معرض "طنجة إنترزون" افتراضياً: غربيّو "نقطة اللاعودة" ومغربيّوها

معرض "طنجة إنترزون" افتراضياً: غربيّو "نقطة اللاعودة" ومغربيّوها

10 مايو 2021
الصورة
باتي سميث: 3 حصوات على قبر جان جوني في العرائش (Getty)
+ الخط -

بدءاً من خمسينيات القرن الـ20، زار كتّابٌ وفنانون وشعراء من حركة Beat Generation طنجة، متأثّرين بكتابات بول بولز، وسعياً إلى إغراق قلقهم الوجودي في بحور ثقافات أخرى، تنأى بهم قوالب تفكير مجتمعاتهم الأصلية، وقيودها. كانت طنجة ـ بطابعها الكوسموبوليتاني آنذاك (منطقة خاضعة لنفوذ دولي مُقسّم بين إسبانيا وفرنسا، المُستَعمِرتين للمغرب، بالإضافة إلى بريطانيا)، وسحرها العصيّ على الوصف ـ أفضل محتضن لأحلامهم ونزواتهم، ولتعطّشهم لتجربة عيش قصوى، تغذّي إلهامهم، وتشكّل أفقاً خصباً لأكثر استهاماتهم جنوناً وإبداعاً ("السماء الواقية" لبول بولز، "الغداء العاري" لويليام بوروز، مثلاً)، يمتزج فيها الفضول حول ثقافة "الشرق" وحكاياته وأجوائه الآسرة، بنوعٍ من الافتتان بنمط عيش الآخر، حدّ الانغماس الخطر في ممنوعاته (الجنس، المخدرات، إلخ)، متأثّرين ومؤثّرين في شخصيات مُبدعين مغاربة، من طينة الكاتب محمد شكري، والحكواتي محمد مرابط، والفنان التشكيلي محمد حمري.

إرثٌ عظيمٌ شكّلت إرادة الاحتفاء به مُحرّكَ مبادرةٍ حميدةٍ لـ"المختبر العربي ـ فنون الميديا"، بتنظيم معرض أفلام بعنوان "طنجة إنترزون"، يتمحور حول طنجة، كفضاء مادي ومتخيّل، طَبَع الحركة الثقافية العالمية.

 

إرث وثقافة وتمرّد

"يضطلع الإرث الثقافي لطنجة، كمنطقة دولية، بأهمية كبرى للمغرب والعالم أجمع، إذْ عرفت حينها فورة ثقافية وإنسانية، جعلتها مسرحاً واقعياً ومتخيلاً لفناني موجةٍ، أثّرت في مسار الأدب والفن العالميين، أي Beat Generation. كذلك أصبحت مكاناً لتلاقح الفنانين المغاربة مع نظرائهم من الغرب، الذين مرّوا من طنجة، أو استقرّوا فيها"، يوضح عبد العزيز طالب، المشرف على برنامج المعرض، والمدير التنفيذي للمختبر؛ مُوضحاً دواعي نشأة فكرة تنظيم المعرض: "راودتني الفكرة منذ 20 عاماً، بحكم اهتمامي بفنّ الفيديو، وهوسي بتيار "فلوكسوس موفمنت" (تيار فنّ معاصر، نشأ في الستينيات الماضية، وامتدّ تأثيره إلى الأدب والموسيقى والفنون البصرية ـ المحرّر). بما أنّ هذا التيار تلاقح مع حركة Beat Generation، للتمرّد على آليات التعبير السائدة آنذاك، اهتممتُ بكتابات رواد الـBeat. كنتُ، كلّما زرتُ تظاهرات فنية دولية، ألمس تأثير فترة الـ"إنترزون" على أعمال مهمّة، خصوصاً تأثير ويليام بوروز. لكنْ، كان يشار دائماً إلى طنجة بشكلٍ خاطف وإكزوتيكيّ، من دون الغوص في عمق الفضاء، أو حتى كيف تبلور هذا التمازج بين خصوصية المكان ومخيال المبدعين. مذذاك، شغلني الموضوع، وتساءلت عن سبل إحياء وتمثّل عمق هذا الإرث، وفق مقاربة أكثر إنصافاً، لا تقصي منحى مساهمة الفنانين المغاربة فيه، كمؤثّرين ومتأثّرين".

كان بول بولز من أوائل الواصلين إلى طنجة، إذْ جاءها في أواخر الأربعينيات، وساهم في خلق أسطورتها، بفضل نجاح روايته "السماء الواقية"، ثم من خلال مؤلّفات عدّة، ترجم فيها حكايات محمد المرابط إلى الإنكليزية. كذلك انهمك في عمل جبّار، زائراً أنحاء المغرب كلّه، مُسجّلاً عشرات الساعات من موروث الموسيقى الشعبية المغربية، بتلويناتها كافة. فتح بولز باب طنجة على مصراعيه أمام فنانين وأدباء أميركيين من جيل "التائهين الجدد"، أو الجيل الموالي له: تينيسي ويليامز، وترومان كابوتي، وجاك كيرواك، وآلن غينسبرغ، وغور فيدال، وغيرهم من ركائز الـBeat، ثم "الهيبّي"، الذين ساروا على أثره، لملاقاة ما أسماه "نقطة اللاعودة"، حيث "يُصبح للخلاص معنى ما".

هذا يعرضه وثائقيّ لدانييل يونغ، يُعدّ من أبرز اختيارات المعرض، لغنى منظوره التاريخي، وحكيه الحافل بالتفاصيل المثيرة من حياة بولز، وعلاقته الغريبة والمعقّدة بزوجته جين، بعنوان "بول بولز: باب السياج يظلّ مفتوحاً دائماً" (2012). هناك أيضاً فيلمان قصيران عن جان جوني، الكاتب الفرنسي المتمرّد حتى النّخاع، القادم إلى طنجة في نهاية الستينيات، والساكن فيها لفترة معيّنة، في بداية السبعينيات، بعد إحجامه عن الكتابة، مُغلقاً بذلك حلقة التأثير والتأثّر الفاضلة لـ"جوهرة البوغاز"، لكونه من أبرز من طبعوا ـ منذ البدء ـ أسلوب عيش روّاد Beat Generation، وشغفهم بخرق القواعد، وخيانة التمظهرات الأخلاقية كلّها.

يحفر "جان جوني في طنجة" (2017، 11 دقيقة)، لغيوم دو سارد، بأسلوب مينيمالي جذّاب، في روتين عيش مؤلّف "يوميات لصّ" (يضطلع بدوره ببراعة فيليب تورّيتون) في فندق "المنزه"، ونقاشاته العابرة مع محمد شكري في أحد مقاهي "سوكّو الصغير". فيما تحكي باتي سميث، بصوتها الداخلي الدافئ، في "ثلاث حصوات لجان جوني" (2016)، لفريدر شلايش، كيف حرصت على قضاء "شهر العسل"، بمناسبة زواجها الأول في الثمانينيات، في منطقة "سان لوران دو ماروني" في غويانا الفرنسية، لتجمع 3 حصوات من سجنها القديم، وتقدّمها هدية لجوني حين تلتقيه، لعلمها بشغفه بأسطورة هذا المعقل الواقع بين "جزر الشيطان" والمياه الزاخرة بأسماك بيرانا الفتّاكة. لكنّها فوجئت برحيله عام 1986. يحكي الوثائقي القصير الرائع رحلتها إلى العرائش، حيث يرقد جثمان جوني، لدفن الحصوات الـ3 في قبره.

 

آداب وفنون
التحديثات الحية

 

وجهة نظر مغربيّة

"ما حفّزنا أكثر، مقالة منشورة عام 2018 في "واشنطن بوست"، عن محمد مرابط، الذي كان حكواتياً في فترة الـ"إنترزون"، والذي رافق بول بولز وحكى له قصصاً، ترجمها هذا الأخير وأصدرها في كتبٍ عدّة. ما أثارني في المقالة حديث الكاتب عن مرابط، وكونه آخر حلقة وصل بين المغرب وBeat Generation. فتساءلت: هل كانت "واشنطن بوست" ستتحدّث عن محمد مرابط، مُفردة له أكثر من صفحة، في فترة أوج علاقته بحركة الـBeat، حين لم يكن سوى تفصيلٍ يؤثّث حكاياتهم عن الفنانين الغربيين المعروفين؟"، يقول عبد العزيز طالب، مضيفاً أنّ هناك ما حسم قرار الاشتغال على المعرض: "لم يسبق من قبل إنجاز برنامج لعرض أفلام حول هذه الثيمة، من منظور مزدوج "شرق ـ غرب"، فتحمّسنا كثيراً لنيل هذا السبق: أنْ نقوم، لأول مرة، ولو من خلال ملتقى افتراضي صغير لعرض الأفلام، بتمثّل الموضوع ونقاشه من وجهة نظر مغربية، في الإدارة الفنية واختيارات الأفلام".

من أكثر الاختيارات إثارةً للاهتمام، هناك "كلكم بيكم كابيتانيس" (أنتم كلّكم برتبة كابتن)، باكورة المخرج الموهوب أوليفر لاكس (توِّجت أفلامه الطويلة الـ3 بجوائز في مهرجان "كانّ" السينمائي)، ذي الجنسية الإسبانية، والمُقيم في المغرب، والمُتيّم بثقافته. أحد أبرز ممثّلي الجيل الجديد من الفنانين الغربيين، المتأثّرين بطنجة، يحكي في عمله هذا، بحساسية الوثائقيّ، قصّة مغرقةً في التفرّد، عن تطوّر علاقته الإنسانية بأطفالٍ من فئات هشّة ومُهمّشة، يُدرّسهم تطوّعاً في مركز اجتماعي، ويصحبهم في نزهات وسط الطبيعة، يُصوّرها بنَفَسٍ شاعري جذّاب.

"بالنسبة إلينا، ضروريّ أنْ يكون هناك تصوّرٌ مُحكم للإدارة الفنية، يتجاوز اختيار الأفلام، خصوصاً عن ثيمة عصيبة كهذه، والكليشيهات الكثيرة المتراكمة حول طنجة وناسها مع مرور السنين. المهمّ لنا القيام بتوطئة فنية، تُعرّف بالموضوع وأبعاده في مرحلة أولى، ثم استكشاف الحدود بين الواقع والخيال في تصوّر طنجة، ومناقشة البعد المتخيّل من وسط الواقع نفسه، نائين بأنفسنا عن التصوّرات والأفلام السطحية، التي تتناول المدينة من زاوية الصُّوَر النمطية"، يقول طالب، مشيراً ـ بخصوص الخط التحريري للبرنامج ـ إلى أنّ ذلك "لم يكن سهلاً أبداً، صراحةً"، ومُضيفاً أنّ "شبكة العلاقات التي كونّاها، بفضل مشاريع عدّة اشتغل المختبر عليها في الأعوام الأخيرة، ساعدتنا كثيراً في اكتشاف الأفلام أولاً، ثمّ التعرّف إلى مخرجيها. وبالتالي، تكوين فكرة واضحة عن المنحى الذي يُمكن أن يأخذه اشتغالنا على المعرض".

يفرد المعرض حيّزاً لجمالية التجريب، بغية القبض على العوالم الكابوسية لويليام بوروز، المخترقة لمفهوم الشكل والمضمون. هذا يُعبّر عنه "تاورز أوبن فاير" (1963)، فيلم قصير لأنتوني بالش، يسعى إلى "صوغ مُرادفٍ مرئيّ لأسلوب بوروز"، تيمّناً بإستتيقا "ماكينات الأحلام" (أسطوانة ستروبوسكوبية من ابتكار بريون غيسين، تطبع ـ من خلال حركة دوران، وأضواء تعبر ثغرات منقوشة على سطحها ـ رؤىً فوق الأعين المغلقة للمُشاهدين، تؤدّي إلى مفعول مريح وحالم في الدماغ ـ المحرّر)، بمزج صوت بوروز نفسه كراوٍ، بتأثيرات موسيقية أخرى، تطرح تحدّياً ضمنياً للمُشاهد في أنْ يجد "ماكينة أحلامه الخاصّة".

هناك أيضاً وثائقي سفر لفرقة "ميكروبونتا"، بعنوان "طينجيس"، يطوف بالمُشاهد في أمكنة المدينة الآسرة، مع نغمات موسيقى "جهجوكة"، من عزف فرقة بشير عطار. الموسيقى صوفية عريقة، تجد منبعها في قرية زهجوكة الجبلية، المنتمية إلى قبيلة أهل سريف، في أقصى شمال المغرب. نعتها بوروز بـ"أقدم موسيقى روك في العالم".

 

الأرشيف
التحديثات الحية

 

تراكم أدبي ومرئي

"أثارنا أيضاً ما يأتي: بقدر ما كان يُحتفى ببول بولز وويليام بوروز، ثم جان جوني إلى حدٍّ ما، وفي كلّ مرة تُناقش فيها حركة Beat Generation في طنجة، فإنّ ذكر محمد شكري مثلاً كان ولا يزال نادراً. لذا، كان مُهمّاً لنا إفراد حيّز له من خلال فيلمين، أحدهما وثائقي قصير لأبو علي، المتوفى قبل عامين، يظهر فيه الفنان الأميركي إيرا كوهين، الذي قَدِم إلى طنجة خصّيصاً للقاء شكري. في الفيلم، جزءٌ من النقاش بينهما، يوضح شكري فيه رؤيته عن الفرق بين الواقع والخيال، مُعطياً أهمية خاصة لهذا الأخير. هذا النوع من الأفكار، الذكية والكونية للكتّاب المغاربة، كانت غائبة للأسف في جُلّ التمثّلات التي كانت تُنجز حول الزمن الذهبي لطنجة"، يقول عبد العزيز طالب، بخصوص أهداف المعرض.

يُضيف: "بعض أعضاء فريق المختبر، ممن لم يكن لديهم إلمام كبير بالموضوع، كانوا قلقين ومشكّكين إلى حدّ ما، بسبب ما اعتبروه طابعاً نخبوياً لثيمة المعرض. لكنّهم تفاجأوا كثيراً بالنجاح والصدى الجيّد الذي لقيه البرنامج، ولا سيما أنّه بدأ منذ أيام قليلة فقط. الجميل أيضاً أنّنا تلقينا رسائل كثيرة من أناسٍ من الولايات المتحدة الأميركية واليابان والمنطقة العربية وأوروبا، تشكرنا على تناول الموضوع من وجهة نظر مغربية، والخروج بالتالي من التمثّل الأحاديّ المرتكز على رؤية الغرب، من دون التنازل عن السياق الكوني ـ ذي الأهمية القصوى لنا ـ لفتح نقاش مثمر وغنيّ".

ويقول طالب: "أتمنّى أنْ يُناقَش هذا الإرث بشكل أعمق وأكثر امتداداً في المغرب. فرحتُ كثيراً حين رأيتُ كيف احتفى مثقّفو طنجة، أخيراً، بذاكرة الفنان التشكيلي المغربي محمد حمري، المنتمي إلى حركة Beat Generation، بعرض أعماله في مختلف أنحاء العالم. بفضله، عُرِّف بتراث موسيقى "جهجوكة" عالمياً، من طريق صديقه بريون غيسين، ما دعا رولين ستونز إلى زيارة طنجة، على خطى براين جونز (عازف القيثارة في المجموعة ـ المحرّر)، وتسجيل أغنية "كونتيننتال دريفت"، من ألبوم "ستيل ويلز"، مع فرقة موسيقى جهجوكة".

يُنهي عبد العزيز طالب كلامه بالقول إنّ "هذا يوضح عمق الأبعاد الإنسانية الكبرى لنقاش هذه الثيمة، والحاجة إلى مسح الغبار عنها، لاستثمارٍ أفضل لانعكاساتها الإيجابية في الثقافة والسياحة في المغرب، نظراً إلى العدد الكبير من الذين يتوافدون إلى طنجة، لزيارة الأماكن المفضّلة لفناني الـBeat، تحت وقع التراكم الأدبي والمرئي، المتكوّن لديهم من أصداء الحركة. نحن مسرورون جداً بمساهمتنا في هذه الحركة، من خلال هذا المعرض".

(يستمر المعرض لغاية 27 يونيو/ حزيران 2021. في صفحة "المختبر العربي لفنون الميديا" (www.arabmedialab.org)، يُمكن اكتشاف البرنامج المفصّل، ومُشاهدة الأفلام المتوافرة بشكل متوالٍ، لمدّة أسبوع بعد فتح إمكانية مشاهدتها).

المساهمون