مرسي الحريري... ألحان للدين وللدنيا

14 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 02:27 (توقيت القدس)
استيعابه للتراث لم يمنعه من تقديم ألحان ذات طابع عصري (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مرسي الحريري، الملحن والمطرب المصري، تميز بإنتاجه الغنائي والتلحيني رغم شهرته المحدودة، حيث نشأ في حي الجمالية بالقاهرة وتعلم في الأزهر، مما أثرى ميوله الموسيقية.
- تأثر بكبار الموسيقيين مثل كامل الخلعي ودرويش الحريري، وقدم ألحاناً عاطفية ودينية، متعاوناً مع كبار المطربين والمنشدين مثل صالح عبد الحي ومحمد الفيومي، وحافظت ألحانه الدينية على طابعها التقليدي.
- عاش أواخر حياته في الكويت وقدم أول أوبريت ديني بعنوان "المطاف العظيم"، مما جعله نموذجاً مهماً في التاريخ الغنائي المصري بتوازنه بين الغناء الديني والدنيوي.

لا تتناسب الشهرة المحدودة للملحن والمطرب المصري مرسي الحريري (1913 - 1960) مع حجم إنتاجه غناءً وتلحيناً، بل يمكن اعتبار الرجل مثالاً واضحاً صارخاً على حالة التناقض المتكررة بين "الجودة الفنية" والانتشار الجماهيري، فإنجاز الأولى لا يستلزم تحقق الثانية.

كان الحريري موسيقياً من ذلك الطراز المخضرم، القادر على إنتاج جملة متينة، كذلك كان مطرباً مقتدراً، من رواة الأدوار والموشحات. لكن تلحين القصائد والأغنيات الدينية كان دائماً ميدانه الأول، الذي أخذ الجانب الأكبر من جهده، وتفوق فيه بدرجة جذبت إليه الشيوخ والمنشدين الكبار، الذين وجدوا في ألحانه ما يريدون من نغم يصلح لحمل المعاني الدينية، ويتناسب مع الاحتفالات في المساجد بالتواشيح وقصائد المديح النبوي. سار الحريري في طريقين تلحينيين متوازيين، يقدم في أحدهما ألحاناً عاطفية وصوراً إذاعية، ويبدع في الثاني أغنيات دينية يؤديها مطربون أو منشدون. 

نشأ الحريري في حيّ الجمالية بالقاهرة، ولأنه كان كفيف البصر ألحقته أسرته بالجامع الأزهر؛ فحفظ القرآن، وتعلم أحكام التجويد، لكن ميوله الموسيقية ظهرت مبكراً، فتعلم العزف على العود، وانتفع كثيراً بصداقته للمنشد الشهير محمد الفيومي، قبل أن يتعرف إلى اثنين من أهم الموسيقيين في عصره، هما كامل الخلعي ودرويش الحريري، ويمثل كل منهما مرجعية كبيرة لأهل الفن من المطربين والملحنين والمنشدين، فأخذ عنهما أصول التلحين، ودقائق الصنعة الموسيقية.

كانت حياة الحريري قصيرة، إذ لم يعش أكثر من 47 عاماً، لكنه بدأ التلحين مبكراً وهو ابن عشرين سنة، فاقتربت حياته الفنية من ثلاثة عقود، استطاع خلالها أن يرسّخ قدميه مطرباً وملحناً وعازفاً على العود. وفي الغناء، امتلك الرجل صوتاً قديراً مطواعاً ومدرّباً، وتعاملت معه الإذاعة باعتباره أحد كبار حفظة التراث، فكان مرجعاً في الموشحات والأدوار وأساليب الغناء الشرقي الكلاسيكي، كذلك كان دائماً الخيار الأول عند الحاجة إلى التعامل مع القصائد الصوفية والتواشيح الدينية. لكنه لم ينحصر يوماً في اللون "القديم"، بل قدم أغنيات من تلحينه، تواكب المستجدات المفروضة على الساحة الغنائية، وإن اتسم أداؤه دوماً بقدر ملحوظ من الرصانة والهدوء.

لحّن الحريري وغنى بصوته عدداً من الأغنيات العاطفية، ومنها على سبيل التمثيل: "الطير على الأغصان" من كلمات أحمد رامي، و"ما بين الشط والميه" و"فتان يا ورد الربيع" وكلتاهما من كلمات فؤاد السيد، و"ليش المداوي جاي" من كلمات إبراهيم رجب، و"صياد الغزال" كلمات ظريف السويفي. قدّم الحريري، أيضاً، ألحانه العاطفية لعدد من كبار المطربين، في مقدمتهم صالح عبد الحي، الذي أنشد للحريري طقطوقة "عشاق الجمال وصفولي" و"الدنيا بتضحك" و"يا وردة بعد الربيع نسيوكي"، وغيرها من الأعمال التي تناسبت مع تمسك صالح بأساليب الغناء الشرقي.

تباينت ألحان هذه الأغنيات، فجاء بعضها ليؤكد قدرة مرسي الحريري على مسايرة العصر، والتعامل مع الكلمات العاطفية الخفيفة، وجاء بعضها الآخر يحمل طابعاً دينياً، ولحناً من تلك الألحان التي اعتاد الرجل أن يقدمها إلى الشيوخ المنشدين، أو إلى المطربين المهتمين بالغناء الديني. ويمكن أن نمثل للقسم الأول بأغنية "ندر عليَّ" التي لحنها الحريري للمطربة عصمت عبد العليم، أو أغنية "لفيت عليه الدنيا" للمطرب أحمد سامي، كذلك يمكن أن نمثل للقسم الثاني بلحنه لأغنية "قول لي نصيبي في حبك إيه" التي شدت بها المطربة برلنتي حسن.

تزوج مرسي الحريري المطربة الضريرة إحسان عبده، صاحبة الصوت الجميل والأداء المشيخي. وكما هو متوقع، لم تخل حياتهما الزوجية من بعض أشكال التعاون الفني؛ فأنشدا معاً موشح كامل الخلعي "أكواب المُدام"، وقدّم الرجل لزوجته عدة ألحان، وصل إلينا منها "ضياك جميل يا قمر" و"يا عم يا شربتلي"، وكلاهما من كلمات فؤاد السيد. 

في غنائه، كان الحريري مطرباً متمكناً له نظراء كثر من أصحاب الأصوات والأداء، وفي تلحين الأغاني العاطفية كان أيضاً ملحناً ممتازاً له زملاء وأقران. لكنه بقي الفارس الأول للتلحين الديني، وقد شدا بالألحان الدينية للرجل عدد كبير من المطربين، منهم محمد قنديل، وشافية أحمد وحورية حسن، وإبراهيم حمودة، ومديحة عبد الحليم، وجلال فكري، وعبد الغني السيد، لكن سيادة الرجل في هذا الميدان كانت تتأكد إذا كان من سيقدم العمل أحد الشيوخ المنشدين.

وبسبب هذا التفوق، حرص أعلام فن الإنشاد الديني على الفوز بألحان الرجل، وكان صديقه المنشد الرائد محمد الفيومي صاحب النصيب الأكبر من تلك الألحان القوية، ومنها على سبيل التمثيل: "نعمة من جلائل الآلاء" شعر محمد راضي عثمان، و"إلهي يا سميع يا بصير" للشاعر عبد الرحمن علي الجهني، و"ترنيمة الفجر" لعبد الله شمس الدين، و"أشجاك ذكر معاهد" للإمام شمس الدين الشيرازي، و"توسلت بالهادي البشير محمد". ومن أمثلة ألحانه لكبار المنشدين غير الفيومي: "احمدوه" التي أنشدها الشيخ محمد حسن النادي، وأنشودة "هو الله" للشيخ نصر الدين طوبار، و"يا أيها المختار" للشيخ طه الفشني، وهو لحن مشتهر حقق انتشاراً واسعاً، أكبر من شهرة صاحبه.

في إذاعات مصر وتلفازها، اعتادت الجماهير الاستماع إلى الشيخ سيد مكاوي وهو يقدم "المسحراتي"، بكلمات الشاعر فؤاد حداد الشهيرة، لكن الحريري كان الأسبق في تقديم هذه التجربة، فقد بدأ عام 1956 في تسجيل حلقات المسحراتي بكلمات بيرم التونسي، التي يقول مطلعها: "سبحان من يحلم على من عصاه.. ويشمله باللطف حتى يتوب". ثم يدخل الكورال بعبارة: "يا مؤمنين سبحوا الله". 

عاش مرسي الحريري أواخر حياته في دولة الكويت، وهناك تعاون مع المطرب البارز عوض الدوخي، وقدم له بعض الألحان، لعل من أشهرها "أحاول كل يوم أنساك" من كلمات خالد العياف. لكن من أهم ما قدمه الحريري في الكويت كان غناؤه أول أوبريت ديني، بعنوان "المطاف العظيم" من كلمات الشاعر المصري حيرم الغمراوي، وألحان الكويتي عبد الرحمن البعيجان. تضمن العمل 14 أغنية، منها: "شددنا الرحال"، و"تغرب شمس يومكم"، و"هنا النيران"، و"أبو الأنبياء"، و"في يوم عيد". كانت هذه من المرات النادرة التي يغني فيها الحريري من غير ألحانه، ولم يكن يفعل هذا إلا مع الألحان التراثية من أدوار وموشحات.

يمثل مرسي الحريري نموذجاً مهماً في التاريخ الغنائي والموسيقي المصري، فكان صاحب مواهب متعددة، استطاع أن يوظفها جميعاً، وبتوازن مدهش، لا يكاد يطغى فيه جانب على آخر؛ فهو المغني القدير، والملحن المتمكن من أدواته، وهو أحد حفاظ التراث النادرين.

وفي الوقت عينه، فإن استيعابه للتراث لا يمنعه من تقديم ألحان ذات طابع عصري. لكن أهم جوانب التوازن عنده تمثل بقدرته الفائقة على درء التعارض بين الغناء الديني والدنيوي، والنجاح في تقسيم حياته الفنية بين الجانبين قسمة شبه متعادلة، يصعب معها نسبته إلى لون أساسي وآخر هامشي. هو صاحب "آه م العيون يا سلام سلم" وهو صاحب "باب السما مفتوح"، أو هو ملحن "فتان يا ورد الربيع" وهو أيضاً ملحن "يا أيها المختار". كان مرسي الحريري حالة من الجهوزية الموسيقية، تقدم إبداعها للدنيا وللدين.

المساهمون