استمع إلى الملخص
- أهمية البيوت المتحفية: كل بيت يحمل قصة فريدة، مثل "بيت الشركة" لتاريخ النفط و"بيت محمد بن جاسم" للقيم التقليدية، مما يمثل مجتمع النخبة السياسية والاقتصادية في قطر.
- الابتكار والدمج الثقافي في العمارة: يركز مشروع مشيرب على دمج الثقافة في الهندسة المعمارية باستخدام تقنيات تقليدية وحديثة، مع التركيز على الاستدامة والتكنولوجيا الحديثة لتحقيق استمرارية بين الماضي والحاضر والمستقبل.
يحمل كل واحد من بيوت مشيرب الأربعة جزءاً من قصة المكان الذي شكل بؤرة الدوحة الحديثة، بما هي تاريخ اجتماعي وسياسي واقتصادي يمثل قطر منذ قرن ونيّف، فأصبحت منذ 10 سنوات متاحف قريبة من بعضها ضمن ما يُعرف بالحي التراثي.
في صبيحة 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، جرى تدشين هذه البيوت، بعد ترميمها وتحديثها بالمفردات المعمارية المعاصرة، لتتوافق مع متطلبات مشروع مشيرب قلب الدوحة. ما زالت البيوت الأربعة "تلهمنا"، هذا ما راهن عليه مؤتمر انعقد واختتم، أول أمس الأحد، وتقاسمته جلستان في واحد من هذه البيوت وهو "بن جلمود"، وتحدث فيهما معماريون رافقوا هذه الفورة التجديدية منذ انطلاقها عام 2010، وصولاً إلى 2021 الموعد الذي اختتمت فيه آخر لمسات المشروع.
من بيوت إلى متاحف مشيرب
حين بدأت أعمال التجديد على مساحة 31 هكتاراً (310 دونمات) من هذه المنطقة الحيوية، تقرر تحويل البيوت إلى متاحف يدور تاريخها على نحو تقريبي منذ مطلع القرن الماضي حتى منتصفه. وهي الفترة التي بدأت تتشكل فيها هوية البلاد ما بين عهدين اصطلح عليهما ما قبل وما بعد النفط. جميع البيوت بنيت ما بين مطلع القرن حتى العام 1920، وهي بالتالي كانت ملبية لكل متطلبات العمارة التقليدية القطرية، قبل أن يتضاعف التعداد السكاني، وتتنوع الجنسيات أضعاف ما كانت عليه، فيتغير التخطيط المدني، ليلبّي احتياجات لم تكن معروفة سابقاً.
حين يتحدث معماريون عن مشروع تجديدي ضخم أعطيت لهم الصورة الأساسية ممثلة في أبرز جوانبها من خلال هذه البيوت. هكذا كان المتحدثون يبتعدون ويقتربون من هذا الخيط الناظم، ثمة بيوت ذات أفنية داخلية مع أروقة مظللة تفصل بين المساحات الخاصة والعامة، وجدران بسيطة بفتحات محدودة تحقق الخصوصية والتهوية الطبيعية، وموادها الخام من الحجر الجيري والطين والجص وخشب الدنجل.
التوسعات التي امتدت أفقياً أو تحت الأرض كما في قاعة المعارض بالطابق السفلي لمتحف "بن جلمود" كلها استجابت لرؤية القائمين على المشروع، والمتمثلة بالإبقاء على البعد المادي في هذا التراث، ثم أخذ العناصر الأساسية وإعادة إنتاجها في المشروع الحديث الممتد على أرجاء منطقة حفظت إلى حدٍ كبير أغلب البيوت القديمة، إما لشيوخ أو أعيان أو تجار.
في هذه الحال يمكن القول إنّ البيوت-المتاحف اجتمعت على تمثيل مجتمع النخبة السياسية والاقتصادية، إضافةً إلى رموز معمارية أخرى ذات منفعة عامة كالمدارس والمكتبات.
-
بيت الشركة
متحف بيت الشركة، مثلاً، مكان يشهد توثيق تاريخ صناعة النفط في قطر، وبنته عائلة النعمة عام 1920، وفي منتصف الثلاثينيات استأجرته شركة النفط الأنغلوفارسية، لتكون مقرّ أول شركة نفطية هنا. يحكي المتحف قصة العمال القطريين الأوائل في صناعة النفط، وعائلاتهم، وكيف شهدت حياتهم تحولات في فترة راكدة أعقبت تراجع صيد اللؤلؤ في أواخر العشرينيات، ثم اكتشاف النفط بعدها بسنوات، حتى جرى تصدير أول شحنة نفط من ميناء دخان عام 1949.
-
بيت محمد بن جاسم
وهذا هو متحف بيت محمد بن جاسم، وقد بُني على يد الشيخ محمد بن جاسم آل ثاني (1878- 1971) ابن مؤسس دولة قطر الحديثة، عام 1906 ويعرض القيم التقليدية لمشيرب أساساً للتنمية المستقبلية، ويسعى لربط الماضي والحاضر والمستقبل عبر استعراض تاريخ الدوحة.
-
بيت الرضواني
شهد العام 1920 أيضاً تشييد "بيت الرضواني" الذي يختصر الحياة الشعبية القطرية، وتحولاتها. بني البيت في موقع يفصل بين أقدم حيين في مدينة الدوحة، هما: الجسرة ومشيرب. وقد اشتراه علي أكبر الرضواني في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول 1936، وبقي ملكاً لعائلته لأكثر من سبعين عاماً.
-
بيت بن جلمود
وأخيراً البيت الذي تحتفل فيه مشيرب بالمناسبة هو "بن جلمود" الذي يرسم تاريخ تجارة الرقيق العالمية وهو مشروع رائد في العالم العربي غير مسبوق لجهة عرض تاريخ الرقّ عبر الحضارات، خاصةً في ما يتعلق بمنطقة المحيط الهندي والخليج العربي، بالإضافة إلى تركيز خاص على التجربة القطرية وتأثير العبودية فيها.
في الجلسة الأولى بعنوان "الأبجدية المعمارية - صياغة اللغة العمرانية لمشيرب"، تناولت العمارة والتخطيط العمراني الذي شيّد مشيرب من الأساس، وشارك فيها المتحدثون روزانا لو، وسايمون غاثركول، ومايكل موسيسيان.
دمج الثقافة في الهندسة
"إن أكبر تحدٍ في التجربة الإنسانية دمج الثقافة في الهندسة، وأن يكون هناك بعد تجديدي مبتكر"، إذ يعكس المشروع التوسّع المدفوع بالسيارات في الدوحة من خلال إنشاء حي كثيف، وقابل للمشي مع شوارع مبردة طبيعياً، كما يأتي على لسان خبيرة التخطيط العمراني روزانا لو. وعلى ذلك فإن بناءً حديثاً عليه أن يستلهم الماضي وأن يلبي الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية، وأن "يعطي إحساساً قوياً بالهوية لكنه متعدّد"، وفق ما تصف.
لا يمكن لمعماريين تجاهل المناخ، ودرجات حرارة في الصيف تصل إلى 50، ولذلك كان نصف السنة في درجات معتدلة إلى باردة، ونصف حار ورطوبته 100% أحياناً امتحاناً لتوفير تصميمات معمارية تستعمل الطرق التقليدية في تلافي هذه الظروف في الحيز العام، إضافةً إلى الحلول التقنية من خلال التبريد.
نحت الفراغ
تحدث مايكل موسيسيان عن الفراغ بوصفه كياناً في حد ذاته، بدلاً من اعتباره خلفية محايدة، مستكشفاً المناهج غير الغربية حيث يكون الفراغ منتجاً، لمعناه من خلال العوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والبيئية. وطبّق موسيسيان فلسفة "نحت الفراغ" حين صمم براحة مشيرب في الهواء الطلق ومع ذلك هي نسخة معاصرة من المجلس القطري التقليدي.
فيما استكشفت الجلسة الثانية "الحقيقة في الترجمة - نسج التراث في النسيج الحديث" العملية الحساسة لتحويل المباني التاريخية إلى فضاءات سردية مؤثرة. وشارك فيها متحدثون عدّة هم: المعماري الذي قاد ترميم متاحف مشيرب الأربعة جون ماكاسلان، والمعماري المتخصص في مشاريع التراث الحديثة فانوس باناييدس، ومديرة التعليم والاستدامة في حي الدوحة للتصميم، فاطمة محمد فوزي.
شرح جون ماكسلان مع شاشة إيضاح أعمال الترميم وإعادة تشكيل وتوسيع هذه البيوت مع تركيب أحدث الأنظمة البيئية والمرافق المتحفية، إضافةً لتصميم مسجد داخل الحي التراثي، دامجاً الأفكار الحداثية مع أشكال المساجد القطرية التقليدية، مستخدماً التوجيه والتظليل والتهوية الطبيعية والماء لتحقيق الراحة الحرارية.
الميراث والابتكار
كانت البيوت التراثية النموذج الذي قامت عليه محاضرات الجميع، لفهم كيفية تضافر الميراث التقليدي والابتكار. إذ سيكون كل مثال اشتغلوا عليه في هذه البيوت مستلهماً في مبانٍ وساحات أخرى. بالطبع لم يكتفِ المخططون والمصممون بما تقوله هذه البيوت، بل زاروا كل مكان في قطر يمكن أن تتوفّر فيه عمارة تقليدية من الوكرة جنوباً حتى الخور شمالاً. كذلك جرت الاستفادة من تجارب عمرانية في دول أجنبية، وخصوصاً التي دمجت التعلم المجتمعي بالمدارس البسيطة كما في مالاوي، حتى تتحوّل هذه المتاحف إلى مجال تعليمي من خلال الحيّز الداخلي والأفنية، لا لعرض الماضي فحسب.
وألقى المدير العام لمتاحف مشيرب، عبد الله النعمة، كلمة قال فيها إن هناك زيادة ملحوظة في أعداد الزائرين، منذ افتتاحها وحتّى اليوم، ما يعكس تجاوباً مجتمعياً، لافتاً إلى أنّ الفترة المقبلة ستشهد افتتاح ثلاثة معارض، بالإضافة إلى تنظيم جلسات حوار، وورش عمل.
المبادئ السبعة
وأعلن النعمة في كلمته عن إطلاق كتابين، الأول هو "على أسس التراث - اللغة الجديدة للعمارة القطرية"، الذي يستعرض المبادئ السبعة التي تنشئ لغة معمارية قطرية حديثة، وتذهب المبادئ السبعة إلى: الاستمرارية بين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال إيجاد تصاميم تحترم التقاليد وتطبقها بطرق جديدة.
كما تعنى المبادئة المعماري السبعة بالفرد والجماعة من خلال تحقيق الانسجام والتماسك في المدينة مع الحفاظ على التنوع. ثالث المبادئ، استغلال المساحات وإعادة تحويل الأشكال، ورابعها خصوصية المنازل، أي البناء على التقاليد المعمارية القطرية، وخامسها تفعيل دور الطرقات استخدام لغة معمارية غنية بالإشارات، ثم مواكبة المناخ والتعامل مع العوامل المناخية المحلية، وأخيراً تبني لغة عمرانية جديدة عبر دمج الروح الجمالية للعمارة القطرية مع التصميم المستدام والتكنولوجيا الحديثة.
أما الكتاب الثاني فيحمل عنوان "متاحف مشيرب: إحياء البيوت التراثية في قلب الدوحة"، والذي صدر عام 2019 من "مشيرب العقارية" وأطلق في حفل خاص في لندن، ويتناول عملية الترميم المعماري لهذه البيوت، وأهميتها التاريخية والثقافية، وكيف أُعيد توظيفها لتصبح متاحف معاصرة.