استمع إلى الملخص
- تتناول المسرحية قضايا الإنتاج الفني في لبنان، حيث يرفض جيري عرضًا من منصة بث تدفقي بسبب شروطها المقيدة، مما يعكس معاناة الفنانين مع سياسات الإنتاج.
- المسرحية تبرز أداءً مميزًا لعمّار شلق ويوسف الخال، وتطرح تساؤلات حول القيم والمبادئ في مواجهة الضغوط المجتمعية والتجارية.
في واقع لا يريد أن يتغيّر، ولا يسمح لنا بالتغيير، تدور أحداث مسرحية "إنتاج محلي" من كتابة مارك قديح، وتمثيل يوسف الخال وعمّار شلق.
الحقيقة في العمل تُعرض كما هي، من دون مراوغة، إضافة إلى خيال يضع نهاية مأساوية لحياة البطل. كان لا بد من الموت الذي يضع حداً لحياة جيري (يوسف الخال)، المنتج والمخرج السينمائي الذي بلغ قمة اليأس في بيروت، بعدما عانى مع الخداع والكذب، لينزوي في منزله مستسلماً للخمرة وحشيشة الكيف.
مساحة واسعة يفتحها الكاتب مارك قديح من نافذة واحدة؛ واقع يعيشه اللبناني يومياً، مرارة قائمة على صوت الطائرات المسيّرة التي تحلّق في سماء لبنان، وزحمة سير تخنق أنفاس العاصمة. مخرج درس السينما، لكنه استسلم أخيراً للإحباط واعتكف ينتظر نهايته.
يأتي سامر (عمّار شلق)، صديق جيري، ليقدم عرضًا من إحدى منصّات البث التدفقي لإنتاج مسلسل تبلغ قيمة الحلقة الواحدة منه 100 ألف دولار. يرفض جيري العرض أمام رغبة المنتج في فرض شروطه وتحجيم دور الكاتب أو المخرج، الشروط نفسها التي صارت المنصّات تفرضها اليوم على المنتجين والممثلين وحتى المخرجين.
ثمة ربط وثيق بين ما يعانيه الممثل يوسف الخال في الحقيقة وأدائه على المسرح؛ هو يوسف نفسه، لكنه أجرأ مما في أي حوار متلفز أو مقابلة "بودكاست". على الخشبة يفرض نفسه ليقول "لا".
منذ سنوات، وُضع يوسف الخال على اللائحة السوداء لشركات إنتاج الدراما اللبنانية، لذلك جاء دور جيري واقعياً وقريباً من قصة عشرات الكتّاب والمخرجين والمنتجين الذين يعانون سياسات شركات الإنتاج وما تفرضه عليهم.
يطالب المنتج سامر صديقه جيري بإعادة مبلغ استدانه منه بقيمة 150 ألف دولار، ويدرك جيري أن زيارة صديقه هذه ستكون الأخيرة، بعدما أعد السيناريو نفسه الذي كان يمكن أن يكون قصة فيلم أو سلسلة خاصة بالعرض. هي محاولة ذكية من الكاتب قديح للهروب إلى حكاية تميل إلى الخيال العلمي والتشويق، وطرح المنافسة بين منصّة عربية تعمل وفق محسوبيات، ومنصّة عالمية مثل "نتفليكس" تزيد مساحة الحرية وتكسر القيود المجتمعية، وتروّج لحرية المعتقد أو المسار، موظّفة ذلك في استثمار تجاري لكسب المشاهدين.
يُحسب لكاتب المسرحية ومخرجها، مارك قديح، إظهاره شلق والخال بصورة غير مصطنعة، نعيشها يومياً. المسرحية تمتاز بقربها من اللغة اليومية المتداولة، وتفتح الباب أمام أسئلة ربما لم يجد الثلاثي لها إجابات.
عمّار شلق يطلق العنان هذه المرة لأداء يتفوّق على أدائه في الدراما التلفزيونية؛ فنراه يرقص، ويصارع إحساسه بين تبنّي جيري والسعي وراء المال والمصلحة والتجارة. صورة مليئة بتفسيرات متناقضة تنتهي إلى القتل، ليس هرباً من واقع مأزوم، بل لأن الحياة لا تستحق أن نسايرها ولا أن نتخلى عن قناعات نراها أقرب إلى المقدسات.
تخفي مسرحية "إنتاج محلي" حكاية ألم نفسي يعانيه كثيرون؛ ليس متخيلاً ولا وهماً، بل واقع لا ينتهي إلا بالحقيقة الوحيدة المعهودة: الموت، وهذا ما يحصل في النهاية لسبب واحد: الأول قال "لا" فقُتل، ولحقه صديقه بالفعل نفسه.