محمد نجم: أﻋﺒّﺮ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻦ ﺧﻼل ﻛﻼرﯾﻨﯿﺖ ﺗﺘﻜﻠﻢ ﺑﻠﻜﻨﺔ ﻋﺮﺑﯿﺔ

10 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:27 (توقيت القدس)
أردت في "زهر يافا" أن أﺳﺘﻌﯿﺪ ﺻﻮرة المدينة ﻛﻤﺎ رواھﺎ ﻟﻲ ﺟﺪي (من الفنان)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- محمد نجم، الموسيقي الفلسطيني، بدأ مسيرته في معهد إدوارد سعيد وشارك في فرق موسيقية متعددة، مما ساهم في تشكيل هويته الموسيقية. انتقل إلى فرنسا لاكتساب خبرات جديدة، محاولاً جعل آلة الكلارينيت تعزف بالعربية.
- في ألبومه "الطابق الرابع"، جمع بين الموسيقى العربية والتركية واليونانية والجاز، معبراً عن ذاكرته الموسيقية وتأملاته في الهوية والمكان، ويضم قطعاً موسيقية متنوعة.
- ألبوم "زهر يافا" يعكس تجربة شخصية، حيث استخدم الموسيقى للتواصل الروحي مع والده واستعادة صورة يافا، وركز على تقديم موسيقى تعبر عن العائلة والذاكرة والانتماء، ويشارك في مشاريع للأطفال.

مثل كثير من الموسيقيين الفلسطينيين المميزين، كانت بداية محمد نجم من معهد إدوارد سعيد للموسيقى. اشترك بعدها في عدد من التجارب مع فرق مثل "تراب" و"يلالان" و"أوركسترا الشباب"، ثم انتقل إلى فرنسا بغرض استكمال دراسته، ليزوده البلد الأوروبي بمزيد من المعرفة والخبرة التي حرضته على إصدار أكثر من مشروع موسيقي، طامحاً إلى أن يجعل آلته الكلارينيت تعزف بالعربية. وللحديث عن سيرته الفنية تلك، التقته "العربي الجديد" في هذه المقابلة.

بدأت مع فرق مثل "يلالان" و"تراب" و"أوركسترا فلسطين للشباب". حدثنا عن تلك البدايات.
هي تجارب مهمة جداً أثرت تأثيراً كبيراً في مسيرتي الفنية، وساهمت في تشكيل هويتي الموسيقية. ففي تجربة فرقة تراب، كان هناك تنوع مميز في الآلات لم نعتد عليه، إذ جمعت الفرقة الكلارينيت إلى جانب الأكورديون والعود والباص والإيقاع، وكان لكلّ منا مساحة للتعبير عن نفسه وتمثيل موضوع الأغنية موسيقياً. وقد أحسن مؤسس الفرقة، باسل زايد، بذكائه الفني حين فتح المجال حتى يكون البناء الموسيقي جماعياً.
أفادتني هذه التجربة كثيراً لاحقاً، لأنها رسخت لديّ فكرة العمل الجماعي، وهي الروح نفسها التي كانت موجودة أيضاً في فرقة يلالان، فكنا عائلة فنية حقيقية تجمع الطاقات الفلسطينية الشابة وتشجع على التعبير الفني الحر. أما الأوركسترا الفلسطينية للشباب، فكانت تجربة مختلفة تماماً وغنية إنسانياً وموسيقياً. كانت بمثابة بيت جمع فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات من سورية ولبنان ومصر، وامتزج فيها الطابع الكلاسيكي الغربي مع روح الموسيقى العربية، مما منحها هوية مميزة وجعل منها تجربة فريدة في مساري الفني.
هذه المشاريع الثلاثة تحديداً كان لها أثر عميق فيّ فنياً وإنسانياً واجتماعياً. وبالطبع، هناك مشاريع أخرى شاركت فيها، لكنها تبقى تلك المحطات الثلاث هي الأهم في تشكيل شخصيتي الفنية.

في ألبومك الأول "الطابق الرابع"، حشدت ألواناً متنوعة من الموسيقى العربية والتركية واليونانية إلى جانب الجاز. ما الرؤية الفنية التي حكمت المشروع؟
كان هذا الألبوم بالنسبة لي عملاً مهماً جداً، رغبت من خلاله أن أقدّم ما يمكن أن نسميه "الحقيبة السمعية" التي رافقتني منذ طفولتي وحتى تسجيل الألبوم. تضمنت هذه الحقيبة كل ما كوّن ذائقتي الموسيقية، من الأشرطة التي كان يسمعها والدي في البيت، إلى الموسيقى التي كنت أستمع إليها عبر المذياع والتلفاز، مروراً بتجارب موسيقية عشتها وشاركت فيها أو تابعتها محلياً وعالمياً.
كذلك ضمت الحقيبة دراستي للموسيقى الكلاسيكية واحتكاكي في فرنسا بأنماط موسيقية مختلفة خلال فترة إقامتي التي امتدت لخمس سنوات كنت بعيداً فيها عن فلسطين؛ فوجدت الفرصة لأتأمل وطني وجذوري بنظرة مختلفة، أكثر عمقاً وارتباطاً بالذاكرة والمكان والهوية.
في هذا العمل أيضاً، أردت أن أقدّم سرداً غير مباشر لعدد من الأنماط الموسيقية الموروثة، في بحث عن الذاكرة الاجتماعية التي تحفظ ملامحنا الفنية. وطلبت من صديقي الموسيقي اليوناني ديميتري ميكليس أن يعمل على توزيع هذا الألبوم ليجمع بين النفس الكلاسيكي وروح الجاز، في تفاعل وانسجام مع الهوية العربية.

يضم الألبوم ثلاث قطع من ثلاث حقب مختلفة تعبّر عن هذا الامتداد الزمني والموسيقي: "ها الأسمر اللون" التي تمثل بالنسبة لي بلاد الشام وفلسطين بوصفها جزءاً أصيلاً من هذه المنطقة، و"رقصة زبقلي" عثمانية الطابع، لا نعرف على وجه التحديد مؤلفها لكنها تحمل في روحها ملامح تلك المرحلة التاريخية الغنية، وثالثاً مقطوعة يونانية اخترتها لما تحمله من موضوع إنساني عميق يشبه القصص التي نعيشها في منطقتنا، وتدور حكايتها حول امرأة تناشد البحر أن يعيد إليها زوجها أو حبيبها الذي أبحر بحثاً عن لقمة العيش.
ما جذبني إلى الأغنية أيضاً هو البحر الذي كان دائماً وسيلة تواصل بين الشعوب والثقافات، وفي الوقت نفسه رمزاً للفقد والحنين.

يلاحظ المستمع في ألبومك الأخير "زهر يافا" أن كل تدخل موسيقي فيه مدروس بعناية. ما الذي يمكن أن تصف به أسلوبك في هذا المشروع؟
أشكرك على السؤال وعلى الملاحظة التي تعني لي الكثير. إذا كان العمل قد وصل إليك بهذه الطريقة، فهذه مكافأة كبيرة بالنسبة لي.
ألبوم "زهر يافا" جاء تجربةً شخصية عميقة، فشكّل لي وسيلة لتجاوز مرحلة الحزن على رحيل والدي. كان نوعاً من البحث عن تواصل روحي معه، وكأنني أقول له: أتمنى أن تكون فخوراً بما أقدمه.
أردت أيضاً في هذا العمل أن أستعيد صورة يافا كما رواها لي جدي، وأن أعيد بناءها من جديد في خيالي: مدينة حيّة تنبض بالموسيقى. ومن خلال المقطوعات الأخرى التي تتناول مواضيع مختلفة، حاولت أن أحافظ على المستوى نفسه من الصدق والتعبير. ما ساعدني كثيراً في ذلك هو العمل لفترة طويلة مع موسيقيين فرنسيين رافقوني منذ عام 2016، وعلى مدار سنوات قدمنا العديد من العروض، وشيئاً فشيئاً نسجنا لغة مشتركة تقوم على التفاهم والانسجام العميق. هذه اللغة سمحت لي بأن أوصل إليهم فكرتي ومشاعري بوضوح، وهم بدورهم نقلوها إلى المستمع بأمانة وحسّ فني عالٍ.
أردت أن يكون هذا الألبوم صادقاً تماماً، لأنه يحكي قصة شخصية جداً تحمل ملامح العائلة والذاكرة والانتماء، لذلك بذلت جهدي كي أقدّم العمل في أجمل وأصدق صورة ممكنة، وأتمنى أن أكون قد وُفّقت في ذلك.

ذكرت في لقاء سابق أنك جعلت الكلارينيت تعزف بالعربية؛ فهل هذا يعود إلى هوية النغم فقط أم أن هناك عوامل أخرى؟
الكلارينيت اليوم تُعزف بأساليب متعددة تختلف باختلاف المكان والهوية، فهناك الكلارينيت الكلاسيكية، والجاز، والتركية، وكلارينيت أوروبا الشرقية وغيرها من المدارس والعوالم الصوتية. في العالم العربي اليوم، يتجه معظم العازفين إلى أحد أسلوبين: التركي أو الكلاسيكي، في حين يندر أن نجد من يتجه إلى الجاز أو إلى اجتهاد شخصي في الصوت العربي. بالنسبة إليّ، لم أرد أن أعزف الكلارينيت بالأسلوب التركي أو الكلاسيكي البحت، لذا حاولت أن أستخرج من هذه الآلة أصواتاً تحاكي الآلات العربية كالعود والناي والكمان.
ما أبحث عنه خلال ذلك هو هوية النغمة وهوية السماع، لأن النغم – برأيي – يشبه اللغة؛ له لهجة ونبرة تعبّران عن المكان الذي وُلد فيه. لذلك، لا يمكنني أبداً أن أعزف موسيقى عربية بلكنة تركية. وباعتباري عازفاً عربياً فلسطينياً، أردت أن أعبّر عن نفسي من خلال كلارينيت تتكلم بلكنة عربية فلسطينية تحديداً. ولا أدّعي أنني وصلت تماماً إلى ما أبحث عنه، لكنني أجتهد وأجرّب وما زلت مستمراً في المحاولة؛ فرحلتي مع الصوت لا تنتهي، بل تتطور مع كل تجربة وكل نغمة جديدة.

اسما ألبوميك "الطابق الرابع" و"زهر يافا" مرتبطان بالمكان، فهل يختلف تأليفك للموسيقى باختلاف المكان؟ وكيف يكون أثره في الموسيقى؟
عندما نرغب في لقاء أشخاص نحبهم نختار مكاناً مناسباً لهذا اللقاء يرتبط بطبيعة ما نريد أن نعيشه معهم؛ فالمكان ليس مجرد خلفية، بل عنصر أساسي يؤثر في ما نشعر به، وهذا ما أعيشه في علاقتي مع الموسيقى. المكان الذي أحضر فيه يصبح أداة تعبير تساعدني على تحويل إحساسي إلى لحن.
على سبيل المثال، فكرة ألبومي "الطابق الرابع" ولدت حين كنت أسكن في رام الله. كنت أرى من نافذتي أضواء يافا البعيدة في المساء والبحر في الصباح، ومن هنا جاء اللحن محاولةً لترجمة ما شعرت به في هذا المكان. الأمر نفسه حدث مع مقطوعة "باص زهر يافا"؛ فالمكان كان حاضناً للفكرة ومصدراً للإلهام، وأتصور أنه يؤثر في الموسيقى تماماً كما يؤثر على إحساسنا.

الطفل لديه حضور في إنتاجك الموسيقي، مثل مشاركتك في مشروع لبيت الموسيقى الفلسطيني موجه إلى الأطفال، ومساهمتك في ألبوم "خرز مغنّى" من إنتاج المؤسسة الفلسطينية أيضاً. كيف يختلف التأليف لهم؟
نعم، علاقتي بالطفل وثيقة جداً، لأنني أؤمن بأن الطفل هو المستقبل، وهو كائن واعٍ وذكي يجب أن نعامله بمستوى فكري وفني يليق بوعيه. وأنا أعمل حالياً في أوركسترا لافيل هارموني في باريس ضمن مشروع يحمل اسم "ديموس"، وهو مشروع موسيقي اجتماعي كبير يهدف إلى تعليم الأطفال الموسيقى بطريقة أكاديمية. من خلاله أعمل مع مئة طفل أتحمل مسؤولية متابعتهم موسيقياً وتربوياً بالتعاون مع فريق يضم عشرين أستاذاً موزعين على ست مدن مختلفة، وفي كل مدينة خمسة عشر طفلاً نعلمهم العزف على الآلات الكلاسيكية الأوركسترالية مثل الوتريات وآلات النفخ الخشبية والنحاسية.
أما بالنسبة إلى العمل الموسيقي الذي يحمل عنوان "خرز مغنّى"، فهو مشروع ألهمني كثيراً لأنه يتقاطع مع إيماني بالموسيقى الموجهة إلى الطفل، وهو عمل من إنتاج بيت الموسيقى بإشراف عامر نخلة، ويعود إلى عدد من المؤلفين الفلسطينيين، في حين كانت مشاركتي فيه عزفاً. قامت فكرة الألبوم على تقديم موسيقى حيّة بآلات تعتمد على المقامات العربية مع توزيع عربي معاصر أعدّه الموسيقي إبراهيم الخطيب، إذ يجمع بين الطابع المقامي التقليدي والهارموني الحديث.
هذه الرؤية تتوافق تماماً مع ما أؤمن به: أن نقدّم للطفل موسيقى ذات مستوى فني راقٍ وجودة مهنية عالية، تُنمّي ذائقته وتدرّبه على الاستماع إلى الآلات الحية والمقامات والهارموني بطريقة جذابة.
أشارك أيضاً في مقطوعة بعنوان "حدوتة" ضمن ألبوم جديد يحمل اسم "سمع ملوّن"، سيُطلق في بداية شهر ديسمبر المقبل. تعتمد فكرة العمل الفني على تأليف قطعة موسيقية قصيرة لا تتجاوز دقيقتين، تحتوي على جزأين بسرعتين مختلفتين بهدف تحفيز الطفل على متابعة الاستماع إلى موسيقى آلية بطريقة ممتعة ومناسبة لعمره، من دون اللجوء إلى التبسيط المخل.

ما المشروع الذي تتطلع إليه خلال الفترة المقبلة؟
أسعى إلى تسجيل عمل جديد مع موسيقيين جدد لطرح مواضيع جديدة. مشروع كان يجب أن يرى النور منذ فترة، لكن السنتين الماضيتين كانتا قاسيتين جداً علينا. هذا الألم الجماعي أثّر فينا بعمق بسبب ما يعيشه أهلنا في قطاع غزة من حرب إبادة وتطهير عرقي، ولم أستطع أن أجد الصفاء الذهني والوجداني اللازم لبدء مشروعي هذا. وما دامت الحرب مستمرة ومعاناة أهلنا قائمة، فإن كل فكرة موسيقية تأتي محمّلة بهذا الإحساس.
مع ذلك، هناك حديث أولي مع شركة الإنتاج التي أعمل معها حول فكرة ألبوم جديد ما زالت ملامحه غير واضحة، لكن بعض الألحان والأفكار بدأت تتشكل بالفعل. المرحلة المقبلة ستكون لاختيار المقطوعات والموسيقيين المناسبين، وربما كتابة أعمال جديدة تتلاءم مع روح العمل الذي أطمح إلى أن يكون مختلفاً وناضجاً، وأن يرتقي إلى المستوى الذي أتطلع إليه فنياً وإنسانياً.

المساهمون