مسلسل "برزخ": في متاهة النفس

26 نوفمبر 2020
الصورة
السلسلة من إخراج سيف الدين سبيعي (آرشيف)
+ الخط -

يعمل المسلسل السوري "بصمة حدا" على سيناريو معين منذ بدء عرضه، فالحلقات الثلاث عشرة الأولى كانت بعنوان "طبق الأصل"، والعشارية الثانية بعنوان "انتقام بارد" والقصة الأخيرة كانت سباعية بعنوان "برزخ". هذا السيناريو الذي تعمدت شركة الإنتاج "غولدن لاين" اتباعه، يندرج تحت خانة دراما نفسية تعمل على خلق حالات انفعالية معينة لدى أبطال القصة، لنشاهد تأثيراتها ومفاعيلها على حياتهم.

لكن في الحقيقة جاء العمل بأكمله ركيكاً، ويعاني من سوء في التنفيذ بشكل واضح وتجلى ذلك في سباعية "برزخ" الأخيرة التي كتبها بلال شحادات وأخرجها سيف الدين سبيعي.

العمل يتحدث عن طبيب اسمه "نبيل"، يتعرض إلى حادث سير يفقد فيه زوجته وابنته وذاكرته أيضاً، فتعود والدته لتربيته من جديد على طريقتها الخاصة، غير راغبة بعودة ذاكرته له، لأسباب لا تُعرف في بداية الحكاية، فخلقت له والدته حياةً جديدة، وكانت سعيدة بأنه يتصرف معها "نبيل" كالأطفال ويطيع أوامرها. يكتشف بعدها أنه كان ضحية والدته وخديعتها، حيث كانت تحاول أن يبقى بجانبها دائماً بعد قطيعة سابقة استمرت بينهما لثلاثين عاماً.

وبعد تدخّل جارة والدته في الصلح، يعود نبيل مسامحاً والدته ومحاولاً أن ينال حب ورضا الجميع بعد أن اكتشف حجم الأنانية داخله متأخراً.

المسلسل برمّته لم يكن مريحاً في طريقة سرده، فالحوارات مباشرة جداً، بحيث لا تجعل الجمهور يفكر ويحلل ويستنتج، بل أمامه قوالب جاهزة للشخصيات تسرد كل ما لديها من قصص بشكل فج، لنعرف خلفيتها وأحداثها من دون جهد.
كما مرّر العمل إعلانات تجارية في كثير من اللقطات في الحكايات الثلاث، ولم يحدث تكرار الأماكن في هذه السباعية فقط، بل تكررت مواقع التصوير في غالبية الحلقات من المسلسل بشكل واضح.

على صعيد الإخراج، لم يقدم سيف سبيعي أي تجديد، بل كانت اللقطات العامة كثيرة، أي لا تركز على ردود فعل الفنانين، وتعابير وجوههم، وهذا لا يتماهى بتاتاً مع فكرة الدراما النفسية.

سينما ودراما
التحديثات الحية

كما أن اللقطات المطوّلة جداً ملأت الحلقة، وكأنها مجرد تعبئة للوقت. ففي الحلقة الأخيرة وحدها، كان هناك أكثر من ثلاث دقائق فلاش باك لأحداث جرت في السباعية منذ البداية، علماً أن لا إضافات تُذكَر ولا تفاصيل قوية أو جُمَل رنانة تجعل من هذه المشاهد مهمة لتتم إعادتها أساساً.

ما أنقذ السباعية قليلاً هو حضور الممثلة سمر سامي، إذ استطاعت لفت الأنظار كالعادة تجاهها، في أدائها المتوازن، ونظراتها الحقيقية وتعابير وجهها المفعمة بالإحساس.

بالإضافة إلى هدوء حضور نادين تحسين بيك، فرغم الدور البسيط الذي لعبته، إلا أنها استطاعت أن تلمس المشاهد برقتها وعذوبة أدائها، على عكس نضال نجم، بطل القصة الذي كان حاداً على الشاشة وغير مقبول أو مقنع في تأدية هكذا دور، خصوصاً أنه كان يحاول أن يقدم دوراً طفولياً عندما فقد ذاكرته وهذا ما لم يلِق به.

بعض التفاصيل في المسلسل لم تكن منطقية لدرجة أن المشاهد لا يتفاعل مع القصة، فشخصية محمد قنوع مثلاً اختفت فجأة ولم تكن مهمة في العمل، كما أن عنوان السباعية يوحي بأن بطل القصة نبيل سيكون في فترة ما يقع فيها بين عالمين وهي الفترة التي نسي فيها ذاكرته، لكن ذلك لم يحدث، فهو حين عادت له ذاكرته في النهاية تذكر ما جرى معه أثناء فقدانه للذاكرة أيضاً، وهذا غير منطقي أو مقنع للمشاهد.

"بصمة حدا" لم يترك بصمة مؤثرة في الدراما السورية أو النفسية عموماً، بل كان مجرد عمل سمته التفكك يضيع داخل متاهاته النفسية المشاهد لوحده دون تأثير يُذكر أو حكاية تُروى أو تمس القلب بتفاصيلها.

المساهمون