محمد عبد المطلب... كأن كل أغنية موجهة إلى شخصٍ بعينه
استمع إلى الملخص
- بدأ مسيرته في كازينو بديعة، وحقق شهرة واسعة بتعاونه مع ملحنين كبار، وكانت الإذاعة وسيلته للوصول إلى الجمهور العربي، حيث تميزت حفلاته بالتفاعل الحي.
- امتدت مسيرته لأكثر من نصف قرن، متكيفاً مع تغيرات الأغنية العربية، وساهمت السينما في ترسيخ شخصيته الفنية، ليظل إرثه حاضراً في ذاكرة الطرب العربي.
في سجل الغناء العربي المعاصر، يطل اسم محمد عبد المطلب باعتباره أحد أشهر مطربي عصر الإذاعة، بعد أن استطاع ترسيخ صوته وأدائه بحضور طاغ في الوجدان الجمعي مصرياً وعربياً، من خلال تجربة تأخذ موقعها المتميز في مصافّ التجارب التي جعلت من الغناء الشعبي فناً قادراً على مخاطبة فئات مختلفة الأذواق، ممن ينتمي أكثرهم إلى النخبة القاهرية المتحكمة في وضع القواعد والأوصاف التي تجعل من نمط أدائي غناء راقياً، وتجعل من نمط آخر غناء هابطاً، وتحكم على ثالث بأنه مديني عام، وعلى رابع بأنه شعبي فئوي.
كان اختراق محمد عبد المطلب لهذه الفئة، وإقناعها بصوته وأدائه، ونيل اعترافها بأصالته أهم إنجاز حققه الرجل في خلال سنوات قليلة من ظهوره على الساحة الغنائية، معتمداً على أسلوبه الغنائي المبني على تعامل بالغ الخصوصية مع اللغة المحكية في القاهرة باعتبارها أداة موسيقية بذاتها؛ فإنتاج الكلمات في أداء عبد المطلب يشبه قطرات المياه المنفصلة: اقتصاد في المدود، وضبط لمواضع التشديد، وإيثار للوضوح على الاستعراض، مع قرار ممتلئ لا يتراخى، وجواب لا يتورط في الحِدَّة الجافة، المؤذية -حينها- لأذن المستمع "المديني".
في غناء عبد المطلب، يقترب مقام الغناء من مقام الكلام، ويبدو الرجل وكأنه يتحدث، ثم يترقى تدريجياً إلى الطرب على طريقته المعهودة. تميز غناء عبد المطلب دوماً بنظافة اللفظ. حرفه واضح ومُشهر، والحركة تُؤدى كاملة، والكسرة والفتحة والضمة تخرج سافرة بعد تعرضها لضغط شديد يستهدف إبرازها ووضوحها. يبني محمد عبد المطلب أغلب جمله على وحدات قصيرة، تتوالى غنائياً متماهية مع الإيقاع، مع لمسات قصيرة من العُرب، وعودة سريعة إلى الأصل النغميّ.
ينتمي عبد المطلب إلى جيلٍ خبر المسرح الحيّ قبل أن يتمرس بالغناء أمام الميكروفون، الذي تتعدى مكاسبه تضخيم الصوت إلى إظهار تفاصيل مهمة: همسة محسوبة، وقرب صوتي من الأذن، ونقاء في الحروف اللثوية والشفوية. لكن الخبرة المسرحية لها فوائدها الغنائية أيضاً، وقد حاز عبد المطلب من هذه الفوائد قدرة الحفاظ على ديناميكية الأداء حتى داخل استوديو، فكل لازمة وجملة تأتي كأنها موجهة إلى شخصٍ بعينه، وليست إلى جمهور عام.
اكتسب الرجل من الخبرات المسرحية فن إدارة التوازن الدقيق بين الخِفّة المحبَّبة والجدّ التعبيري. الخفة تُرى في سرعة الالتقاط، في الإيقاعات الراقصة المتوسطة، في لوازم يسهل ترديدها. والجدّ يتبدى في الانضباط المقامي، في إحكام المخارج. وكان هذا التوازن يمنح أعماله قابلية العبور بين أذواق مختلفة: من يبحث عن متعةٍ مباشرة يجدها في البناء الإيقاعي واللازمة، ومن يطلب طرباً محكماً يلتقطها في تفاصيل الأداء المقامي والنَّبْري.
في أواخر العشرينيات، وتحت ضغط الفقر والاحتياج، مشى محمد عبد المطلب إلى مكتب محمد عبد الوهاب، وشكا له معاناته مع ضنك العيش. منحه عبد الوهاب مساعدة مالية، وعرض عليه الانضمام إلى جوقة المرددين الخاصة به فامتثل، فظروفه لم تكن تسمح بتفكير أو اختيارات. يتبدى صوت عبد المطلب ضمن الكورس في بعض أغاني هذه الفترة، لكن مع أول تعكير للصفو، ترك الرجل مهمة الترديد خلف "مطرب الجيل".
ومثل كل مطربي هذه الحقبة من تاريخ مصر الفني، اتجه محمد عبد المطلب إلى كازينو بديعة، وهناك كان ميلاده الفني الحقيقي، وهناك أيضاً عرف معنى الفائض النقدي لأول مرة. وضعته السيدة بديعة مصابني على الطريق، ولم يكن مطلوباً منه إلا أن يسير بصوته وموهبته. ومع تعاظم إحساسه بالثقة، انفتحت أمامه طريق الإذاعة، التي شكّلت ساحة لتثبيت أسلوبه.
فالاستوديو الإذاعي أتاح له تقديم صوته في بيئة مضبوطة الصوت، إذ يمكن التحكم في التوازن بين الآلات والكورس، وتسجيل نسخ نهائية قابلة للإعادة على مدى عقود. هذا التكرار الإذاعي خلق علاقة ألفة مع الجمهور: مستمع يحفظ اللحن، ويعرف القفلة قبل أن تأتي، ويشارك في الأداء من وراء الراديو. اتسعت جماهيرية الرجل كثيراً.
وأيضاً، كانت الإذاعة بوابة لعبور صوته إلى الدول العربية، عبر تبادل البرامج أو البث المباشر للحفلات. ومن اللافت أن كثيراً من محطات الإذاعة في الشام والخليج والمغرب تبنّت أغانيه ضمن برامجها الدورية.
لكن محمد عبد المطلب كان يمتلك وصفة خاصة للحفلات الجماهيرية، تتكون من عدة عناصر: احترام كبير للبنية اللحنية الأصلية، مع مساحة حرة للتلوين الصوتي والإيقاعي. فهو يعرف أن الجمهور ينتظر ما حفظه من الإذاعة أو الأسطوانة، لكنّه يدرك أيضاً أن الحفل يجب أن يمنح المستمع إحساس "المرة الأولى"، من خلال التصرفات، والارتجال، والمفاجآت.
كان الرجل يقرأ القاعة بدقة، فإذا شعر بضعف الانتباه، لجأ إلى الموال القصير أو إلى تعديل الإيقاع عبر إشارة صغيرة للفرقة.. وإذا لمس حماسة متصاعدة، أشبع الجمهور بتكرار الجملة، لكنه لا يتركها تذوب في التكرار العقيم، بل يضيف في كل مرة مسحةً جديدة في التقطيع أو المقطع الختامي. هذا الحس التفاعلي جعل لحفلاته روحاً وحياة، وليست مجرد نسخ مسموعة من التسجيلات.
بدأ محمد عبد المطلب استقلاله الفني بأغنية "وديني بلد المحبوب يا ريس" التي لحنها له داود حسني، ولم يتخذ عليها أجراً. وتدريجياً، اتسعت قائمة الملحنين المتعاونين مع أبو نور، وفي مقدمتهم محمود الشريف، صاحب الشراكة الأطول مع الرجل.
وجد الشريف في صوت عبد المطلب بغيته، واطمأن إلى قدرته على إنجاح كل ما يغني، فاستمر في إمداده بالألحان بدءاً بأغنية "بتسأليني بحبك ليه"، التي صدرت على أسطوانة لشركة بيضافون عام 1934. شملت قائمة ألحان الشريف لعبد المطلب عدداً من أشهر الأغاني، وفي مقدمتها الأيقونة الرمضانية ذات الانتشار الاستثنائي "رمضان جانا"، وأيضاً "ودع هواك" التي بقيت لعقود مطلباً دائماً لمستمعي الإذاعة.
بالطبع لم يكتف محمد عبد المطلب بألحان الشريف، ولا سيما أن كبار الملحنين حرصوا على تقديم ألحانهم إليه، ومنهم محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وزكريا أحمد، وعبد العظيم عبد الحق، وأحمد صدقي، ومحمد فوزي صاحب "ساكن في حي السيدة" ذات الشهرة الواسعة، ومنير مراد، وكمال الطويل، وعزت الجاهلي صاحب "حبيتك وبحبك وهحبك على طول" الشهيرة جداً، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي، وحسين جنيد، وعبد الرؤوف عيسى صاحب "يا حاسدين الناس"، وسيد مكاوي، ومرسي الحريري، وفريد غصن، وعطية شرارة، ورياض البندك، ومحمد الكحلاوي، وغيرهم كثيرون.
امتدت مسيرة محمد عبد المطلب عبر فترات شهدت تغيرات كبيرة في شكل الأغنية العربية: من الأسطوانة إلى الإذاعة إلى التلفزيون، ومن فرق التخت الصغير إلى الأوركسترا الموسّعة. وعلى الرغم من كل هذه التحولات، ظلّ أسلوبه محافظاً على جوهره، ولا سيما في تقطيع الكلمات، والضغط على الأحرف.
لم يكن من الجامدين، بل لعله أثبت قدرة على التكيّف من دون مساس بهويته الغنائية التي رسخها في الوجدان الجماهيري لسنوات طويلة. قبل الرجل الإضافات التوزيعية الحديثة، واستفاد من تقنيات التسجيل المتقدمة، لكنه لم يسمح لهذه العناصر أن تطغى على شخصية صوته.
سينمائياً، كان ظهور عبد المطلب على الشاشة ترسيخاً لشخصيته الفنية. تناغمت اختياراته مع صورته المستقرة باعتباره مطرباً مدينياً قريباً من الناس، يحمل روح الحارة والأسواق والمناسبات الشعبية، ولكن بأسلوب منضبط ومهندَس.
ولم تكن الأغاني التي قدّمها في الأفلام معزولة عن بيئتها البصرية، فطريقة وقوفه، حركته المحدودة، وتوظيف الكورس أو المجموعة الراقصة، كانت كلها عناصر تكمل أسلوبه الغنائي. وبهذا، ساهمت السينما في تثبيت ملامح الأداء: الجملة القصيرة، والابتسامة المسموعة، وتوازن الخفة مع الجِدّ.
بدأ عبد المطلب رحلته الفنية منذ أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، وظل رقماً حاضراً في الحياة الغنائية المصرية والعربية حتى رحيله في أغسطس/آب عام 1980، ما يعني أن صوته وطريقته اختبرت لنحو نصف قرن، أمام الجماهير العربية من بغداد إلى الرباط، فحققت نجاحاً فنياً هائلاً، مع استمرارية نادرة بين المطربين.
ظلّ اسم عبد المطلب حاضراً في ذاكرة الطرب المصري والعربي، لأن إرثه الأسلوبي لا يُقاس بعدد الأغاني أو بحجم الشهرة فحسب، وإنما بقدرته على صياغة قالب أدائي بالغ الخصوصية، لا يمكن لأحد استدعاؤه من دون استدعاء اسم صاحبه. ومن يغني عبر نصف قرن، لا يمكن أن يكون حضوره طارئاً أو موسمياً. إنه نتاج توازن بين الحرفة والموهبة، بين الانفتاح على الجمهور والالتزام بجودة التعبير.
وفي زمن تتغير فيه الأذواق والوسائط، يبقى أسلوبه شاهداً على أن المعادلة الصعبة ممكنة: أن تكون قريباً من الناس، وأن تظل في الوقت نفسه صاحب بصمة فنية لا تذوب مع مرور الوقت. بهذا، يظلّ عبد المطلب، في وجدان المستمع العربي، صوت الطرب الذي حمل عبق الحارة وعنفوان الصنعة، وترك لنا ميراثاً غنائياً يتجاوز لحظته التاريخية ليعيش مع أجيال تالية تسمع وتطرب.