- النوستالجيا تلعب دورًا في جذب الجمهور القديم، لكنها ليست كافية لضمان استمرارية النجاح، مما يتطلب مشاريع فنية جديدة تتماشى مع العصر الرقمي.
- نماذج مثل كاظم الساهر وعمرو دياب تظهر أن النجاح المستدام يتطلب التكيف مع التحولات الرقمية وتطوير الأدوات الفنية والتسويقية.
تحولت عودة نجوم الغناء الذين صنعوا شهرتهم قبل عصر المنصات الرقمية، خصوصاً في عقد التسعينيات، إلى اختبار لقدرتهم على استعادة جمهورهم في سوق تغيرت قواعده بالكامل. فالمغني الذي كان يحتاج إلى أغنية ناجحة وألبوم رائج وحفل جماهيري كي يثبت حضوره، بات اليوم مطالباً بمواجهة خوارزميات المنصات، وسرعة إنتاج المحتوى، وأرقام المشاهدات والاستماع، والتفاعل اليومي مع جمهور اعتاد أن يرى نجومه على شاشته الصغيرة أكثر مما ينتظر ظهورهم على المسرح.
من هنا، تبدو عودة بعض الأسماء التي غابت سنوات طويلة أشبه بمحاولة لعبور جسر بين زمنين: زمن صنعت فيه الموهبة وحدها تقريباً نجومية المغني، وزمن أصبحت فيه الاستمرارية مرتبطة بالقدرة على مواكبة العالم الرقمي. فهل يكفي أن يتذكر الجمهور أغاني نجوم الأمس كي يمنحهم فرصة جديدة؟ وهل تستطيع النوستالجيا أن تتحول إلى نجاح مستدام، أم أنها تظل مجرد لحظة عابرة سرعان ما تنتهي بانتهاء الحفل؟
قبل أيام، أحيت المغنية اللبنانية مايا نصري حفلاً في بيروت، واستقطبت مئات الأشخاص الذين لا يزالون يحتفظون في ذاكرتهم بأغانيها القديمة التي حققت انتشاراً لافتاً. كانت نصري من اكتشافات المخرج الراحل سيمون أسمر، وشاركت في برنامجه "كأس النجوم"، وفازت بكأس المطربة الراحلة ليلى مراد. ثم تبناها مكتب استديو الفن والمنتج محمود موسى صاحب شركة ريلاكس إن، فأصدرت ألبومها الأول "لو كان ليك" عام 2003، المؤلف من ثماني أغان.
لاحقاً، انفصلت نصري عن إدارة مكتب استديو الفن عام 2002، وانضمت إلى عائلة "روتانا" التي أصدرت ألبومها الثاني، قبل أن تطرح "إزاي تعرفني" عام 2005، ثم "جايي الوقت" عام 2008، وهو آخر ألبوماتها. وخلال تجربتها، تعاملت مع أسماء بارزة في صناعة الأغنية، بينها زياد بطرس ومروان خوري ومحمد رحيم وصلاح الشرنوبي، قبل أن يؤدي زواجها من المخرج المصري إيهاب لمعي إلى ابتعادها فترة طويلة عن الغناء.
كانت نصري قد قالت في مقابلة أجرتها قبل عام إنها انشغلت بالعائلة والمنزل، لكنها لا تمانع في العودة إلى الغناء إذا عُرض عليها مشروع فني جيد. وجاء حفل بيروت ليقدم أول اختبار فعلي لهذه العودة، وسط تفاعل جمهور بدا أن جزءاً كبيراً منه جاء لاستعادة مرحلة عمرية وذكريات ارتبطت بأغانيها.
إلا أن الناقدة الفنية رحاب ضاهر ترى أن ما تشهده الساحة الغنائية من عودة بعض المغنين بعد سنوات من الغياب لا يتجاوز، في حالات كثيرة، محاولة لاستمالة تعاطف جمهور لا يزال يتذكرهم. وتقول لـ"العربي الجديد" إن الساحة تعيش عصراً من الاستهلاك الغنائي والموسيقي الواضح، معتبرة أن استعادة بريق السنوات الأولى ليست مهمة سهلة.
النوستالجيا وحدها لا تكفي لإعادة هؤلاء النجوم إلى ساحة المنافسة
وبخصوص مايا نصري، ترى ضاهر أن رصيد نجاحها الحالي لا يتجاوز الحفل الذي أحيته في بيروت، وأن السؤال هو عما إذا كانت قادرة على الاستمرار بعد هذه اللحظة. وتضيف أن الإجابة تحتاج إلى وقت، خصوصاً أن تجارب سابقة لعودة مغنيات لم تثبت قدرتهن على الاستمرار. وتشير إلى عودة دارين حدشيتي التي أصدرت أغاني جديدة لم تحقق الصدى المطلوب، وكذلك إلين خلف التي راهن البعض على عودتها، وأقامت حفلاً قبل أن تختفي. تصف ضاهر هذه الظاهرة بأنها "صحوة الغائب".
وفي فبراير/ شباط الماضي، عادت إلين خلف إلى الضوء بعد مقابلة مع منصة المشهد الإماراتية، ما دفع بعضهم إلى التفاؤل بإمكان استعادتها نجاحها الذي حققته في أواخر القرن الماضي، خصوصاً مع الحديث عن إنتاجات غنائية جديدة، وحفل جذب مئات الأشخاص الذين ما زالوا يحفظون أغانيها. لكن خلف غابت بعدها، لتطرح عودتها السؤال نفسه: هل يكفي الجمهور القديم لإعادة إطلاق مسيرة فنية في سوق جديد؟
وفي الخامس من سبتمبر/ أيلول الحالي، يحيي المغني اللبناني أحمد دوغان وزميله مايز البياع حفلاً في بيروت، بعد سنوات طويلة من الغياب. وكان الاثنان قد حققا نجاحاً كبيراً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، قبل أن يبتعدا عن المشهد.
وجاءت ردات الفعل على عودتهما عبر مواقع التواصل الاجتماعي متباينة؛ فبينما رأى بعضهم أنهما أصبحا في عداد الأسماء المنسية، رحب آخرون بالعودة، مراهنين على موهبتهما وحرفيتهما اللتين صنعتا حضورهما قبل أكثر من أربعة عقود، في زمن لم تكن فيه المنصات الرقمية موجودة أصلاً، ولم تكن أرقام المشاهدات والاستماع معياراً للنجاح.
في القاهرة، شهدت السنوات الماضية بدورها محاولات لإعادة نجوم غائبين إلى المنافسة، خصوصاً من جيل التسعينيات، إذ طرح عدد منهم أعمالاً جديدة وأغاني منفردة مصورة، وظهروا في برامج تلفزيونية، وأحيوا حفلات حضرها محبوهم. وفي عام 2018، أقيم مهرجان نجوم الكاسيت في القاهرة، وقُدّم آنذاك باعتباره "حفل القرن"، بمشاركة نحو 20 مغنياً، بينهم محمد فؤاد وأحمد عدوية وسيمون ومي عبد الغني وعلاء عبد الخالق وحنان وعلي حميدة وحسام حسني وغيرهم.
لكن مقارنة هذه التجارب بنجاحات كاظم الساهر وعمرو دياب وراغب علامة تكشف أن المسألة لا تتعلق بالعمر أو بعدد سنوات الغياب وحدهما، بل بقدرة الفنان على إدارة انتقاله بين الأزمنة. فاستمرارية الساهر ودياب وعلامة، طوال نحو أربعة عقود، لا يمكن فصلها عن قدرتهم على تطوير أدواتهم الفنية والتسويقية ومواكبة التحولات في صناعة الموسيقى.
هؤلاء لم يكتفوا بتاريخهم، بل دخلوا العالم الرقمي وأصبحوا جزءاً منه، فازداد الطلب على حفلاتهم، وحققت إصداراتهم نسب مشاهدة واستماع مرتفعة. وهنا تكمن المفارقة: المنصات التي تبدو لبعضهم مجرد أدوات تقنية، أصبحت اليوم واحدة من أهم الوسائل التي تصل الفنان بجمهوره وتعيد تعريف مفهوم النجومية نفسه.