوب.
لا تفصلنا سوى شهور قليلة عن موسم رمضان الدرامي المقبل، حيث من المفترض عرض العمل إذا دارت عجلة إنتاجه فعلاً، وهذا وقت بالغ القصر لإنتاج دراما "جاذبة" مكتملة العناصر، وتفي موضوعها حقه، لا بالتوثيق، وهذا تفعله الوثائقيات والتغطيات التلفزيونية، بل بالمعالجة الدرامية التي يفترض أن توازن بين ما هو موضوعي (إبادة غزة) وذاتي (وهو هنا زاوية المعالجة الدرامية وبشروطها). والظن أن الأمر يتطلب وقتاً أطول، وإلماماً بتفاصيل إنسانية أكثر تعقيداً من المعالجات الإعلامية المعنية بملاحقة اليومي وتفاصيله، وهي كثيرة، وقد لا تكون مناسبة للدراما.
لكن، وأياً تكن التحفظات هنا، فإنه يُحمد لصنّاع الدراما، بعضهم وليس كلهم، الانشغال بغزة، وهي حدث كبير في العالم وليس المنطقة وحسب، والمأمول هو التمهّل لا التعجّل، وإنتاج أعمال درامية بسوية عالية لا بشعارات كبيرة، وهو ما نأمل أن يُعنى به الفريق العامل على الدراما التي تحدث عنها نصّار.
تحتاج غزة إلى الكثير من المبدعين، والبعض يظن أن كتابة رواية في شهر ونصف شهر عنها أو قصيدتين كل ثلاثة أيام هو غاية الأرب، كأننا في سباق لا إبداع قد يكون عملاً مركباً، وليس غنائياً، ويحتاج إلى وقت وإلى تخمّر في الجِرار ليكون المُنتَج لائقاً بموضوعه، ولا يسيء إليه ويحوّله إلى فعل شعبوي يستهدف التصفيق وإبراء الذمة أو التخلص من الشعور بالذنب.
والمؤسف أن التفكير يذهب غالباً إلى أعمال تبدو استشراقية، تكرّس اغترابها عن موضوعها لهجاتٌ فلسطينية هجينة، مصرية أو لبنانية، ومنمطة على صعيد الزي، علماً بأن الفلسطينيات على سبيل المثال لا يرتدين الثياب المطرزة إلا في المناسبات، ومسيئة باقتراح الفلسطيني "فلاحاً" أو ضحية دائماً، وهو قد يكون ضحية إسرائيل، لكنه في نهاية المطاف ليس ملاكاً ساذجاً في بقية شؤونه التي لا ترتبط بإسرائيل.
وتلك واحدة من مآسي الصور النمطية، المسبقة، والمتعسفة، وغير الملمة بالتفاصيل، وهي غالباً ما تكون من إنتاج آخر، قد يكون عربياً ويعيش في الجوار ويتحرك بحسن نية، لكنه من حيث لا يقصد يسيء، فلا ينتج إبداعاً يليق ولا يصحح صورة مشوّهة بل يزيدها بؤساً على بؤسها المعروف والمتداول.
في "حارة اليهود"، على سبيل المثال، وهو دراما مصرية من إنتاج 2015، يبدو الفلسطيني وكأنه خرج من كاتالوغ سياحي أو دعائي يجيب عن  سؤال كيف تكره الفلسطيني؟ أو كيف يكون الفلسطيني خائناً أو قضية خاسرة، مقابل اليهودي الذي قورب بحب وانحياز مسبق.

ملحق سورية الجديدة
التحديثات الحية

وفي "فرقة ناجي عطا الله" وهو من إنتاج 2012: كيف يكون الفلسطيني طيباً بسذاجة ومناضلاً بلا حدود وطوال الوقت إذا شئت، وهذه وسواها كرّست فلسطينياً لا يعرفه الفلسطينيون في حياتهم ومعاشهم. وتظل قليلة تلك الأعمال التي قاربته كما هو، وسبرت أغوار مأساته من دون أن تغرّبه عن نفسه، ومنها "التغريبة الفلسطينية" للمخرج السوري حاتم علي (إنتاج 2004)، وقد يكون مردّ ذلك أن كاتب القصة والسيناريو واحد من كبار المبدعين الفلسطينيين الأحياء، وربما أكثرهم قدرة على موضعة الحالة الفلسطينية في سياق درامي، مع إحساس عالٍ ومعرفة عميقة بالسياقين الاجتماعي والسياسي للأحداث، وهو الأكاديمي والشاعر وليد سيف.
وإذا صح ما سبق، فإن "الورق" على حد وصف الراحل صلاح أبو سيف، أو "الكتابة" ستكون حاسمة في مقاربة أي حدث في غزة درامياً، وهو ما يصح في أي موضوع آخر بالطبع، لكنه يُتجاهَل في أعمال درامية في الشأن الفلسطيني بخفة تثير الحنق والغيظ.
وليس ثمة من حل إلا بالاستعانة بورشات سيناريو، إذ لا يكفي الاحتراف هنا في ما يتعلق بتقنيات هذا النوع من الكتابة بل الإحساس بالموضوع ووضعه في سياقه الحقيقي والصحيح، كي لا يتحول نبل المقصد إلى ضده، فنسيء أكثر مما نقارب، وننتج شعارات لا دراما، وننفّر ولا نجذب.