مروان حامد: "اخترت الإيقاع الأقرب إلى إحساس أم كلثوم"

17 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:57 (توقيت القدس)
مروان حامد في مهرجان مراكش 2025 مع "الست" (عبد المجيد بْزيأوات/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "الست" لمروان حامد، من كتابة أحمد مراد، يستعرض حياة أم كلثوم بتركيز على فترات زمنية مختلفة، مثل العزلة بعد ثورة يوليو 1952، ويستخدم تقنيات السينما الكلاسيكية لخلق تأثيرات عاطفية.
- يبرز الفيلم التحديات التي واجهتها أم كلثوم كامرأة في مجتمع ذكوري، مع اهتمام بالتفاصيل مثل الديكور والملابس والماكياج، مما يعكس الفترات الزمنية المختلفة.
- رغم طول الفيلم، يعكس الإيقاع المتغير الأحداث والصراعات، باستخدام السرد غير الخطي والمزج بين الروائي والوثائقي، مع التركيز على الحالة النفسية للشخصية.

 

يمزج "الست" (سيرة أم كلثوم في نصف قرن)، بين توجّهين يطبعان أفلام السِيَر الحياتية: أعمال ممتدة في الزمن، تتابع مسار شخصيات تاريخية، كلّه أو جُلّه، وهذا أقرب إلى "الست"؛ وتركيز على مرحلة معينة في المسار، تختزل عصارة تجربة الشخصية في مأزق مرتبط بحدث أو صراع.

يقتفي الفيلم الأخير لمروان حامد (سيناريو أحمد مراد) جُلّ مسار حياة أم كلثوم (1898 - 1975) بنوع من التكثيف والاختزال والتأمّل والامتداد في الزمن، كفترة العزلة التي عاشتها غداة ثورة يوليو/ تموز 1952، التي تُعدّ أكثر المقاطع ترسّخاً في لغة السينما والعواطف المركّبة، إذْ تُذكّر ـ بتوغّلها في جمالية الأبيض والأسود، وقتامة أجوائها ـ بأفلام العصر الذهبي لهوليوود، وشخصيات تنحدر إلى القاع بعد بلوغ المجد، على غرار نورما ديزمند في "سانسَت بوليفارد" (1950)، لبيلي وايلدر، وجملتها الشهيرة، التي يمكن تحويرها لتُعبّر عمّا يمور في كوكب الشرق، أثناء عزلتها: "أنا ما زلت كبيرة. الطرب الذي غدا صغيراً". ولولا بعض اختيارات المونتاج، المزعج بإفراطه في السرعة في البداية (مشهد الوصول إلى محطة قطار القاهرة أبرز نموذج)، أو المرتبطة ببعض التفكك، بسبب طول المدة الزمنية المطروقة سردياً، وطغيان الموسيقى التصويرية، لتحدّثنا عن نجاح كامل.

بعد العرض العالمي الأول لـ"الست" (2025، 160 د.)، في الدورة 22 (28 نوفمبر/ تشرين الثاني ـ السادس من ديسمبر/ كانون الأول 2025)، للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش (قسم العروض الاحتفالية)، حاورت "العربي الجديد" مخرجه مروان حامد عن فيلمٍ حشد انتظارات كبيرة، ويعرض حالياً في صالات عربية.

 

(*) من الرهانات المهمة في "الست" أنّ أم كلثوم كانت دائماً محاطة برجال منذ طفولتها. هل اشتغلت على هذا الجانب في الكتابة، مُركّزاً عليه خاصة ببناء الوضعيات الدرامية واختيارات الإخراج؟

هذا صحيح. نشأت أم كلثوم في مجتمع جُلّه من الرجال. تطلّب منها إثبات نفسها امرأةً وسط هذا المجتمع مساراً طويلاً. هذه من الأشياء التي بدت ملهمة ومهمّة. لذا اختير "الست" عنواناً بشقّين: اللقب الذي أطلقه الناس عليها، ولأنّها فرضت نفسها امرأة مصرية وعربية، في زمن شَغل الرجال فيه الميدان، كما تفضّلت.

 

(*) شكّل الديكور داعماً مهمّاً في إضفاء مصداقية على أجواء الفيلم، كالمشهد المرجعي في مسرح الأولمبيا. كيف اشتغلت على هذا المستوى؟

البحث البصري الذي قمت به مع مُصمّم الديكور المهندس محمد عطية مهمّ جداً. من التحديات الكبيرة التي واجهتني أن أحداث "الست" تمتد في عصور عدّة: بداية القرن 20 في الريف، العشرينيات، ثم الأربعينيات فالخمسينيات والستينيات، وهذه فترة حفلة الأولمبيا. مسألة الانتقال بين كل هذه العصور صعبة جدة بالنسبة إلى أي عمل. حاولنا اعتماد دقّة كبيرة في اختيار الديكور المميز لكل عصر، والملابس، وأشياء تبدو بسيطة جداً: شكل الماكياج، قصّات الشعر، إلخ. هذا تطلّب جهداً كبيراً جداً في البحث.

في ما يخصّ الأولمبيا، درسناه جيداً بفضل لقطات أرشيفية وصُور فوتوغرافية. ركّزنا على مقاطع معينة منها، وحاولنا الاقتراب منها قدر الإمكان. حتى كاستينغ الجمهور أنجزناه بناء على اقتراب أشكال الشخصيات ممن يظهر في مواد الأرشيف. هناك زيارات ميدانية لمسرح الأولمبيا أيضاً، لدراسة شكله وهندسته، ولخلق واقع قريب منه، بداخله وخارجه. صوّرنا هذا المشهد في أماكن مختلفة، ودمجنا فيه تقنيات عدّة، لبلوغ النتيجة المرجوّة.

 

 

(*) تميّز "الست" في بعض مقاطعه بمونتاج سريع. هل وضعت الجمهور في تصوّرك أثناء التوضيب، باعتبار المدة الطويلة نسبياً للفيلم؟ هل ستحذف مشاهد معينة في النسخة التي ستخرج إلى الصالات؟

النسخة الحالية ستخرج إلى الصالات. لا أعتبر المدة إشكالية أبداً. ربما تكون طويلة، لكن الفيلم يظلّ جذّاباً، وبالوسع مشاهدته بترقّب ما سيحصل في الأحداث المقبلة. يمكن أن يكون عملٌ قصيرَ المدة، لكن الجمهور لا يبدي أي اهتمام وترقب لمشاهدته.

مدة الفيلم نسبية دائماً، ولها علاقة بقدرة الفيلم على حثّ الجمهور على مزيد من التقرّب، ليتتبّع أحداثه إلى النهاية. أغلب أفلامي مدّتها طويلة: "كيرة والجن" 180 دقيقة، "عمارة يعقوبيان" 160، "تراب الماس" 150، "الفيل الأزرق 1" 160، والثاني 135. حذفت من كل أفلامي مشاهد معينة قبل النسخ النهائية، لكنّ مسألة الحذف من عدمها لا ترتبط بطول المدة، بل بقدرة الأفلام على الاستمرار والعيش، فأنا لا أحذف أبداً مشهداً جميلاً ومؤثّراً بسبب المدة. لن أفعل ذلك أبداً.

بخصوص الإيقاع، منذ البداية اخترت أحداثاً تحتوي على صراع قوي في مسار أم كلثوم. سواء تعلق الأمر بمشهد الأولمبيا، أو الطفولة، وغيرهما. اخترت الإيقاع الذي شعرت أنه الأقرب إلى إحساسها بالأحداث التي عاشتها: مثلاً أحداث الريف إيقاعها بطيء، بسبب الطبيعة الهادئة للريف وسكون القرية. لكن، عند الانتقال إلى القاهرة، كان ضرورياً استحضار طريقة الحياة فيها، في عشرينيات القرن الماضي، وكيف انبهرت ـ اندهشت أم كلثوم بصخبها. الإيقاع يختلف كذلك في المشهد نفسه. مثلاً مونتاج مشهد الأولمبيا في البداية سريع، لأنه يعكس لحظة ملتهبة بسبب الظرف السياسي، وجمع التبرّعات لحرب 1967، ومهمّ أن يُحكى الجانب المتعلّق بتوتر أم كلثوم قبل صعودها إلى المسرح.

أعتقد أن تغيّر إيقاع "الست" بحسب نوع الحدث مهمّ، وينبغي ألّا يبقى ثابتاً.

 

(*) في بعض المشاهد، نتلمّس تأثراً بجمالية العصر الذهبي للسينما الأميركية، كأجواء "المواطن كين" أو "سانست بولفار" مع غلوريا سوانسن، في مشهد عزلة أم كلثوم بعد ثورة يوليو 1952. أكانت لديك مراجع سينفيلية معينة في الكتابة والتصوير، من السينما العالمية أو المصرية؟

صراحة، لا. الفارق كمرجعية أني بذلت مجهوداً كبيراً في مشاهدة أفلام تسجيلية، لاستحضار وتمثل فكرة السرد غير الخطي، الحاضر بشكل كبير في السينما التسجيلية، خاصة محاولة المزج بين الروائي والوثائقي. الدراما الوثائقية، التراثية أو الجديدة، ملهمة أيضاً بقدرتها على اختزال السرد التاريخي، باعتبار أن أحد التحديات التي واجهتني في كتابة نص ممتد في الزمن، كسيناريو "الست"، كيف أستطيع استحضار حدث تاريخي بسرعة، في ذهن متفرّج، ليست له بالضرورة دراية بالتاريخ، وذلك باستخدام صوت الراديو أحياناً، أو قصاصات صحافية، من دون اللجوء إلى مشاهد خبرية مباشرة ومملّة. ثم أهمية مزج مادة وثائقية، تمنح للحكي في الوقت نفسه مصداقية.

 

(*) تميّزت فترة عزلة أم كلثوم أيضاً بجمالية الأبيض والأسود. هل حُدِّد هذا الخيار منذ الكتابة، أم أن مرحلة ما بعد الإنتاج فارقة فيه؟

أثناء الاشتغال، كنت أبحث الوقت كلّه عن مشاهد سنبئّر عليها بشكل خاص. بما أني أسرد بشكل غير خطي، تمثّل الخط البياني الذي يصل المَشاهد كلّها بعضها ببعض بفترات الصراع التي دخلتها أم كلثوم، والحالة النفسية لكلّ مشهد على حدة. حتى يكون السرد مؤثّراً، اخترت إيراد بعض أجزائه بالأبيض والأسود، كأني أسطّر على مراحل معينة في ذهن المتفرّج، لأنها تختزل الكثير من المعاناة والصراع الداخلي، في مقابل مراحل أخرى مضيئة. كل هذه الأجزاء مترابطة، لذلك كان مهمّاً استعراض أحداث كثيرة في حياة الست لفهم كيف وصلت إلى القمة، وكيف مرّت في فترات أخرى بمحن وعقبات. الغرض من بلوغ هذا النوع من السرد البصري عاطفيّ، بالدرجة الأولى، وخلق تأثير على المتفرّج له علاقة بالحالة النفسية للشخصية.

استخدمت في "الست" أيضاً خامات مختلفة: رقمية، وفيلم 16 مم. حاولت المزج بينها لتعزيز الإيحاء العاطفي، وفي الوقت نفسه استدعاء الإحساس بخامات تسجيلية تعكس أجواء مختلف الفترات الزمنية.

المساهمون