متعة اكتشافات أخرى: الخيال ينحت الزمن

18 نوفمبر 2020
الصورة
بيلا تار: مخرج مُبجَّل ينال مجداً في المهرجانات فقط (أندرياس رَنْتز/Getty)
+ الخط -

 

نجمةٌ تغرب، ترى بديلتها تصعد السلّم نحو السماء، في "بلاك سوان" (2010). هذا فيلمٌ مُصمَّم للعين. فيه منافسة شرسة للحصول على الموقع الأول. الاكتشاف من المُشاهدة الحالية أنّ الفيلم يبني نظرية الفنّ، بحسب مخرجه دارين أرونوفسكي.

هنا، يُطرح سؤال: ما الفرق بين مُشاهدةٍ قديمةٍ لفيلمٍ في قاعة سينما، ومُشاهدته في زمن كورونا عبر منصّات ومواقع؟

يُمكن توقيف عرض فيلمٍ للإعادة والمقارنة. بهذه الطريقة، أشاهد أفلاماً قديمة بمتعة أكبر، خاصة حين أجد أنّ الأفلام الجديدة تُصوِّر الواقع بـ"صفر مسافة"، كأنّها "ستوري انستغرام". بفضل منصّات المُشاهدة، عدد الأفلام التي شاهدتُها وكتبتُ عنها في 6 أشهر من الحجر، أكثر من تلك التي أشاهدها وأكتب عنها في عام. تُغطّي أخبار "نتفليكس" في الصحف على أخبار المهرجانات. عندما تتوقّف المهرجانات، ما الذي يثبّت قوّة الأفلام؟ الأكثر مُشاهدة على المنصّات، أو الأكثر حضوراً في صفحات النقد السينمائي؟ مُشاهدة الأفلام والـ"سينيفيليا" بخير، في زمن كورونا.

يحصل مخرجٌ مبجَّل، مثل بيلا تار، على المجد في المهرجانات فقط، بدعوى أنّه راديكالي. كأنّ السينما "كومونة" باريسية. لكنْ، لا أثر له في منصّات المُشاهدة الرئيسية. سبّب الوباء ضرراً شديداً في سمعة مخرجي المهرجانات، لأنّ أفلامهم فقيرة، تواصلياً وسردياً، بسبب اللقطات الطويلة التي لا يجري فيها شيء، بينما كاميرا المخرج تدور في الفراغ.

 

 

في زمن كورونا، ضاعت الأفلام التي لا تستطيع التنفّس والعيش خارج المهرجانات، بينما نجحت جماهيرياً تلك التي تتواصل بكثافة، وتقول وتحكي في لقطاتٍ قصيرة، وتقدّم متواليات أحداث تنتهي بتقرير مصائر.

 

الأرقام تتكلّم في زمن كورونا

بلغ عدد مشتركي "نتفليكس" 200 مليون، و"ديزني بلاس" 73 مليون مشترك، في 8 أشهر. بما أنّ كلّ منصّة تمنح 4 شاشات، فهناك مليار مُشاهد يتابعون يومياً ما يُعرض من أفلامٍ ومسلسلات. بينما يحاول الفيروس تحطيم صلة الفرد المعزول بالعالم، تُقوِّي منصّات المُشاهدة صلة الفرد به، من بوابة التخييل. "مع المنصّات، مش ح تِقْدَر تغمّض عينيك". ستعاني قلّة النوم.

أُغلقت القاعات السينمائية. توقفت المهرجانات ومباريات كرة القدم، فوجدت أفلام المنصّات حيّزاً كبيراً لملئه. للأفلام امتياز أنّها تُشاهَد مرّات عدّة، بينما مباريات كرة القدم لا تُشاهَد إلا مرة واحدة على المُباشر. بعدها، تفقد قيمتها. بينما الأفلام الكبيرة تتعتَّق، وتعبر الزمن.

 

التكنولوجيا ترفع مستوى معارف الجمهور

المُشاهدة البُعدية الدائمة على الشاشة الصغيرة مفيدة جداً للناقد. على هذه المنصّات، خيال حيّ ينبض بأسلوب ينحت الزمن. هكذا ستغيّر المنصّات وعي الزمن لدى الجمهور.

طلبت "منظّمة الصحّة العالمية"، في الوصلات الدعائية للوقاية من كورونا، غسل اليدين 40 ثانية، ثم 20 ثانية. اكتشف غاسلو أياديهم أنّ هذا زمنٌ طويل جداً. هذه رسالة إلى المخرجين الذين يصوّرون لقطات فيها 20 ثانية، وتُسبّب الملل. بينما لقطات أفلام "نتفليكس" قصيرة للغاية.

سيكون لهذه التقنية، التي تنحت الزمن، تأثيرات ثقافية واجتماعية تفوق الخيال.

 

كيف يُمكن التقنية أنْ تكون مؤثّرة اجتماعياً؟

سيكون للرقمنة أثر ثقافي واقتصادي هائل، كأثر الرّكاب في التاريخ: "انهزمت روما حين صارت الخيّالة قوّة ضاربة في الحرب. غَيّر تطوير الرّكاب طبيعة الحرب في القرن الرابع بعد الميلاد. ساعد الرّكاب الفرسان على البقاء مستوِين فوق سروجهم أثناء القتال" ("قصف العقول"، فيليب تايلور، ص. 76). تغيّر التسليح، فظهرت طبقة الفرسان، وما تلا ذلك هائلٌ. قياساً على هذا، سيكون لتسريع الرقمنة، الذي ساهم فيه الوباء، أثرٌ كبير على المستقبل. المنصّة تساعد الـ"سينفيلي"، وتُصعِّب مهمّة الناقد.

 

كيف تُصبح "سينفيلياً" في 5 أعوام؟

بالتعليم السينمائي المكثَّف عن بُعد، انخراط في 4 منصّات، ومُشاهدة الأفلام بحسب النوع الفيلمي والتتابع الزمني، بالإضافة إلى قراءة نصوص نقدية. لم ينخفض الطلب على نقد الفن في زمن كورونا. في موقعي جريدتي "لوموند" الفرنسية و"نيويورك تايمز" الأميركية، يُمكن الاطّلاع على أخبار السياسيين وكورونا مجاناً، لكنْ لا يُمكن قراءة مقالات عن الكتب والأفلام من دون دفع اشتراك باليورو والدولار.

 

 

توفّر منصّات للـ"سينيفيليين" أفلاماً مُجمّعة ومُصنّفة للمُشاهدة والفحص والمقارنة. يُمكن تخصيص 20 ساعة لمُشاهدة أفلامٍ من النوع نفسه، ثم 20 ساعة لمُشاهدة أفلام للمخرج نفسه بالتتابع. سيتمّ الخروج بخلاصات لم تُكتَب سابقاً.

بفضل قِصَر مدّة المُشاهدة بين فيلمٍ وآخر من النوع نفسه، أو للمخرج نفسه، يُصبح المتفرّج "سينيفيلياً" لتوافر مادة سينمائية لم تتوافر قبلاً.

 

المنصّات تُصعّب الكتابة. كيف يؤثّر هذا في الكتابة؟

يطّلع القارئ على المقالة، والفيلم مُتوافر له كمتفرّج، فيفحص ويقارن بينهما (المقالة والفيلم). هذا الفحص لتحليل الناقد ورأيه يُصعّب مهمّة النقاد. يستطيع أن يقارن ويميّز بين نقد مستقلّ، مبنيّ على معطيات، ونقدٍ ذاتيّ يتجاهل العمل الفني ليصير "شللياً"، يتناول المخرج الصديق، والممثل الصديق.

بسبب تسهيل الفحص البعدي للمقالة النقدية المقروءة، تُصعِّب منصّات المُشاهدة الكتابة. كيف؟

أولاً: تسهّل لوائح أفلام مسابقات المهرجانات على الناقد اختيار الفيلم الذي سيكتب عنه، من بين 20 فيلماً. على المنصّة، يتحمّل هو عبء الاختيار بين ألف فيلم.

ثانياً: ما أسهل أنْ تكتب عن فيلمٍ لم تُشاهده إلا قلّة. يُمكن أنْ تُلخّص القصّة، وتستطرد حول موضوعها. ما أصعب أنْ تكتب عن فيلمٍ شاهدَه الملايين، ولا يحتاجون إلى تلخيصٍ، وهم مُسلّحون بمُشاهدة طازجة، ليكتشفوا الاستطرادات المُقحَمَة، والجُمل الاعتراضية المملّة، فيقارنون ويكتشفون صدقية ادّعاءات الناقد، ومدى امتلاكه أسلوباً خاصاً.

المساهمون