مايكل لونسدال... حياة فرحة في مغرب جريح

26 سبتمبر 2020
الصورة
تميّز لونسدال بعدم تكلّفه في التمثيل (جويل ساغيت/فرانس برس)

بقامته المديدة، وملامحه الغجرية، وجلبابه ناصع البياض، ظهر الممثل الفرنسي مايكل لونسدال (1931 ـ 2020) في "الرجال الأحرار" (2011) للمغربي إسماعيل فروخي. مُشاهدو الفيلم في عرضه الأول أصيبوا بدهشة قوية، وهم يتساءلون إنّ كان حقاً ما يُشاهدونه أمامهم على الشاشة الكبيرة هو الممثل لونسدال، بعد غيابٍ طال أمده، هو الذي عاش وترعرع نحو عشرة أعوام في الدار البيضاء، وعرف فيلموغرافيّتها وبواكيرها المسرحية الوطنية الأولى، وذلك منذ منتصف أغسطس/ آب 1939، في ميناء المدينة.

إلقاء القبض على والده، الجندي في الجيش البريطاني في المغرب، جعله يمكث سنين طويلة في تلك المدينة نفسها مع أمّه، ثم أضحى والده مُدرّس اللغة الإنكليزية لأبناء الطبقات الميسورة وبناتها، خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أنْ تنتهي وتعود العائلة إلى وطنها.

الاعتقال بحدّ ذاته كافٍ للطفل لونسدال للارتماء في أحضان الشعب المغربي، وفهم ثقافته وتراثه وفنونه وواقعه. في هذه المدينة، عاش حياته فرحاً بمقاهٍ وحاناتٍ عشقها، رفقة جنود قاسمهم المرارة والألم وهو طفل يراقب الدبابات وأسلحة عسكرية مُنتشرة في كلّ مكان، ومُتطلّعاً إلى انتهاء الحرب للعودة إلى لندن. لكن المكوث طال كثيراً، حتّى غدت الدار البيضاء وطناً ثانياً مفروضاً عليه، اكتشف الطفل الباريسي فيه عوالم أفلامٍ سينمائية، ممنوعة في المغرب لطفلٍ في عمره.


رغم الأفلام الكولونياليّة الوثائقية، المعروضة آنذاك في المغرب، وطابعها الاستعماري التنكيليّ بحقّ البلد المُستعمَر، ظلّت تلك المرحلة مُهمّة جداً في المسار الفني للونسدال. مرحلة باكرة من حياته صنعت بعض شخصيّته وذوقه السينمائيّ.

وفي لندن، احتكّ مُباشرة بالمسرح الإنكليزي الذي كان سبباً في جعله أحد أهم الأسماء الفرنسية في القرن العشرين، سينمائياً وتلفزيونياً ومسرحياً، علماً أنّ "ريبرتواره" يصعب القبض على جمالياته، خصوصاً بعد عودته إلى باريس، ممضياً فيها عمراً بأكمله، ومشاركاً في نحو 200 عملٍ بين السينما والمسرح والتلفزيون في أنحاء مختلفة في العالم.

رحيل مايكل لونسدال مساء الإثنين، في 21 سبتمبر/ أيلول 2020، في باريس، جعل عشّاقاً كثيرين للفنّ السابع في المغرب يستعيدون صُوَره ومقابلاته وآراءه وأدواره، حين كانت السينما آلية فنية لتحرير الواقع من سطوة الحرب وويلاتها، إذْ عُرفت السينما في أنّها أكثر الفنون المتشرّبة للحرب، التي عملت على تخييلها ومُواجهة عُنفها عبر الصورة. فالسينما ظلّت الوسيلة الوحيدة للتخفيف من حدّة الحرب ووقعها على نَفْس مايكل، بعد انفجارٍ مُباغتٍ سلب سمع والده في الجزائر. وظلّت الأفلام، التي شاهدها لونسدال في الدار البيضاء، المُتخيّل الرمزي الذي يستمّد منه دائماً قوّته وتنشئته الفنية، قبل تبلور مشروع السينما المغربيّة وجمالياتها.

هذا أمرٌ لم يتنكّر له يوماً، بحكم هذه العلاقة الحميمة التي نسجها مع الصورة في المغرب، مُردّداً إيّاه مرّات كثيرة في مُقابلات تلفزيونية وصحافية، خصّص فيها حيّزاً مُهمّا للحديث عن طفولته السينمائية في الدار البيضاء، في تلك المرحلة الجريحة من مسار المدينة، وقُدرتها على لعب دورٍ مُهم في مُتخيّله الفنّي حتّى وفاته.

السينما ظلّت الوسيلة الوحيدة للتخفيف من حدّة الحرب ووقعها على نَفْس مايكل، بعد انفجارٍ مُباغتٍ سلب سمع والده في الجزائر

أمرٌ آخر فرضه رحيل لونسدال، يتعلّق بدوافع ذاتية، جعلت مُمثلاً في حجمه يقبل بالظهور في "الرجال الأحرار": هل هي محاولة لاستعادة بعض تفاصيل حياةٍ جريحة أمضاها في المغرب؟ أو إيمانه بقيمة المخرج وقدرته المُذهلة (وهي كذلك) على الغوص في ميثولوجيات استعمارية، وعلى فكّ بعض أسرارها؟ أسئلة كهذه تفرض أجوبة ربما تبدو ضرباً من الحلم، بسبب امتزاج الموضوعي السينمائي بالذاتي النوستالجي، الذي يُقيّض أيّ مُحاولة تفكيرٍ لإيجاد أجوبة أقرب إلى الحقيقة.
إعجاب الممثل بالقدرات السينمائية لفروخي يبدو واضحاً بفضل ملامحه، وترداده هذا في أكثر من تصريحٍ له. فالفيلم باقٍ إلى الآن في طليعة المتون السينمائية، التي قاربت مفهوم التاريخ والهجرة والاستعمار والكولونياليّة، برؤية مُغايرة وغير مُنفعلة إزاء التاريخ الوطني.
المعالجة السينمائية واضحة، والشخصيات تبني عوالمها انطلاقاً من تعدّد المَشاهد والقصّص، لا الركون إلى بقايا تاريخٍ وطنيّ مُفتعل، لم يُكتب بعد.

حساسية فروخي تجاه تراثه واضحة أيضاً، لكنّها لا تنفي جماليّات الصورة المُتخيّلة، وقدرة المخرج على التحكّم في هسيس التاريخ، وجعله عُنصراً مُحرِّكاً للأحداث ومولّداً لها، لا أنْ يغدو مفهوماً مُركّباً ومُتشعّباً، يكتسح بسرديّته المُكوّنات والعناصر الجمالية الأخرى، في مُحاولة تجاوز المُعالجات "الحماسية" العربيّة التي تعاملت سينمائياً مع تيمة الدين، وجعلت فيلموغرافيتها تشغِل صُوَرها بشواغل مفاهيم مختلفة: "تأييد" و"تعليل" و"نفي" و"قطع"، ما أفرز أفلاماً سينمائية حساسة في تعاملها مع قضيتي اليهود والمُسلمين.

تبقى جائزة "سيزار" الفرنسية أرقى الجوائز التي حصل عليها مايكل لونسدال، بعد أعوام على تأديته دوره في "رجال وآلهة" (2010) لكزافيه بوفوا، عن معاناة كهنة ومأساتهم، في العشرية السوداء في الجزائر (تسعينيات القرن الـ20). فيه، تميّز لونسدال بعدم تكلّفه في التمثيل، جاعلاً صورته تنساب هادئة في مُخيّلة المُشاهد، بسبب الرسالة الإنسانية التي ركّز عليها المخرج. ورغم حصوله على الجائزة في سنٍ مُتأخّرة، إلا أنّها كافية لتسليط الضوء مجدّداً على أدوار أخرى له، خصوصاً تلك التي أنجزها مع فرنسوا تروفو.