محكمة جزائرية تدين الصحافي سعد بوعقبة بالسجن 3 سنوات مع وقف التنفيذ
استمع إلى الملخص
- نفت ابنة بن بلة نيتها للإساءة لوالدها وأبدت استعدادها لسحب الدعوى إذا اعتذر بوعقبة، الذي أكد احترامه للرئيس الراحل وأن تصريحاته استندت إلى كتاب قديم.
- أثارت القضية جدلاً واسعاً في الجزائر بسبب تصريحات بوعقبة حول أموال جبهة التحرير، مما أدى إلى ردود فعل سياسية قوية.
أدانت محكمة بئر مراد رايس، في العاصمة الجزائرية، الصحافي الجزائري سعد بوعقبة بالسجن ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ في القضية التي رفعتها بحقه نجلة الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، ووزارة المجاهدين (قدماء ثورة التحرير) بتهمة المساس ببن بلة باعتباره رمزاً من الرموز التاريخية للدولة الجزائرية، فيما أدين مدير منصة رؤية عبد الرحيم حيراوي بالسجن لمدة عام مع وقف التنفيذ، وإغلاق المنصة نهائياً ومصادرة ممتلكاتها. وهذ الحكم يعني إخلاء سبيل بوعقبة الليلة بعد سلسلة طويلة من المرافعات.
وحضر محاكمة بوعقبة عدد كبير من الصحافيين والنخب الداعمة له، في واحدة من المحاكمات المثيرة للجدل، وطالب وكيل الجمهورية خلال المرافعة بعقوبة السجن سبع سنوات بحق بوعقبة بتهم "إهانة وقذف موجه باستعمال تكنولوجيات الإعلام والاتصال ضد رموز ثورة التحرير الوطني"، و"ترويج عمداً بأي وسيلة كانت أخبار أو أنباء كاذبة معروضة للجمهور"، كما التمس عامين حبساً نافذاً في حق مسير قناة "رؤية" الإلكترونية عبد الرحيم حيراوي بتهمة المشاركة في قذف ضد رموز الثورة.
وأكدت نجلة بن بلة الوحيدة، مهدية، صاحبة الدعوى، أنها ترفض رفضاً قاطعاً الإساءة إلى والدها ووصفه بسارق أموال جبهة التحرير، واعتبرت أن لا أحد يمكن أن يقبل أن يقال عن والده بأنه مختلس أموال، فما بالك بأن يكون الرئيس الراحل أحمد بن بلة. ولم تمانع من جانبها سحب القضية التي رفعتها بحق الصحافي بوعقبة في حال قدّم اعتذاراً عما بدر منه، لكن تنازلها لا يلغي القضية، كون الحق العام الذي تأسست بموجبه وزارة المجاهدين يُبقي التهمة قائمة.
لكن الصحافي بوعقبة نفى بشكل كامل أي نيه له للإساءة إلى بن بلة، وذكر أنه يكنّ الكثير من الاحترام والتقدير للرئيس الراحل، وأنه كانت له علاقات متميزة معه قبل وفاته، وأن ما ذكره بشأن مصير أموال جبهة التحرير كان عبارة عن معلومات وردت في كتاب صدر قبل عقود ولم يرد عليه أحد، وليست اتهاماته شخصية، وأن ما قاله أسيء فهمه، مشيراً إلى أنه لوحق خلال مساره المهني الممتد إلى 53 عاماً ثلاث مرات، لكن هذه القضية هي الأكثر ألماً بالنسبة له.
ورافعت لصالح بوعقبة هيئة دفاع كبيرة من 30 محامياً، وأثار المحامي سعيد زاهي ازدواجية المعايير، كون أن وزير الداخلية الأسبق والعضو الحالي لمجلس الأمة دحو ولد قابلية، بصفته عضواً سابقاً في جهاز المالغ (وزارة الاستخبارات والتسليح للثورة الجزائرية)، كان قد وجّه قبل أيام إلى الرئيس الراحل بن بلة، في قناة تلفزيونية محلية، اتهامات بالتسلط والدكتاتورية والحكم الفردي خلال فترة حكمه (1962 ـ 1965)، من دون أن يلاحَق قانونياً كما حدث لبوعقبة.
وأثيرت هذه القضية في أعقاب تصريحات للصحافي بوعقبة في حوار مطول عن مساره المهني، بثته منصة "رؤية"، أن الرئيس أحمد بن بلة ومجموعة من قيادات الثورة التي تحولت إلى المعارضة بعد الاستقلال (الرئيس محمد بوضياف وحسين آيت أحمد ومحمد خير وكريم بلقاسم)، بالإضافة إلى بن بلة بعد خروجه من السجن عام 1980، كانوا قد تقاسموا مدخرات جبهة التحرير، واعتمد بوعقبة في هذه المعلومات على مستندات وردت في كتاب نشره مدير البنك السويسري الذي كان يضم حساب جبهة التحرير.
ومعروف أن أموال جبهة التحرير التي كانت تقود ثورة الجزائر، وكانت مودعة في حساب ببنك سويسري، تحت وصاية القيادي البارز في الثورة وممثل جبهة التحرير في الخارج محمد خيضر (اغتيل في مدريد في يناير/ كانون الثاني 1967)، بصفته آمراً بالصرف، لم تُسترَدّ لصالح الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، نتيجة خلافات بين القادة السياسيين مع الرئيس بن بلة في مرحلة أولى، ثم مع الرئيس هواري بومدين بعد استيلائه على الحكم في أعقاب انقلاب يونيو/حزيران 1965. وفي فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد حدثت تسوية سياسية بين الدولة وعائلة محمد خيضر، التي ورثت جزءاً من هذه الأموال، لاسترداد الدولة لها وإعادة الاعتبار لخيضر، القيادي الثوري الذي يحمل اسمَه مطار وجامعة.
وكانت محكمة في العاصمة الجزائرية قد قررت الخميس إيداع سعد بوعقبة الحبس حتى محاكمته اليوم. وواجه هذا التوقيف والسجن ردات فعل سياسية صاخبة بين الأحزاب والنخب في الجزائر، فسعد بوعقبة (72 عاماً)، من أهم صحافيي الجزائر، وعايش كل الرؤساء والمراحل السياسية التي شهدتها البلاد بعد الاستقلال، وقد تعرّض في مسيرته الإعلامية لملاحقات قضائية عدة، فسُجن في بداية التسعينيات خلال الأزمة الأمنية بسبب مقالات انتقد فيها السلطة، كما لوحق قبل عامين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بسبب مقال صحافي، ولم يستطع العودة إلى الكتابة في الصحف المحلية حتى الآن.