مصر: استمرار سجن الصحافية صفاء الكوربيجي رغم تدهور وضعها الصحي
استمع إلى الملخص
- اعتُقلت الكوربيجي في أبريل 2022 وواجهت اتهامات سياسية، ورغم الإفراج عنها في فبراير 2024، فصلت من عملها وحصلت على تعويض مالي بعد حكم قضائي، لكن معاناتها استمرت مع تجديد حبسها.
- تعكس قضيتها التداخل بين البعدين الأمني والمهني في الصحافة المصرية، حيث تحتل مصر مراتب متأخرة في حرية الصحافة، وتدعو منظمات حقوقية للإفراج عنها وتوفير الرعاية الطبية.
قرّرت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس الصحافية المصرية صفاء الكوربيجي لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق، رغم معاناتها من شلل الأطفال وارتشاح مزمن في القدم أدى إلى تدهور حالتها الصحية باستمرار. وأثار القرار الذي كشف عنه محامون، أمس الاثنين، قلقاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والصحافية، خاصةً مع تدهور حالتها الجسدية وصعوبة تلقيها الرعاية اللازمة داخل مكان الاحتجاز.
وواجهت صفاء الكوربيجي في جلسة التحقيق الأولى اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وهي التهم ذاتها التي وُجّهت إلى عدد من الصحافيين والناشطين في السنوات الأخيرة. وأشارت مصادر حقوقية إلى أن استمرار حبسها رغم وضعها الصحي يُعد مخالفة لمعايير العدالة والضمانات القانونية، فضلاً عن أنه يعرض حياتها لخطر حقيقي.
صفاء الكوربيجي صحافية مصرية بارزة، عملت لسنوات في مجلة الإذاعة والتليفزيون التابعة لهيئة ماسبيرو، واشتهرت بتناولها قضايا اجتماعية وسياسية من منظور إنساني. برز اسمها في تقارير حقوقية وإعلامية بعد حملة أمنية واسعة استهدفت صحافيين وجهوا انتقادات للسياسات العامة أو تناولوا ملفات شائكة.
في 21 إبريل/نيسان 2022، داهمت قوة أمنية منزل الكوربيجي فجراً، وجرى اقتيادها بعد تفتيش المكان ومصادرة أجهزتها الإلكترونية. وبحسب منظمات حقوقية، ظلت الصحافية مختفية لعدة أيام قبل أن تظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي بدأت التحقيق معها في قضية سياسية الطابع. وقد وجهت إليها النيابة حينها اتهامات بالانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون ونشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالنظام العام، وقررت حبسها احتياطياً لمدة 15 يوماً قابلة للتجديد.
ومنذ الأيام الأولى لاعتقالها أعربت منظمات حقوقية مصرية ودولية عن قلقها من ظروف احتجاز صفاء الكوربيجي وغياب المعلومات حول مكانها. لاحقاً في فبراير/شباط 2024، قررت نيابة أمن الدولة إخلاء سبيل مجموعة من الموقوفين على ذمة القضية رقم 441 لسنة 2022، وضمت القائمة نحو 32 شخصاً، من بينهم صفاء الكوربيجي. آنذاك، اعتبرت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومراسلون بلا حدود ونساء في الصحافة الإفراج كـ"خطوة محدودة في طريق طويل نحو تقليص عدد المحتجزين بسبب آرائهم".
لكن بعد الإفراج عنها، واجهت الكوربيجي أزمة جديدة داخل مؤسستها الإعلامية، إذ صدر قرار بفصلها من عملها في مجلة الإذاعة والتلفزيون، وهو القرار الذي وصفته منظمات حقوقية ونقابية بأنه إجراء تعسفي مرتبط بمواقفها وانتقاداتها العلنية لبعض السياسات والممارسات الإدارية داخل الهيئة. وفي 27 مايو/أيار 2025، أصدرت محكمة شمال القاهرة الابتدائية حكماً بإلزام المجلة بدفع تعويض قدره 88000 جنيه لصالح الصحافية بعد اعتبار قرار فصلها غير قانوني وتعسفي.
ورغم هذا الحكم الذي أعاد لها شيئاً من حقها، فإن معاناتها لم تتوقف. فقد حبست مجدّداً على ذمة تحقيقات جديدة، ما أعادها إلى دائرة المعاناة الجسدية والنفسية، خصوصاً في ظل وضعها الصحي المتدهور. وأكدت مصادر مقربة من أسرتها أن الكوربيجي تعاني من تراجع حاد في قدرتها على الحركة بسبب مضاعفات شلل الأطفال، إضافةً إلى ارتشاح في القدم يحتاج إلى علاج دوري يصعب توفيره داخل أماكن الاحتجاز.
ودعت منظمات حقوقية مصرية ودولية للإفراج الفوري عنها أو على الأقل تمكينها من الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، محذّرة من أن استمرار حبسها في ظل هذه الظروف يمثل انتهاكاً صريحاً للحق في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية، ويتعارض مع القوانين المصرية والدولية التي تضمن معاملة إنسانية للمحتجزين.
تُعد قضية صفاء الكوربيجي نموذجاً دالًا على التداخل بين البعدين الأمني والمهني في المشهد الصحافي المصري خلال السنوات الأخيرة. وبحسب تقارير مراسلون بلا حدود والاتحاد الدولي للصحافيين، شهدت الفترة بين عامي 2022 و2025 موجة من الملاحقات الأمنية ضد صحافيين تناولوا قضايا الفساد أو انتقدوا الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، في ظل بيئة قانونية سمحت بتوسيع استخدام تهم مثل "نشر أخبار كاذبة" و"الانضمام إلى جماعة غير قانونية".
وتحتل مصر مراتب متأخرة في مؤشرات حرية الصحافة الدولية. ففي تصنيف "مراسلون بلا حدود" لعام 2024، جاءت مصر في المرتبة 166 من أصل 180 دولة، ما يعكس استمرار القيود على حرية التعبير وسيطرة الخطاب الرسمي على المشهد الإعلامي. وتشير تقارير المنظمات الحقوقية إلى أن عشرات الصحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز، بعضهم لسنوات طويلة دون محاكمة عادلة، بينما يواجه آخرون تضييقاً مؤسسياً في أماكن عملهم.
وبحسب نقابة الصحافيين المصريين والاتحاد الدولي للصحافيين (IFJ)، بلغ عدد الصحافيين المحتجزين حتى 10 مايو/أيار الماضي 22 صحافياً، معظمهم في حبس احتياطي مطوّل تجاوز الحدود القانونية. أما حملة "أنقذوا حرية التعبير" بالتعاون مع المفوضية المصرية للحقوق والحريات فقد وثّقت نهاية عام 2024 وجود أكثر من 23 صحافياً، منهم 15 صحافياً أمضوا أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي.
ويعزو مراقبون تباين الأرقام إلى اختلاف التصنيفات بين من هم رهن الحبس الاحتياطي ومن صدرت بحقهم أحكام نهائية، إضافة إلى تغيّر الأعداد مع مرور الوقت وتفاوت التعريف بين الصحافيين النقابيين والمستقلين. غير أن الثابت، بحسب تقارير المنظمات الحقوقية، أن تجاوز المدد القانونية للحبس الاحتياطي يمثل بحد ذاته انتهاكاً صارخاً للقانون.