"معركة تلو الأخرى": يسار متشظٍّ ضد تحالف البوليس والليبرالية
استمع إلى الملخص
- يتناول الفيلم التناقضات الاجتماعية والسياسية في أمريكا، مثل العنصرية والتمييز الطبقي، ويظهر العلاقة المعقدة بين الثوري بوب وابنته في ظل هيمنة الليبرالية.
- يستند الفيلم إلى رواية "فاينلاند" لتوماس بينشون، ويعكس حياة أسرة متمردة في كاليفورنيا، مع رؤية نقدية للسياسات الرأسمالية والهيمنة البوليسية.
تستحق الأفلام، التي تملك عموداً فقرياً لتخرج من حواسيب المونتاج إلى قاعات السينما، أن تُشاهَد ويُكتب عنها من دون قراءة ما كُتب عنها، كي يولد النص من المشاهدة، لا قبلها. تستحق أن يكتب الناقد على ضوء الشواهد المادية التي يلتقطها من الفيلم، سردياً وبصرياً.
سردياً: "معركة تلو الأخرى" (2025)، لبول توماس أندرسن، يحمله ممثلان، تياران أيديولوجيان. بصرياً: المكانان متباعدان. ليوناردو دي كابريو ضد شون بَنْ. اليسار المتشظي ضد تحالف البوليس والليبرالية المطلقة. مكان مديني مزدحم، وطريق طويل خال ومخيف. هنا يجري الحب والحرب تحت مراقبة بوب (دي كابريو) وستيفن (بَنْ).
في أفلام كثيرة، يكون دي كابريو برفقة ممثلين أقلّ حضوراً فنياً منه. لكنه هنا يواجه العملاق بَنْ. هذا يحمي الكاستينغ باعتماد ممثلين من مستويات متباعدة. أدّى بَنْ الدور بسلاسة مذهلة، وبسوداوية على حافة الجنون. يمشي كأنه خُتن للتو. قدّم أداء كاريكاتورياً، يكشف الموقف العدواني للمخرج من الشخصية. يعمل ضابطاً في جهاز بوليس مخترق من مافيا يمينية عرقية. ضابط يطارد شابة ثورية حبلى، لا تنوي تحمّل التبعات. هذه محنة الثوريين القدامى في زمن انتصار الليبرالية المطلقة. يحنّون إلى زمن انطلاق الثورة الكوبية، ولاهوت التحرير اللاتينوأميركي المُحارِب، و"معركة الجزائر" (1966) لجيلو بونتيكورفو، الذي ظهرت لقطات منه في الفيلم.
فشل التغيير السياسي. لا أمل في التغيير السلمي، لذا انتقل اليساريون إلى العنف المسلح. يلمع الثوريون التروتسكيون مؤقّتاً، زمن البوليس. شابة ثورية في فراش ضابط شرطة. أي عار. ضابط أبيض يخجل من علاقته بشابة سمراء، ويعتبر ذلك كارثة في سجله الوظيفي. في لحظة المحاسبة، تنكشف حقيقة: ينقرض الرفاق فجأة، ويموتون باكراً، بينما يشيخ الرأسماليون، ويسمَنون على مهل. في ردات فعل صغيرة، ينكشف اليمين العرقي الذي يخفي وجهه النازي.
يقع بوب في الحب. هذا وعد رومانسي. تضاهي وسامة دي كابريو وسامة براد بيت وآلان دولون وروبرت ريدفورد. ممثلون أوسم من جميع نساء الأرض. تستسلم العين والكاميرا للجمال. جاك (دي كابريو في "تايتانيك" لجيمس كاميرون، 1997)، العاشق المُضحّي الذي أبكى الفتيات، أوسم من حبيبته روز (كايت وينسليت).
في "معركة تلو الأخرى"، لا يحتاج دور بوب إلى وسامة زائدة. قرأ أندرسن وجه الممثل، وحدّد التغيير الضروري. أعار دي كابريو وجهه الأرستقراطي، لتقمّص دور ثوري سوقي. أدّى شخصية بائس مُشرّد ومُطارد. شخصية راسخة في الثقافة الشعبية، بدءاً من الملابس الواسعة، وطريقة التدخين، وتحريك مُبالغ به للملامح، وحركات وجه زائدة للتعبير عن انفعالات البيئة الشعبية. بوب ثوري طفولي، تقول له ابنته: "اكبَر قليلاً". هذا مثال لعظمة ممثل حربائي على الشاشة.
حلّت العين محل الأذن بفضل الكاميرا، لذا "علا شأن الجسد في العصر الحديث" ("تاريخ الجمال"، جورج فيغاريلو، ص. 343). أدّى دي كابريو الوسيم دوراً لا يطابق أناقته الأرستقراطية. تكشف وسامته ماضي النعمة التي تربّى فيها. لطمس ذلك، تُظهر الملابس الواسعة الممثل قصيراً، وتُسهّل الطاقية واللحية المستديرة محاولة جعل وجه الممثل صغيراً، يحمل بؤساً، لأن وجوه أولاد النعمة ورؤوسهم تكون عادة كبيرة. يتعلّم البطل التقاط سيلفي لوجهه. كلّ هذا يخاطب عين المشاهد. وجه دي كابريو يُسِرّ من يراه. في أفلامه، يمنح حياة وحيوية وجاذبية للأدوار التي يؤدّيها، لأنه ينفصل عن ذاته. هذا لم يفعله في أدائه دور النجم ريك دالتون في "حدث ذات مرة في هوليود" (2019)، لكوينتن تارانتينو.
انفصل دي كابريو عن نفسه، وتغلغل في ذهنية الثوري المُهدَّد بالانقراض، وشخّصها وجسّمها، لأنه ممثل يصوغ أداءه ويكثّفه ويلخّصه، كما طلب بيتر بروك. يتحدث الممثل بملامحه أكثر من لسانه. كيف؟ ينجح في الأداء حين يفهم الفكرة الكامنة وراء الحكاية. لماذا؟ لأن "هناك عملية تغلغل سيكولوجية لا يمكن تحقيقها إلّا من خلال إدارة جيدة للممثلين، وبواسطة ممثلين من الدرجة الأولى"، بحسب غبريال غارسيا ماركيز. تغلغل دي كابريو في روح شخص مرعوب، يتظاهر بالشجاعة، ثوري يفكر في طفلته أكثر من الثورة. تتعطّل الثورة الطامحة إلى التغيير حين تحلّ محلّها الأبوة المهووسة بالأمان.
يحاول بوب المرعوب حماية ابنته. تجري مطاردات في فضاءات مرقّعة، بها شبابيك حديدية كثيرة، يتزاحم فيها مهاجرون لاتينيون، بوجوه مُنهكة ومُعبّرة، يطبّقون حلولاً سحرية لمشاكلهم، للتعايش مع حياة مرقّعة تُعقّدها الصلاحيات الزائدة للشرطة التي تعسكرتْ.
لم تندثر المكارثية من أميركا، ولا من العالم. في كل مكان، هناك رعب من قوى اليسار وخطابها، مهما كانت صغيرة وهامشية. هذا حاضر في الشاطئين الشرقي والغربي لأميركا. في نيويورك ولوس أنجليس. ينبع العداء لليسار من الغرب الأميركي الأوسط.
في الفيلم لمسة موسوعية تهدّده بالتشتّت في نصفه الأول، لكنّ الخيوط كلّها جُمِعت في الساعة الأخيرة بدقّة، فقَلّ الضجيج والزحام، لتجري تصفية الحساب بهدوء. في قيادة السيارة، والعين إلى الخلف عبر المرآة، هناك استعارة قوية لعلاقة الماضي بالحاضر، كطريق ملتوٍ على سلسلة هضاب ذات منخفضات ومرتفعات ومنعرجات، تصعب النجاة منها. صار المكان مُولّداً للتشويق، وفرصة لابتكار كادر سينمائي حيوي، وصورة سينمائية عميقة.
هذا فيلم لمخرج وُلد في حي الاستديوهات بلوس أنجليس، يقتبس رواية عن حياة أسرة متمرّدة، لتمجيد الماضي الثوري لولاية كاليفورنيا ولأميركا (رواية "فاينلاند" لتوماس بينشون، 1990). فيلم بلمسة بوليسية عنيفة. إنها طريقة عيش في عالم "معركة تلو الأخرى". عنوان حربي يلائم المرحلة. ضابط مختلّ يطارد ثورياً سابقاً مُشرّداً في زمن هيمنة البوليس ورجال الأعمال اليمينيين، الذين يعتبرون الماضي الثوري عاراً لأميركا الرأسمالية. فيلم عن اللحظة التاريخية التي يعيشها المهاجرون. فيه مطاردة طويلة، يفتح فيها البطل كتالوغ شخصيات متباينة.
أحداث الرواية تحصل في زمن الرئيس رونالد ريغان، النسخة الأنيقة من دونالد ترامب. يحكي أندرسن وقائع حاصلة في زمن بعيد. لديه حفرة زمنية تمتدّ 15 سنة، ملأها بالوجوه نفسها، مع فارق أن الثوار زادوا بؤساً، والأغنياء ازدادوا نفوذاً. المقارنة مؤلمة.