استمع إلى الملخص
- الإدارة تسعى لتوسيع مساحات العرض بمشاريع مثل "صالون الممالك" وتدرس مبادرات كـ"ديل برادو ليلاً" وتنظيم المداخل لتفادي التكدس، بهدف الحفاظ على التوازن بين استقبال الزوار وتجربة الزيارة الثقافية.
- التحدي الأكبر هو توجيه الزوار للاستمتاع بالتجربة الفنية دون فرضها، مع توسيع فضولهم دون تحويلها لدرس إجباري، مع الحفاظ على جوهر التجربة الفنية.
يكاد أي زائرٍ سبق له أن زار متحف ديل برادو (Museo del Prado) في مدريد أن يعرف أنه اقترب من بوابته الرئيسية حين يسمع عزف أوتار غيتار إسباني تتموّج في المكان. فعند البوابة، لطالما كان إيدغار موفات جالساً على مقعد حجري، يعزف شيئاً شبيهاً بما صار يُعرف على مرّ السنوات بـ"المعزوفة الرسمية" للمتحف. اليوم، عازف الغيتار ليس موجوداً. الطقس مجنونٌ في مدريد، والمطر والريح من كل صوب.
ربما كان حظي سعيداً، أو ربّما تعيساً. فالزوار قليلون هذا اليوم نسبياً. والفسحة الموجودة أمام صرح المتحف، التي دائماً ما تكون مكتظةً، تبدو إلى حدٍّ ما غير مزدحمة. لا بدّ أن السبب في الطقس؛ فالعاصفة كرستين يبدو أنها مغرمة بمدريد ولا تريد أن تفارقها. هو ازدحام، على كل حال، دفع مدير المتحف ميغيل فاليرمو، مطلع العام الحالي، إلى القول: "لا يحتاج المتحف إلى زائر واحد"، محذّراً من أنَّ النجاح الجماهيري قد يتحول إلى عبء، كما حدث في متاحف كبرى مثل اللوفر وغيرها، حيث يزداد الاكتظاظ إلى حد يؤثّر على تجربة التأمل والفن. صحيح أنَّ المتحف في عام 2025 قد سجّل للمرة الثالثة على التوالي أفضل رقم قياسي بعدد زوار وصل إلى 3.5 ملايين زائر، إلا أنَّ إدارة متحف ديل برادو تبدو عازمة على ألا يكون الدخول إليه شبيهاً بصعود المترو في ساعة الذروة.
الطابور مع هذا كله ليس قصيراً، ولا بد من الوقوف والانتظار. المطرُ جميل. والطقس باردٌ. واللون رمادي في الخارج. معظم الواقفين بانتظار لحظة الدخول مشغولون: بعضهم يلتقط صوراً للواجهة وللمكان، وبعضهم يراجع خرائط الزيارة، كأنَّ المتحف يبدأ بالنسبة إليهم قبل الدخول، من شاشة صغيرة مضاءة. ليس الوقوف في الطابور أمام بوابة جيرونيموس مجرّد انتظار للحظة الدخول. هو لحظة معلّقة بين عالمين. في الخارج، عالمٌ سياحي يتحرك: مقاهٍ، شوارع مصقولة، قمصان كرة قدم، كنائس، مدريد، برشلونة، غران فيا، متحف ديل برادو، الغرنيكا، الرينا صوفيا. كأنَّ العالم يمكن اختصاره في فرق وألوان، في أسماء لامعة، في شعارات سهلة. في فيديوهات على "تيك توك" وصورٍ على "إنستغرام". في الداخل، عالمٌ مختلف: تاريخ، ذاكرة، زيتٌ وألوان، تماثيل ولوحاتٌ صيغت قبل أن تُخترع فكرة السياحة نفسها. هذا التوازن الدقيق بين ما هو معروض وما ينبغي حمايته، بين فتح الأبواب على مصراعيها وبين الحفاظ على معنى الزيارة، لم يُطرح جدياً في إسبانيا إلا أخيراً.
لسنواتٍ، كان نجاح المتاحف يُقاس بالأرقام وحدها: عدد الزوار، الطوابير الطويلة، الصور الأكثر انتشاراً. لم يفكّر أحد فعلياً في السؤال الأصعب: كيف يدخل المرء من الخارج، بكل فوضاه السياحية، إلى الداخل، حيث يُفترض أن يبدأ زمن آخر؟ وكيف يمكن لمتحف وطني، مفتوح على العالَم، أن يحافظ على هذا العبور بوصفه تجربة، وليس مجرّد حركة مرور؟
مدير متحف ديل برادو لم يكشف عن تفاصيل جديدة رغم تصريحاته التي أثارت السجال. في الإدارة، يتحدثون عن مجموعة من المتغيّرات بدلاً من فرض حلولٍ متسرعة، من بينها تحسين استخدام مساحة تتجاوز 70 ألف متر مربع، ستتوسّع ابتداءً من عام 2028 مع افتتاح "صالون الممالك"؛ المشروع المعماري الذي يصمّمه البريطاني نورمان فوستر بالتعاون مع الإسباني كارلوس روبيو، وسيضيف نحو 2500 متر مربع جديدة للعرض بجوار مجمع كاسون دل بون ريتيرو. يبدو، إذاً، أن المسألة ليست في إضافة لوحات. إنها رؤية جديدة قائمة على إعادة توزيع النظر والحركة والزمن داخل المتحف.
نعم، أنا في الداخل الآن، ولون البهو القرمزي، حيث يسرع الموظفون كي يقولوا لنا "ممنوع التصوير بدءاً من الآن"، يتناقض مع لون الخارج الرمادي. إنّه ديل برادو، يفتح ذراعيه لمن يريد أن يدخل عوالمه. في الداخل، يتغيّر الإيقاع على الفور. لا ضجيج للشارع هنا، لا كاميرات، لا هواتف مرئية. همسٌ متعدّد اللغات: الألمانية، والإنكليزية الأكثر حضوراً، والفرنسية. لا همس بالعربية إلا ذلك الذي يرنُّ في رأسي ويذكرني: "لقد تأخرت في كتابة هذا المقال".
سرعان ما تختفي الحشود، وسرعان ما يتضح أنَّ الازدحام في متحف ديل برادو ليس متساوياً. يتجمع، ويتكاثف، ويتبدّد. وخريطة الازدحام هذه عموماً ما ترتبط بدوافع الزيارة نفسها إلى المتحف: فهناك من جاء لأنّه في مدريد، وكأن زيارة ديل برادو بند إلزامي في رحلته. هؤلاء يتحركون في خطىً سريعة بين القاعات والصالات. هم شباب في الأغلب. يحدّقون في الخريطة أكثر مما يحدّقون في اللوحات. نظرة سريعة على كل لوحة. تأدية واجب سياحي لا أكثر. لكنهم يعرفون جيداً أماكن اللوحات الشهيرة: "لاس مينيناس" لبلاسكيث، لوحات غويا، وفرا أنجيلكو، وتيزانو، ورافائيل وغيرهم. وهناك من جاء بغرض الرؤية والتأمل وقضاء يومٍ كامل. وهناك من جاء لأجل الدراسة. وبعضهم، مثلي أنا، لأجل الكتابة عن الزيارة نفسها. تعددت الأسباب والمتحف واحد.
تحديداً في القاعات الكبرى التي تستضيف أيقونات المتحف، في صالة بيلاسكيث، حيث "لاس مينيناس"، وفي صالة البوسكو، حيث رائعة هيرونيموس بوش "حديقة المباهج الأرضية"، وفي صالة غويا، حيث روائعه السوداء وعمله الأيقوني "الثالث من مايو"، يتخذ هذا التفاوت في الزوار شكلاً محسوساً، إذ تتلامس الأجساد لاإرادياً، وتميل الرؤوس إلى اليمين أو إلى اليسار. هناك، يتوجّس موظّفو المتحف من كل من يحمل كاميرا أو من يضع يده في جيبه كي يخرج هاتفه كأنه سيخرج مسدساً. تحديداً، هنا، في هذه القاعات الكبرى حيث لا يبدو متحف ديل برادو مكاناً للتأمل، ولا يمكن أن يكون لا مكاناً وفق تعبير الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجيه، يمكن للمرء فهم تصريحات مدير المتحف. هذه الصالات حقاً تحوّل المتحف إلى طرق سريعة، إلى متحلق فائق السرعة، فلا إشارات مرور للوقوف. الضوء دائماً أخضر، وحركة المرور تواكب عصر الذكاء الاصطناعي.
رجلٌ أربعينيّ إلى جانبي يهمس في أذن صديقه: "هيا بنا إلى القاعة المجاورة. هناك حديقة الملذات للبوسكو". سوزانا، جاءت من ملقة، كانت قد قالت لي إنّها المرّة الأولى التي تأتي مع ولديها إلى المتحف، لكنهما "سرعان ما ضجرا وراحا يلعبان في الأروقة والممرات. أما أنا، فطبيعة الحال لست خبيرة بالفن، ولكن أحبُّ أن أرى اللوحات الشهيرة. ولكن لا يمكن التقاط الصور".
في الصالة المجاورة، "صالة القرن التاسع عشر" أو في الصالات المتصلة بها، مثل بعض صالات الفن الإيطالي، أو صالات الرسم الفلمنكي، حيث لا لوحات معروفة، يتنقّل البصر بطيئاً على طبق الواقع. اللوحات في هذه الصالات صديقة الصمت. العيون كرز أسود، والخطوات غبار. أتذكّر المعري وغبار الوجود. وأسأل بصوت هامس: لمن متحف ديل برادو؟ سؤالي الذي لم يسمعه أحد، لا يبدو غريباً على إدارة المتحف. هو حاضر، وإن بصيغة أخرى، في الطريقة التي يُعاد فيها ترتيب المسارات، وفي التشدّد الذي يحيط بالتصوير، وفي القلق الظاهر على وجوه الموظفين. كأنّ ديل برادو، في السنوات الأخيرة، بدأ يخشى من نفسه عليها، من نجاحه، من هذا الامتلاء الذي يهدد بتحويل اللوحات إلى علامات طريق، إلى لقطات عابرة، لا إلى عوالم فنية.
ربما ضمن هذا الإطار، يمكن فهم معرض "ديل برادو: القرن الحادي والعشرون" المزمعة إقامته بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول المقبلين، بوصفه محاولة إصغاء المتحف لنفسه طويلاً. فليس المعرض احتفالاً بإنجازاته، إنه تمرين على الوعي بالثقل الذي صار يحمله. انطلاقاً من هذا الوعي، تتحدّث الإدارة عن مبادرات جديدة من دون إفراط في الشرح: "ديل برادو ليلاً" مرة واحدة في الشهر، بأعداد محدودة؛ والانتقال التدريجي إلى المعارض الموضوعية بدل المعارض الفردية؛ وإعادة النظر في أحجام مجموعات الزيارة؛ وتنظيم المداخل تفادياً لتكدّس الطوابير.
إجراءات تبدو معقولة، بل ضرورية، لكنها لا تمسّ جوهر المعضلة. المشكلة الأعمق تبقى في مكان آخر: في الزائر نفسه. لا يريد فاليرمو أن يصل ديل برادو إلى "الانهيار" الذي رأته باريس في لوفرها بسبب الاكتظاظ، وهذا يعكس فهماً عميقاً لمأزق المتاحف الكبرى: فالنجاح الجماهيري يمكن أن يضرّ بتجربة النظر والتأمل. ضمن هذا المعنى لا يبدو ديل برادو مختلفاً عن اللوفر الذي يستقبل نحو 30 ألف زائر يومياً، أو المتحف البريطاني الذي يستقبل ما يقرب من 20 ألفاً يومياً، أو غيرهما من المتاحف العالمية. المعضلة الأعمق ليست في تنظيم الحشود أو في قيود التصوير، أو غيرها من الإجراءات التي لن تغيّر من جوهر القضية. قلتُ إن المعضلة هي في حرية الزائر نفسه. والآن صرت متأكداً: هو من يقرّر كم سيبقى، وأين سيتوقّف، وماذا سيهمل. وهو من يختار، في الغالب، الأعمال الأيقونية وحدها، تاركاً ما عداها في ظلال القاعات الأقل ازدحاماً.
كيف يمكن لمتحف ديل برادو أن يوجّه النظر من دون أن يفرضه؟ كيف يمكنه أن يوسّع فضول الزائر من دون أن يحوّل التجربة إلى درس إجباري؟ حتى الآن، لا إجابات حاسمة. هناك وعي بالمشكلة، ومحاولات لتطويقها، لكن السؤال ما زال مفتوحاً، يتردّد بين القاعات الأكثر ازدحاماً والقاعات حيث يخف الوطء.
حين أزور متحفاً، لا أفوّت أبداً فرصة المرور على المتجر لأرى أيّ اللوحات تُحوّل إلى قمصان، أو مظلات، أو علب أقلام، أو قواعد للأكواب. قل لي أيّ تذكار تشتري، أقُلْ لك أيّ لوحة هي الأثمن في المتحف. "هنا أكثر ما يُباع هي القمصان التي طُبعت عليها لوحات غويا أو حديقة المباهج الأرضية أو لاس مينيناس"، تخبرني إحدى البائعات.
أخرج من الباب نفسه الذي دخلت منه. يخطر في بالي أن إدارة متحف ديل برادو ينبغي أن تضع لافتة على بوابته كُتب عليها: "هنا ينتهي الواقع. هنا يبدأ الواقع". الطقس لا يزال بارداً. المطر يلامس البشرة. المطر يرقص على أكتاف العابرين. الطابور لا يزال طويلاً. لم أكن مرّة صديق البرد. اقرعي طبول الشمس يا مدريد، متحف ديل برادو يحب ريشة الضوء.