متحف دمشق الوطني... سرقة غامضة وما من إجابة سوى الصمت

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:03 (توقيت القدس)
لا يعرف أحد كيف هُرّبت المسروقات إلى خارج المتحف، 8 يناير 2025 (لؤي بشارة/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بدأت قصة سرقة متحف دمشق الوطني بمنشور على "فيسبوك" للصحافي محمد السلوم، مما أثار تفاعلاً واسعاً وتكهنات في ظل غياب الأخبار الرسمية. أكدت وسائل إعلام وقوع السرقة، مشيرة إلى سرقة ستة تماثيل رخامية.

- أثارت السرقة استغراب الكثيرين بسبب تناقضات في المعلومات حول طبيعة المسروقات، حيث تحدثت بعض المصادر عن تماثيل صغيرة وأخرى عن سبائك ذهبية، مما فتح باب التأويلات والاتهامات بالتقصير في حماية المتحف.

- تزامنت السرقة مع زيارة الرئيس السوري إلى الولايات المتحدة، مما أثار نظريات مؤامرة حول استغلال السلطة للسرقة. تبقى الأسئلة مفتوحة حول تفاصيل السرقة وسط تقصير السلطات في الكشف عن الحقائق.

بدأت الحكاية بمنشور على "فيسبوك"، للصحافي والزميل محمد السلوم، يحكي فيه "على مسؤوليته" عن تعرض متحف دمشق الوطني للسرقة، تحديداً "القسم الكلاسيكي"، من دون أن يحدد ما هي القطع المسروقة، مشيراً إلى احتجاز الموظفين. نبدأ من هذا المنشور، كون التسلسل الزمني للأحداث مهماً، ويكشف إيقاع تعامل السلطة في دمشق مع حدث بهذا الححم. نال المنشور تفاعلاً، وبدأت التكهنات والاتصالات، خصوصاً في ظل غياب أي أخبار رسميّة. وبعد مضي يوم، أخذت القصة بعداً أكبر، إذ نشرت "العربية الحدث" خبراً يؤكد السرقة ومباشرة التحقيق على لسان مصدر مجهول من الداخلية السورية، من دون أن توضّح ما الذي سُرق، ثم نشرت وكالة أسوشييتد بريس ما مفاده أن لصوصاً اقتحموا المتحف وسرقوا قطعاً رومانية، وأيضاً على لسان "مسؤولين" تأكدت سرقة ستة تماثيل رخامية، وأن السرقة حدثت مساء الأحد (مصادر أخرى تقول مساء السبت)، واكتُشفت حين وجد "باب القسم الكلاسيكي مكسوراً".

توالت بعدها التفاصيل من مصادر مختلفة في ظل تكهنات واتهامات ونكات. لاحقاً، أعلن قائد الأمن الداخلي في محافظة دمشق العميد أسامة محمد خير عاتكة، لوكالة سانا، أن المتحف تعرض للسرقة، من دون أن يذكر ما هي المسروقات. اللافت في كل ذلك هو تأخر وزارة الثقافة في إصدار بيان. وحين فعلت، بدا أنه مكتوب بلغة تقلل من أهمية الحدث، إذ وصفت ما حصل بـ"فقدان بضعة معروضات"، لا سرقة، وأن كل شيء بخير وعلى ما يرام، إذ لم يؤثر ما حصل على "سير عمل المتحف". الوزارة نفسها كرّم وزيرها محمد ياسين صالح حارسي المتحف اللذين حميا مقتنيات المكان في الأيام الأولى لسقوط نظام بشار الأسد، مانحاً لكل منهما مبلغ خمسة آلاف دولار. نشرت منصة سوريا الآن صور التماثيل المسروقة، والمفارقة أنّها جميعاً تماثيل لفينوس.

أثارت سرقة متحف دمشق استغراب كثيرين، إذ لم يسرق أيام الفوضى حين فرّ الأسد، فلِمَ سُرق الآن؟ وكيف هُرّبت القطع؟ خصوصاً أن لا كلام رسمياً عن القطع المسروقة، ولا أنواعها، بل مصادر غير رسمية هي التي أشارت إلى تفاصيل العملية، إذ نشرت وكالة رويترز أن لصاً "حطم واجهة عرض زجاجية الاثنين وظل في المبنى حتى المساء على ما يبدو".

إذن، لا تفاصيل رسميّة عن السرقة، ولا طبيعة المسروقات ولا عددها، ووصلت التصريحات إلى الحديث عن سرقة سبائك ذهبية. مع ذلك، نحن أمام حبكة لسرقة متعددة المصادر، ومعلومات متضاربة، إذ سأل بعضهم عن التماثيل كبيرة الحجم: كيف أُخرجت من المتحف من دون أن يرى أحد الجريمة؟ في حين نفى آخرون ذلك، وقالوا إنها صغيرة، وبعضهم أشار إلى أنها من الرخام والمرمر، ويمكن حملها، في حين أفادت وكالة فرانس برس بأن من بين المسروقات سبائك ذهبية.

التناقضات في الحكاية وغياب التفاصيل فتحا باب تأويلات لامتناهية، بدأت باتهام السلطات بالتقصير في حماية المتحف، وهذا ما لا يمكن التأكد منه، وبعضهم الآخر رأى الأمر عادياً، خصوصاً أن سرقة متحف اللوفر لم يمض عليها كثير من الوقت، بالتالي ما حصل في دمشق، ليس إلا شأناً متكرّراً في "العالم" ولا داعي للتهويل، وتوزيع الاتهامات. هكذا امتلأ الفضاء الرقمي بمفارقات لا تخلو منها أي حكاية مرتبطة بسورية. ازداد حجم نظريات المؤامرة مع مرور الأيام، بعضها تطرق إلى الأخبار غير المؤكدة، التي تقول إن نظام الأسد استبدل كل القطع الاصلية بأخرى مزيفة، وكل ما في متحف دمشق لا قيمة له، فالسرقة لا معنى لها، فضلاً عن السخرية من مفهوم الأصنام، لكن أكثر النظريات مفارقة سببها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

تزامنت السرقة مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض في واشنطن، وتقديمه هدية للرئيس الأميركي، وهي نسخة من أول نوتة موسيقية وأول أبجدية، وغيرها من الأمور التي لطالما فخرت سورية بها وأكسبتها لقب مهد الحضارات. لكن نظرية المؤامرة ترى أن هذه ليست الحقيقة، بل نظّمت السلطة سرقة المتحف الوطني والقطع المفقودة حملها معه أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة لتقديمها هدايا لدونالد ترامب.

كل المفارقات والنظريات السابقة سببها عدم نشر قائمة رسمية بالقطع المسروقة. وهنا تبدو المقارنة بسرقة متحف اللوفر باهتة، كون السلطات الفرنسية أعلنت مباشرة عن القطع المسروقة، وعادة ما يحدث هذا لتنبيه أي مشتر محتمل أن هذه القطع مسروقة.

كثير من الأسئلة تطرق الأبواب في قضية سرقة المتحف: لص واحد أم لصوص؟ سرقة داخلية أم عمل مخطط له؟ ما هي القطع المسروقة؟ كحالة أي شأن سوري، فإن باب التأويل والتكهن والتلفيق مفتوح أمام الجميع، في ظل تقصير السلطات الرسمية في الكشف عن التفاصيل، خصوصاً أن الآثار السورية، ومنذ اندلاع الثورة، تسرق وتباع في دور المزادات العالمية. تشير تقارير إلى أن أكثر من 40 ألف قطعة سرقت من سورية حتى عام 2020 فقط. بهذا، فإن سوق الآثار السورية "فعّال" وبيع الآثار ليس بالمشكلة، والسلطات السورية لم تناقش هذا الموضوع حتى الآن. ما مِن سبل لاسترجاع المسروقات ولا توجد قائمة بما نُهب من المتاحف والأماكن الأثرية في سورية.

لا نعلم إلى متى سيستمر "لغز" المتحف، لكن المحققين الهواة بدأوا بنشر فرضيات متعددة لكيفية "التحقيق" في الجريمة، خصوصاً أن متحف دمشق قريب من ساحة الأمويين، ومن فندق "الفصول الأربعة"، ولا بد أن كاميرات المراقبة التقطت شيئاً، في حين أشار آخرون إلى إمكانية استخدام أبراج الاتصالات لتحديد أرقام الهواتف التي كانت موجودة في المتحف ليلة السرقة. في حين سخر آخرون، وقالوا إن الأمر سيحل بسرعة حين تعرض القطع للبيع على الإنترنت، كما حصل سابقاً مع الآثار السورية والعراقية.

المساهمون