معرض "الأطفال السمر"... أبناء الجنود المنبوذين

15 يناير 2021
الصورة
توثيق شهادات هؤلاء الأبناء الذين أصبحوا في السبعينيات من أعمارهم الآن (المتحف المختلط)
+ الخط -

يساهم "المتحف المختلط" (The Mixed Museum) في توسيع معرفة تاريخ الأقليات العرقية والسود في بريطانيا، ويسلّط الضوء على جوانب قاتمة تمّ تجاهلها، أو إبقاؤها طي الكتمان، في زمن ناضلت هذه الأعراق فيه دفاعاً عن بريطانيا، بينما أصدرت الأخيرة قرارات في غاية السرية، تحطّ من قدر الملونين، وتعترف بفوقية العرق الأبيض. 
"المتحف المختلط" هو أرشيف رقمي يمكن العثور فيه على لمحة عامة عن تاريخ الاختلاط العرقي في بريطانيا منذ عام 1900 وما بعده، وهو يسعى إلى توسيع المخطط الزمني، ليشمل فترات زمنية سابقة. 
من المعارض الأحدث لـ "المتحف المختلط" معرض "الأطفال السمر" Brown Babies الذي يستضيفه بدءاً يناير/كانون الثاني الحالي، ويقدّم فيه الأحداث المغمورة للزيجات مختلطة الأعراق والعائلات في بريطانيا، خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين.
نتلمّس في المعرض أنّ الاختلاط السكاني بين الأعراق كان محدوداً في السنوات الأولى من القرن العشرين في بريطانيا، وكان يقتصر بشكل أساسي على الضواحي الصغيرة في مدن الموانئ في لندن (مثل إيست إند لايمهاوس) وكارديف. وأنّ التقارير الإعلامية ركّزت فقط على الأزواج متعددي الأعراق من المشاهير والأثرياء.
جاءت الحرب العالمية الأولى لتقلب الأمور رأساً على عقب، حيث تم تجنيد رجال من المستعمرات البريطانية في الخدمة، من أصحاب البشرة السوداء، وتسريح أعداد كبيرة منهم في نهاية الحرب. الأمر الذي أدّى إلى ازدياد فرص الزواج بين البيض والسود، وبداية ظهور المجتمعات المختلطة في المدن الساحلية البريطانية، ولا سيما في كارديف/ ويلز. 
يظهر الخط الزمني للمعرض أنّه يمكن وصف العشرين عاماً التالية (من 1920 ولغاية عام 1940) بعصر الإدانة الأخلاقية للأزواج من أعراق مختلفة ولأطفالهم. بدأت هذه العقوبات تظهر بشكل "بيان تحذير لمسجلي الزيجات" بين أعراق مختلفة. وصدر أمر خاص بشأن البحارة الأجانب الملوّنين، يفرض قيوداً على زواجهم من النساء البيض.
نُشرت الكثير من التقارير الأولى عن أطفال "العرق المختلط''، من قبل علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، بناءً على القياسات الفيزيائية التفصيلية، في مجلة "جمعية علم تحسين النسل". بيد أنّ المجلة التزمت بموقف محايد، خوفاً من العواقب البيولوجية لما كان يسمى بـ "عبور العرق". 
ولا يزال تقرير "فليتشر" سيئ السمعة لعام 1930، الذي وصف الأزواج المختلطين في ليفربول وأبناءهم بلغة عنصرية وتحريضية، حاضراً في تاريخ العنصرية، حيث لمّح فيه إلى "بيوت الدعارة" و"الفوضى" و"عدم الشرعية" و"الأمراض المُعدية"، ووصف الزواج المختلط بين الأعراق بغير الأخلاقي. 

نُشرت الكثير من التقارير الأولى عن أطفال "العرق المختلط''، من قبل علماء الأنثروبولوجيا البريطانيين، بناءً على القياسات الفيزيائية التفصيلية، في مجلة "جمعية علم تحسين النسل"

وفي يناير/كانون الثاني 1942، بعد دخول الولايات المتحدة الحرب، تم نقل عدد كبير من الجنود الأميركيين إلى بريطانيا. على مدى السنوات الثلاث التالية، مر ما يقرب من ثلاثة ملايين جندي عبر البلاد، 8 بالمائة منهم أميركيون من أصول أفريقية.
ومنذ اللحظة التي علمت فيها الحكومة البريطانية أن القوات الأميركية ستصل، كان هناك قلق في الدوائر الرسمية بشأن عواقب وجود الجنود السود. أحدها كان الخوف من احتمال علاقات مختلطة الأعراق وإنجاب أطفال ملونين. كما كان وزير الداخلية، هربرت موريسون، قلقاً من خلق مشكلة اجتماعية صعبة في حال إنجاب أطفال من زواج عرقي. 
ولتفادي ولادة هؤلاء الأطفال، حرصت الحكومة على تثبيط الاختلاط بين الجنود السود والنساء المحليات. واقترحت أنّه لا يجوز أن ترتبط المرأة البيضاء بالرجال الملونين، كما قرّرت منعها من الخروج أو الرقص أو الشرب معهم. بيد أنّ هذه الاقتراحات الحكومية وغيرها بقيت مكتوبة بالحبر الأحمر تحت عنوان "الأكثر سرية". 
ويعود هذا التكتم عليها في المقام الأول إلى القلق من أن مواءمة السياسات الأميركية للفصل العنصري من شأنها أن تسبب الغضب في جميع أنحاء المستعمرات البريطانية آنذاك، حيث كان الملايين من الرجال والنساء الآسيويين والسود يقاتلون نيابة عن بريطانيا. وأصدر مكتب الحرب مرسوماً يقضي بضرورة قيام الجيش البريطاني بإلقاء محاضرات على قواته، بما في ذلك نساء الخدمة الإقليمية المساعدة، حول الحاجة إلى المحافظة على حد أدنى من التواصل مع الجنود السود.
كل ذلك لم يمنع النساء البريطانيات من إقامة علاقات مع الجنود السود، لكنهن واجهن وابلاً من الانتقادات. وبحلول أكتوبر 1943، كانت وحدة الاستخبارات المنزلية تشير إلى قلق الناس المتزايد بشأن "العدد المتزايد من الأطفال غير الشرعيين، من العديد من الرجال الملونين".
تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من ألفي "طفل أسمر" ولدوا في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وكانوا جميعهم تقريباً "غير شرعيين". ("الأطفال السمر" هو المصطلح الذي أعطته الصحافة الأميركية الأفريقية لهؤلاء الأطفال).
وكان ينبغي على كل جندي أميركي أن يحصل على إذن للزواج من ضابطه (كانوا جميعهم تقريباً من البيض في المملكة المتحدة). وكان يعتبر تفادي طلب هذا الإذن بمثابة جريمة عسكرية. مع العلم أنّه تمّ رفض هذا الإذن بشكل دائم ولم يسمح لجندي أسود الزواج من بريطانية بيضاء.

وفقاً للجندي الأسود السابق أورموس دافنبورت، الذي كتب بعد الحرب، فإنّ الجيش الأميركي أبرم "اتفاق الرجل نبيل" بشكل غير رسمي، ليصبح سياسة رسمية في الممارسة الفعلية. ونصت الاتفاقية على أنه "لن يُسمح لأي جندي أو بحار زنجي بالزواج من أي فتاة بريطانية بيضاء! (...) لا توجد عروس واحدة تعود إلى الولايات المتحدة بموجب مخطط الحكومة الأميركية وهي زوجة لزنجي". 
تم تسليم ما يقرب من نصف "الأطفال السمر" إلى السلطات المحلية أو دور الأطفال، وكانت الأمهات يواجهن وصمة عار تتمثّل في إنجاب طفل غير شرعي و"ملون". والحقيقة أن ما بين ثلث أو نصف الأمهات كنّ متزوجات بالفعل.

أملت الأمهات اللواتي أرغمن على التخلي عن أطفالهن أن يتم تبنيهم. لكن مجتمعات التبني كانت تكره قبول أطفال سود أو مختلطي الأعراق

أملت الأمهات اللواتي أرغمن على التخلي عن أطفالهن أن يتم تبنيهم. لكن مجتمعات التبني كانت تكره قبول أطفال سود أو مختلطي الأعراق. بيد أنّ الزائرة الصحية المشرفة على سومرست، سيليا بانغام، كانت حريصة على ترتيب تبنيهم من قبل آبائهم المفترضين، بالقرب من الأقارب أو العائلات "الملونة" الأخرى في الولايات المتحدة.

يروي المعرض أنّه في 13 ديسمبر/كانون الأول 1945، التقى وزير الداخلية، جيمس تشوتر إيدي، مع الآنسة بانغهام وفيكتور كولينز، النائب عن تونتون، لمناقشة إمكانية التبني في الولايات المتحدة. وأوضح الموقف القانوني بشأن التبني: بموجب القانون البريطاني (قانون التبني لعام 1939)، يُسمح للأطفال فقط بالانتقال إلى الخارج للعيش مع رعايا بريطانيين أو مع أقاربهم. وهكذا تم استبعاد الأزواج الأميركيين من أصل أفريقي الذين تقدموا للتبني، وبما أنهم كانوا يُعتبرون آباء "مفترضين" فقط (لم يكن هناك اختبار الحمض النووي للأبوة حتى الستينيات)، لم يتم اعتبار الجنود السود أقارب لهم. وساعدت وثائق الأرشيف الوطني على تجميع هذا الجزء من التاريخ، الذي تم تجاهله في التجربة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. 
من أجل فهم التاريخ الأكثر ثراءً، أجرت الأستاذة لوسي بلاند، وهي أستاذة بريطانية للتاريخ الاجتماعي والثقافي بجامعة أنجليا روسكين، مقابلات مع العديد من هؤلاء الأطفال، وهم الآن في السبعينيات من عمرهم. تكشف الروايات عن الطرق التي عانى بها الكثير من الأطفال وأمهاتهم وآبائهم وأسرهم الممتدة من عواقب شخصية وعائلية وعاطفية طويلة الأمد بسبب الطريقة التي كان ينظر بها إلى علاقاتهم وهوياتهم المختلطة الأعراق من قبل المحيطين بهم.

المساهمون