ما دور مجموعات "فيسبوك" في نشر أفكار اليمين المتطرف في بريطانيا؟
استمع إلى الملخص
- الهجرة تُعتبر قضية محورية في هذه المجموعات، حيث تُستخدم لغة عنصرية لتجريد المهاجرين من إنسانيتهم، مما يخلق بيئة سامة قد تؤدي إلى أعمال عنف، رغم إشراف فيسبوك الذي يحد من العنصرية الصريحة.
- نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة تُروج في هذه المجموعات، مما يعزز انعدام الثقة بالمؤسسات ويسهل إدخال أفكار متطرفة، حيث تساهم الفضاءات الرقمية في تسريع انتشار هذه الأفكار دون خوف من العواقب القانونية.
تشكّل مجموعات اليمين المتطرف على منصة فيسبوك محركاً للتطرف في بريطانيا حيث تزدهر أفكارهم في عوالم رقمية غير مرئية بسهولة للجمهور، لكنها تؤثر على أرض الواقع، بحسب تحقيق نشرته صحيفة ذا غارديان، الأحد.
في صيف العام 2024، اندلعت أعمال شغب في أنحاء مختلفة من بريطانيا استهدفت بشكل أساسي المسلمين وطالبي اللجوء، وتغذّت على معلومات مضللة انتشرت بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي. كانت هذه الهجمات مروّعة ومفاجئةً في آن، خاصةً أنها نفذت غالباً على أيدي مواطنين عاديين، وليسوا بالضرورة أعضاءً في منظمات يمينية متطرفة.
وأشارت "ذا غارديان" إلى أن تحقيقها حول مجموعات اليمين على "فيسبوك" وجد "مجتمعاً مرتبطاً بانعدام ثقة عميق بالحكومة ومؤسساتها، حيث يتبادل أعضاؤه مشاعر معادية للمهاجرين، وأفكاراً قومية، ونظريات مؤامرة، ومعلومات مضللة". كانت نقطة انطلاق التحقيق تتبع نشاط 20 شخصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ممّن وُجّهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم إلكترونية مرتبطة بأحداث صيف العام الماضي، وكانت غالبية التهم متعلقة بمنشورات لهم على "فيسبوك".
في النهاية ركّز فريق "ذا غارديان" بحثه على 16 مجموعة "فيسبوك" تضم نحو 600 ألف عضو، كما حلّل مستعيناً بنموذج ذكاء اصطناعي أكثر من 51 ألف نص وتدوينة نشرت على هذه المجموعات. شكّلت عدة موضوعات رئيسية محور النقاش في هذه المجموعات منذ تأسيسها وحتى منتصف مايو 2025، وقال خبراء إن بعض التعليقات التي نُشرت في هذه المجموعات كانت ذات طبيعة يمينية متطرفة، لافتين إلى وجود حالة من "التطبيع المقلق" مع أفكار اليمين المتطرف على "فيسبوك"، الذي ما زال أكبر منصة اجتماعية في العالم.
انعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية
استخدم العديد من أعضاء هذه المنشورات لغة ساخرة أو مهينة عند حديثهم عن مؤسسات الدولة، معبّرين عن انعدام ثقة عميق بالسياسات الحكومية. وانطوى اثنان من كل خمسة منشورات على انتقادات واسعة للحكومة والشخصيات العامة، باستعمال خطابٍ شعبوي ومعادٍ للمؤسسات. كما عبّر عددٌ كبير من أعضاء هذه المجموعات عن تأييدهم لحزب الإصلاح اليميني المتطرف برئاسة نايجل فاراج.
بحسب الناشطة آنكي ديو، فإن الأخير هو المستفيد الأكبر من فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية، وقالت إن البيانات التي جمعتها الصحيفة تشير إلى بيئة مقلقة عبر الإنترنت". فيما اعتبر أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة كامبريدج، ساندر فان دير ليندن، أن تقويض المؤسسات الديمقراطية المعروض في هذه المجموعات يعكس أساليب الفاشيين التي استُخدمت عبر التاريخ. وقال: "عموماً، يحاول الفاشيون والمتطرفون تقويض مؤسسات الحقيقة والحقائق والتعليم، لأنها تقف في طريقهم".
وأضاف أن الأشخاص الذين يقرأون أو يكتبون هذه المنشورات، لا يدركون بالضرورة أن مهاجمة مصداقية المؤسسات السائدة هي تكتيك يرتبط باليمين المتطرف الحالي. أوضح: "النخب السياسية وقادة الرأي مثل فاراج، أو حزب هوملاند اليميني المتطرف، أو تومي روبنسون، يأخذون صفحة من الكتيب الفاشي ويستخدمونها لخداع الناس العاديين وجعلهم ينخرطون في خطابهم. فيبتكرون سرديات مثل: وسائل الإعلام الرئيسية تكذب عليكم، أو المؤسسات العلمية تحاول فرض الرقابة على الناس، ثم يحاولون دفع الناس العاديين لدعم هذه المواضيع، وتضخيمها، والانخراط فيها".
المهاجرون كبش فداء
كانت المنشورات حول الهجرة منتشرة للغاية على المجموعات التي تابعها التحقيق، وهو ما يعكس تحول هذه القضية إلى إحدى أهم القضايا للناخبين البريطانيين. كان واحد من كل عشر منشورات يعكس مواقف عنصرية، تجرد المهاجرين من إنسانيتهم.
وقالت الباحثة في التطرف في معهد الحوار الاستراتيجي وخبيرة في التطرف عبر الإنترنت جوليا إبنر، إن المشاركة في مثل هذا الخطاب تلعب دوراً في التطرف. "المهاجرون غالباً ما يكونون كبش الفداء، خاصةً في المجتمعات اليمينية المتطرفة، حيث يتعرضون للشيطنة ويجردون من إنسانيتهم بشكل منهجي".
ورغم أن العنصرية الصريحة كانت نادرة في هذه المجموعات، كما هو متوقع في مساحة خاضعة لإشراف "فيسبوك"، إلا أنها لم تكن غائبة تماماً، إذ وُصف المهاجرون أحيانًا بأنهم "مجرمون"، "طفيليات"، "بدائيون"، "حثالة"، "قمل"، أو أصحاب "معتقدات وقيم ديناصورية". ورأت إبنر أن التسامح مع هذه اللغة التي تجرد من الإنسانية يمكن أن يكون جزءاً من "كوكتيل سام"، يؤدي إلى أعمال شغب أو عنف ضد مجموعات أو أفراد.
"البيض مستاؤون"
أحد المواضيع الشائعة على مجموعات "فيسبوك" اليمينية هو الإحساس بالاستياء بين من صنفوا أنفسهم "بريطانيين بيضاً"، إذ عبّرت 14% من المنشورات عن مواقف من هذا النوع، مدعيةً أن البيض يتعرضون للتهميش في بلدهم، ومشيرةً إلى نقص الاهتمام بـ"البريطانيين الأصليين" مقارنة بالمهاجرين.
وادعى العديد من هذه المنشورات أن الحكومة قدمت منازل ومزايا لطالبي اللجوء بينما تجاهلت العائلات البريطانية التي تكافح، معتبرةً ذلك دليلاً أن البريطانيين البيض صاروا "مواطنين من الدرجة الثانية".
قالت الدكتورة كيوم إن الطريقة التي صيغت بها هذه السرديات في المجموعات كانت تنطوي على تثبيت للصور النمطية وتشجيعاً على الانقسام، موضحةً: "ليس من غير المألوف أن يشعر الناس بأنهم تُركوا خلف الركب في أوقات التغير الاجتماعي السريع. لكن ما يدعو للقلق هو عندما تُوجَّه هذه المشاعر إلى مجموعات محددة، بدلاً من العوامل الهيكلية مثل عدم المساواة أو سياسة الحكومة".
ازدهار نظريات المؤامرة على "فيسبوك"
شكّلت المنشورات التي تحتوي على معلومات مضللة أو نظريات مؤامرة 5% من مجمل المنشورات التي تم تحليلها، ومن الأمثلة البارز: إنكار التغير المناخي، الزعم بأن جائحة كوفيد-19 ملفقة، إضافةً إلى "الاستبدال الكبير"، وهي نظرية مؤامرة تزعم وجود خطة لاستبدال السكان البيض الأصليين بالمهاجرين. كما اتهمت عدة منشورات منظمات دولية مثل الأمم المتحدة أو المنتدى الاقتصادي العالمي بأنها تُملي سرًا سياسات الحكومة البريطانية.
اكتسبت هذه النظريات زخماً نتيجة انعدام الثقة بالمؤسسات القائمة، وتلقى تأييد الأشخاص المهيئين أصلًا للاعتقاد بأن النخب فاسدة.
شرح البروفيسور فان دير ليندن: "عندما يجد الناس مجتمعًا يؤكد شكوكهم، فإنه يخلق تحيزًا قويًا للتأكيد. عندها يستطيع القادة داخل المجموعة إدخال نظريات مؤامرة أكثر تطرفًا، ويكون الأعضاء مهيئين لقبولها".
على سبيل المثال، نشر أحد المستخدمين مقطع فيديو يزعم كذباً أن مؤسسة مكافحة القوارض الحكومية كانت تعمل سراً مع عصابات إجرامية لتهريب المهاجرين إلى بريطانيا. فيما روّج آخرون أخباراً كاذبة عن مدارس حظرت الاحتفال بعيد الميلاد لتجنب إهانة المسلمين. وعلى الرغم من أن هذا المحتوى غالباً ما يبدو سخيفاً أو سهل الدحض، إلا أن ذلك لا يمنع استمرار تداوله على نطاق واسع في مجموعات "فيسبوك".
"لست يمينًا متطرفًا... أنا فقط على حق"
عبّرت مئات المنشورات على هذه المجموعات عن دعم أعمال الشغب في صيف العام الماضي، ورأى المستخدمون أنها احتجاجات مشروعة وجزء من حرية التعبير. حتى أنهم أدانوا توقيف لوسي كونولي التي حُكم عليها بالسجن بعدما دعت إلى إحراق الفنادق التي تؤوي طالبي اللجوء.
لكن في الوقت نفسه، ينفي الكثير من المشاركين في هذه المجموعات صفة اليمين المتطرف أنفسهم. بحسب ديو، "هم لا يرون أنفسهم يمينيين متطرفين، أو عنصريين، أو حتى معادين للهجرة. كما أن معظمهم لن ينضم لأي منظمة أو مجموعة يمينية متطرفة." أضافت: "الخط الفاصل لما يجعل شخصاً عضواً في اليمين المتطرف صار أكثر ضبابيةً"، موضحةً: "في السابق، كان يجب على الشخص الانضمام إلى منظمة، أما الآن فيمكن للناس المشاركة أو مجرد المراقبة عبر المجموعات على الإنترنت".
فيما أشارت إبنر أن الفضاءات الرقمية ساعدت في تسريع استفادة اليمين المتطرف من تقنيات وأدوات تحريضية استعملها في السابق. قالت: "هناك شعور بأن الخطاب المتطرف صار مألوفاً إلى حد أن مروجيه لم يعودوا بحاجة للخوف من العواقب القانونية أو ردات فعل المجتمع"، مضيفةً أن هذا قد تعزز بعد إعلان "ميتا" تغييرات في سياستها هذا العام. وتابعت: "الخطاب [المتطرف] مرحب به مرة أخرى لأننا شهدنا تخلياً عن سياسات الإشراف على المحتوى والإرشادات التي كانت موجودة.