مسلسل "فوضى"

مسلسل "فوضى"

24 يونيو 2021
الصورة
من المسلسل (يوتيوب)
+ الخط -

يجتهد المسلسل الإسرائيلي "فوضى" بمواسمه الثلاثة، وحلقاته الـ 36، بإقناع المتفرج بجهود وبطولة جنود فرقة المستعربين الإسرائيلية، بمواجهة من يسميهم "السفلة الإرهابيين الفلسطينيين". يلعب المسلسل على إيهام المشاهد بأنّه إزاء مغامرة شيقة، ينتصر فيها "أخلاقيو إسرائيل ضد كراهية الفلسطيني".

نعم، المسلسل، بهذا المعنى، جذاب وحبكته مغرية ماكرة، لكن نحتاج هنا إلى إسقاط الحقيقة أرضاً؛ فلا يغدو الفلسطيني صاحب الأرض، ولا هو المحاصر ولا هو المقتول، ولا جدران ترتفع بينه وبين أرضه ومنزله وحقه. ويصبح الإسرائيلي المستوطن، والمدجج بكلّ وسائل القتال والتقنية وكراهية العرب، هو من يحارب الإرهاب نيابة عن العالم بأسره.

ولا عجب أن يحمل المسلسل نظرة الإعجاب والتقدير للمستعربين؛ فمؤلفه وبطله الأساسي من جنود المستعربين؛ أي المؤلف الصحافي الإسرائيلي، آفي يسخاروف، بالاشتراك مع الممثل الإسرائيلي، ليئور راز، والذي يؤدي أيضاً دور البطل "دورون". كلاهما خدما معاً في الجيش الإسرائيلي، وكان راز من الجنود المتسللين للضفة الغربية للقبض على الفلسطينيين المطلوبين خلال الانتفاضة الثانية، وهو من سكان مستوطنة معاليه أدوميم، ووالده مهاجر عراقي خدم في المخابرات الإسرائيلية، وهذا التفصيل يرد في المسلسل، إذ يتمتع والد "دورون" الشخصية التي جسدها راز، بعلاقة صداقة مع البدو العرب.

أطلق المسلسل في إسرائيل عام 2015، ورعى حفله الافتتاحي رئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك، وهو متوفر عبر شبكة "نتفليكس" وأيضاً على قنوات إسرائيلية.

خطورة المسلسل، أو سخافته - ويحدد ذلك وعي المتلقي وثقافته وموقفه السياسي، والأهم موقفه الأخلاقي- تكمن بتصوير انتصارات وحدة المستعربين على أنّها نتاج تفوق وذكاء بشري وإبداع ووطنية عناصر الوحدة، ويغفل العمل أنّ هذه الانتصارات وليدة تقدم تقني، وتدريب محترف، وإمكانات مادية تصل إلى حدّ استنفار دولة الاحتلال كاملة، من أجل مجند، أو حتى استعادة جثته. 

يقدم المسلسل التفوق التقني بشكل ثانوي؛ فالاستعانة بالأقمار الصناعية والطائرات المسيرة، وشبكات الهواتف والقدرة على الولوج إليها، والتعامل والتنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، ليست هي الحاسمة، بل شجاعة وإصرار عناصر الوحدة على سحق "الإرهاب" وحماية "المواطن والوطن" الإسرائيليين.

تكمن الخطورة، أيضاً، بتصوير عناصر وحدة المستعربين، رغم جرائمهم، بأنّهم مبدئيون وأخلاقيون، لا يتخلون عن بعضهم بعضاً، ولا يتخلون عن مبادئهم مقابل عدو "إرهابي" بلا وازع ولا ضمير.

ورغم قساوة المستعربين ومهامهم الخطرة؛ فإنهم يتمتعون بروح الدعابة، ولا يتخلون عن حسهم الإنساني أبداً؛ فيحرصون على حياة وسلامة الأطفال الفلسطينيين، ويغامرون في سبيل إنقاذ عائلات المتعاونين، ولا ينسون إنقاذ ماعز علق على شريط شائك.

بطل المسلسل الإسرائيلي، ليئور راز، يتقن اللهجة الفلسطينية، وهو فارس مقدام، كما لا نجد إسرائيلياً جباناً في المسلسل، في حين يحفل العمل بالكثير منهم فلسطينياً، كالمعالج الفيزيائي الذي يقرر اغتيال رئيس الوحدة النقيب غابي في المستشفى، ومثال ذلك أيضاً الفتى الملاكم بشار، ابن عميد الأسرى.

يغرقنا المسلسل برواية الحزن الإسرائيلي من خطف مواطن، أو مقتل أحد عناصر الوحدة، أو ضحايا تفجير ما، ويصور لنا لقطات تعاطف وعناق، بينما يمر الحزن الفلسطيني عابراً ومفهوماً ومبرراً؛ فهو حصاد طبيعي لما زرعه الفلسطينيون "الإرهابيون".

أخطاء المستعربين مبررة في ضوء أهدافهم النبيلة؛ فيغدو التعذيب في المستشفيات واستغلال الرهائن ونسف البيوت، وحتى إطلاق النار على الجرحى، أمراً تافهاً، مقابل القبض على قيادي من حماس.

في الموسم الثالث، تركز حلقات كاملة على خطف مستوطن ومستوطنة ومعاناتهم الشبيهة بمعاناة الجندي شاليط. وتهبّ إسرائيل لاجتياح غزة في سبيل إطلاق سراحهما، وتتساقط قيادات حماس الأمنية والعسكرية أمامهم، من هاني الجعبري أبو محمد، إلى مساعده عصام يونس، انتهاء بعميد الأسرى أبو بشار.

يكشف المسلسل عن هشاشة المجتمع الفلسطيني، حيث العملاء حاضرون في أعلى المستويات، سواء في الضفة أو غزة؛  
فالفلسطيني في المسلسل إما "إرهابي" أو "جبان" ويتساوى هنا الداعشي والحمساوي. الفلسطيني في الضفة أو غزة مشغول بصراعات السلطة ولا نجد في حواراتهم وصراعاتهم أي نقاش أو جدال عن فلسطين والهوية الفلسطينية.

أما عرب الداخل، من أهالي أراضي 1984؛ فهم بعيدون عن الهمّ الوطني الفلسطيني، إذ يعمل الدرزي مجدي، حسب إشارة المسلسل، قناصاً في الوحدة، بينما تستنجد حبيبة بشار بجنسيتها الإسرائيلية، مقابل ضغط المستعرب فادي عليها. 

ببساطة شديدة، يقدم المسلسل صورة "التفوق الإسرائيلي" بكلّ أشكاله، مقابل "التخلف الفلسطيني" بكلّ أشكاله، ولا يعدم التشويق الماكر المتقن.

المساهمون