مدينة تحيا آخر أيّامها في رأس المخرج

مدينة تحيا آخر أيّامها في رأس المخرج

28 يناير 2021
الصورة
لحظات تاريخية على تخوم السياسي والاجتماعي... والفني (عبد الحق سنّا/فرانس برس)
+ الخط -

ما السبيل إلى التقاط اللحظات التاريخية، المُتخمة بالحاضر والرهانات السياسية والاجتماعية، والمنفلتة بطبعها من عقال التمثّل الفني؟ في تاريخ السينما، هناك حالات أفلامٍ استطاع أصحابها تحقيق هذه المعادلة الصعبة، عبر تلافي اجترار الواقع، أو الضياع في المتاهات السرابية للرغبة في تلخيص الأحداث، وتتبّع زخمها.

مع لوي مال مثلاً، في "ميلو في مايو" (1990، سيناريو جان ـ كلود كاريير ومال)، تُروى قصّة كهلٍ، تسقط والدته فجأةً صريعةَ سكتةٍ قلبية، فيَجمع أفرادَ العائلة حول تابوتها، ويتذكّرون أفراح الماضي، وينكؤون جراحاته، على وقع أخبار إضرابات مايو/ أيار 1968، وأعمال الاحتجاج التي تلتها. استعارة بديعة، تجعل تأبين الأمّ صورةً لروح فرنسا القديمة التي تحتضر في خضمّ تصفية حسابات بين مختلف مراكز السلطة، تؤدّي إلى تعاقدٍ اجتماعي جديد، أكثر عدالةً وتوافقاً مع روح الشباب، وآمال الطبقة العاملة.

أنجح التجارب الفيلمية ـ المتّصلة بروح الثورات والانتفاضات الشعبية في الدول العربية، مطلع العشرية الماضية، تلك التي تناولت الحدث وفق مقاربة منزاحة، تُلامس الحدث من دون أنْ تبتلعها دوّامة تفاصيله وزخمه، التي تبدو كثقبٍ أسود يمتصّ كلّ ضوءٍ يُسلّط عليه بشكل مباشر.

لعلّ "آخر أيام المدينة" (2016)، للمصري تامر السّعيد، من أفضل ما أُنجزَ من هذا المنظور: مُصوَّرٌ في السنوات الأخيرة السابقة لاندلاع الثورة في قاهرةٍ رمادية الأجواء، تتآكلها الخيبات على معظم المستويات، من خلال حكاية مخرج شاب يحاول جاهداً لملمة حياته المتداعية بين الانكسارات العاطفية والعائلية والمهنية، وسط مجتمعٍ تفسّخت في ثناياه جلّ معاني القيم النبيلة والمبادئ الخلاّقة. يكاد لا يخلو مشهدٌ واحد من أحد المعاني الثلاثة، التي هتفت بها حناجر المتظاهرين مطلع 2011: حرّية، كرامة، عدالة اجتماعية.

سينما ودراما
التحديثات الحية

يُحقّق الطّرح، من جهة أخرى، نوعاً من الاستباق الرؤيوي لثلاث مسائل مثيرة للاهتمام، بالنسبة إلى موضوعنا: حدس فنّي مذهلٌ بقرب اندلاع الثورة، عبر إحساس المخرج (وتامر السعيد من خلاله، بفضل تبئير مرآويّ رائع) بأنّ شيئاً ما ينقص لجمع شتات المَشَاهد التي صوّرها لفيلمه الوثائقي، أي في العمق، لحظة اندلاع الثورة، ثمّ انصهار صديقيه، المخرِجَين الآخرين من بيروت وبغداد، في البوتقة نفسها للصراع الداخلي ـ الخارجي، الذي يتآكله، عبر تداخل أصوات المخرجين الثلاثة بنَفَسٍ شعري تارةً، وارتجالي في المَشاهد الليلية الخلاّبة تارة ثانية. وبالتالي، فكرة اشتراك كلّ شعوب المنطقة تقريباً في الشروط نفسها، السياسية والاجتماعية، المفضية إلى الانتفاضة.

المسألة الثالثة متعلّقة بأهمّ أسباب التعثّر (المرحلي) لهذه الثورات، المتمثّل في عدم تحقّق العمق الفكري، وثورة في العقليات، تقطع مع التصورات القديمة كلّها، المتعلّقة بالأصوليات الدينية، والمرتبطة بثقافة "العبودية الطّوعية"، بمفهوم إتيان دو لا بُواسيه.

مربط نجاح "آخر أيام المدينة" كامنٌ في أنّه يُكثّف حالة القاهرة في الأشهر الأخيرة السابقة على الثورة، بالطريقة نفسها التي أجمل بها رولان بارت عبقرية تشارلي تشابلن في "الأزمنة الحديثة" (1936)، في أنّه يقبض على وضعية الكائن البروليتاري في اللحظة الدقيقة التي تسبق تمرّده احتجاجاً على وضعيته المعيشية. مَغربياً، تبرز الجوهرة "همُ الكلاب" (2013)، كأهمّ ما تمّ تحقيقه عن "انتفاضة 20 فبراير"، أو حولها بالأحرى. لأنّ هشام العسري يتبنّى بدوره مقاربة انزياحية، لكنْ وفق تكتيك آخر، يتناول الحدث كذريعةٍ لأخذنا في رحلة مزدوجة الأبعاد: في الزمان، باستدعاء العمق التاريخي الذي لا يُمكن في غيابه استيعاب عمق وتعقيد الأحداث المصيرية في مسارات الشعوب؛ وفي المكان، بفضل الفكرة الرائعة للسيناريو، التي تُحوّل الجولة التي نقوم بها في أرجاء الدار البيضاء إلى موشورٍ يعكس علاّت المجتمع المغربي ومفارقاته، الصارخة والمؤدّية إلى الانتفاضة، مع كلّ تعقيد هذا المجتمع، وتنوّع فئاته بين المثقّف والبسيط، والغني والفقير، والانتهازي والمتضامن، من دون أنْ يتحوّل الفيلم في أي لحظة إلى بلاغٍ استنكاري، أو بيان مطالب، كما ينتهي حال أفلامٍ كثيرة تتطرّق إلى الحالات الإنسانية المرتبطة بالاعتقال السياسي. وذلك من خلال قصّة فريق تصوير، تابع لقناة تلفزيونية ذات تقاليد ممعنة في المخزنية، تقتفي خطى شيخ مجهول الهوية وفاقد للذاكرة، يظهر (وظهوره فجائيّ، أشبه بالسفر عبر الزمن، فيضفي على الحكي صبغة خُرافية لا يخطئها الإحساس) في ساحة الاحتجاج الثوري لـ"حركة 20 فبراير"، ويحكي كيف أُفرج عنه للتّو، بعد اختطافه أثناء انتفاضة الخبز، بداية الثمانينيات الماضية، واعتقاله (تحت رقم "404") أكثر من 30 عاماً، ساعياً بمساعدة فريق التصوير إلى البحث عن بيت أسرته.

سينما ودراما
التحديثات الحية

كأنّ يداً خفيّة تتلقّف يد المُشاهد لتنقذه من سطحية استجوابات "الميكرو ـ طروطوار" (التناول الإخباري العالق في مستنقع الإثارة السهلة والآنية)، التي تفتتح الفيلم، وتأخذه في انغماسة "عوليسية" المرامي، بمعنييها الحاضِرَين عند هوميروس، باعتبار تقاطعات فقدان الذاكرة والبحث عن منزل العائلة، المحفوف بالتحدّيات التي تقود البطل إلى تقليب مواجع الماضي، ولقاء الأعداء كما الأصدقاء، كما عند جويس، بحكم طبيعة تكثيف السرد في يوم فاصل بتجلياتٍ، تتيح رؤية الفضاء المستطلع بعيون الشخصية الرئيسية ومشاعرها الدفينة، وبالتالي استقراء دواخلها بلقطات متابعة طويلة، بالطريقة نفسها التي يقوم فيها الكاتب الأيرلندي بتتبّع ذاتية ليوبولد بلوم، بفضل أسلوب مونولوغ التقرير الحرّ غير المباشر، جامعاً بين ذاتية السرد وصيغة الغائب.

فُجائية نهاية "همُ الكلاب" ليست سوى نقطة ذروةٍ لتموقع الفيلم، الغني والمُذكّي للمفارقات في مساحة توازن مشدود ـ وهشّ بالضرورة ـ بين الكوميديا والتراجيديا، وثقل التاريخ وزخم الحاضر، وواجب الذاكرة وقوى الطّمس والنسيان؛ بين قول الأشياء (مُصارحة "404"، المناضل الاشتراكي السابق، بحقيقة تنكّره لمبادئه) وإضمارها (تعطّل الميكروفون في اللحظة الفارقة التي يشرع الابن فيها، أخيراً، بالتحدّث مع أبيه)؛ وبين لحظات المراقبة بعينٍ متجرّدة وأخرى مُتفهّمة إلى حدّ التّضامن الإنساني.

سينما ودراما
التحديثات الحية

المُثير للاهتمام أنّ أغلب مناضلي "حركة 20 فبراير" لم يحبّوا الفيلم عند عرضه. كانوا يأملون أن يمضي العسري زمن الحكي في ساحة الاحتجاجات، مُعطياً الكلمة لروّاد الحركة، ولأناسٍ مُثقّفين "يستطيعون ترجمة رؤيتها ومطالبها أحسن من المواطن المغربي البسيط". لكنّ الزمن، الحكم الأسمى، أثبت أحقّية اختيار المخرج تتبّع روح الحركة، التي كانت تسري في كلّ شبرٍ من أوصال الدار البيضاء، وجُلّ مدن المغرب. تلك الكهرباء الاستثنائية، التي تجعلك تحسّ أنّ كلّ شيء بات فجأةً مُمكناً، وأنّ الأفق يَعِد بشيءٍ آخر غير الاستكانة والخمول واجترار خيبات الماضي.

ما يجعل من "همُ الكلاب" اليوم، بعد عشر سنوات كاملة، وثيقة تمثّل شبه راديوغرافية للمجتمع المغربي، الذي انتفض ذات 20 فبراير/ شباط 2011، مطالباً بدولة الحقّ والقانون، والقطع مع الفساد والممارسات الديكتاتورية، بشتّى أشكالها.

القاسم المشترك بين هذه التجارب، أنّها لم تختَر ترك الحدثِ خارج حقل الحكاية، بطريقةٍ أو بأخرى، إلا لتتلقّفه مجدّداً كي يشغل قلبَ الحكي بخطابٍ أعمق، أكثر تأثيراً وصموداً أمام امتحان الزمن. رسالة وسط قنينة زجاجية، تُرمى في بحر الخلود كشكلٍ من الاحتفاء بقيم الإنسانية، والتآزر من أجل غدٍ أفضل للشعوب. رسالةً، مثل "404" في نهاية "همُ الكلاب"، لم تنتهِ بعدُ من الجهر باسمها.

المساهمون