"مال أسود لليالٍ بيضاء": بساطة سرد تكشف خفايا

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 07:57 (توقيت القدس)
مارينا وغوشا: احتيال عليهما يُفجّر كل شيء بينهما (مهرجان كارلوفي فاري)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يبدأ الفيلم بقصة زوجين، مارينا وغوشا، يجمعان المال بطرق غير رسمية للسفر، لكن الحرب بين روسيا وأوكرانيا تعقد خططهما وتكشف عن أسرار شخصية.
- تتصاعد الأحداث عندما يكتشف الزوجان خديعة في حجوزات السفر، مما يدفعهما لمواجهة ماضيهما وتوترات مع شقيقة مارينا، ليودميلا، ويبدأان رحلة لاكتشاف الذات.
- يتميز الفيلم بأسلوب سردي كلاسيكي، مع تصوير ومونتاج هادئ، وأداء تمثيلي صادق، وينتهي بخاتمة تجمع بين السخرية والكوميديا، تاركة تساؤلات حول مستقبل العلاقة.

كأفلامٍ كثيرة، يبدأ "مال أسود لليالٍ بيضاء"، للبلغاريين كريستينا كروززيفا وبيتار فالتشانوف، بسرد حكاية بسيطة للغاية: سيدة تعمل في مستشفى (ترتشي لتسهيل أمور المرضى)، ورجل وظيفته مراقبة القطارات في محطة لها (يرتشي مثلها، لكن لتسهيل أمور تجار صغار في مجالات شتّى). هذا يعكس معنى العنوان، الذي (المعنى) يتّضح أكثر في دقائق متتالية، تكشف أنهما زوجان، وأنهما يُجمّعان مالاً (خارج الراتبين الشهريين، أي مالاً أسود) لتحقيق أمر ما، سيكون عادياً، بل حقّاً طبيعياً لزوجين يريدان إجازة (ليالي بيضاء)، تتمثّل في رحلة إلى مدينة أخرى، يختاران القطار لبلوغها، توفيراً للتكاليف.

إنهما مارينا (تانيا شاهوفا) وغوشا (إيفان سافوف). ليسا عجوزين، لكنهما ليسا شابين. منتصف عمر يليق بهما، والحب يجمع أحدهما بالآخر. يبدو أن لا أبناء وبنات لهما، ولعل هذا غير مهم. هناك هدف من تلك الرحلة، فمارينا تريد تحقيق حلم لها، وغوشا موافق وداعم. كل شيء يمرّ بهدوء. جمع المال وإخفاؤه في موقد نار غير مستعمَل، ثم التوجه إلى مكتب سفريات، فكلام عن الأفضل والأرخص، وإذْ بالحرب تندلع بين روسيا وأوكرانيا (24 فبراير/شباط 2022)، تلك التي يُسمّيها فلاديمير بوتين إلى الآن "العملية العسكرية الخاصة". لوهلة، يظنّان أن كل شيء تعطّل، فإذ بالقلق ينهشهما، والموظّفة تحاول تهدئتهما، لأنه بالنسبة إليها وإلى مكتب السفريات، كل شيء لا يزال بخير.

تفاصيل كهذه عادية. تُروى باختصار، وسردها في بداية الفيلم، المعروض في مسابقة الكرة الكريستالية بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري، سلس وواضح وغير متصنّع، كما يكشف شيئاً من تفكير وتصرّف، في بلد (بلغاريا) يعاني مصائب شتّى، لن يتناولها كروززيفا وفالتشانوف (كاتبا السيناريو مع دِتْشو ترالزيتشوف)، لاهتمامهما بمسار الثنائي، وبكشف متدرّج لمصائب يعانيها كل واحد منهما، ويتستّر عليها طويلاً أمام الآخر، ولعلّ الآخر يُدرك شيئاً منها، لكنه يتستّر عليها، كنوع من تواطؤ، ضمني أو علني. هذا الكشف يبدأ لحظة وصولهما، في الوقت المحدد، إلى مكان لقاء المسافرين، فيكتشفان أن خديعة تنطلي عليهما، فلا حجوزات ولا سفر، ولا مكتب سفريات، والشرطة تبدأ تحقيقاً بهذا كلّه بعد شكاوى سابقة عدّة.

 

 

إنها لحظة انفجار تستدعي الماضي كلّه، كاشفة خفايا غير محصورة بمارينا وغوشا فقط، فهناك مسائل حسّاسة معلّقة بين مارينا وشقيقتها ليودْميلا (مارغيتا جوشفا) أيضاً. واللحظة هذه تدفع مارينا وغوشا، كلّ بمفرده، إلى سلوك درب خاص، يُشبه (السلوك) رحلة تطهّر أو اغتسال، أو مجرّد رحلة شخصية لمكاشفة الذات، روحاً وجسداً وتفكيراً وتأمّلاً، ولعيش بعض حرية من علاقة مديدة، لعلّ نهاية الدرب تفضي إلى شيء مختلف يُجدِّد حياة كل منهما، أو يُنهيها. عنوان مقالة غي لودج في فارايتي (7 يوليو/تموز 2026) يختزل الفيلم برمّته: "دوامة فساد تهدّد زواجاً في كوميديا سوداء بلغارية مريرة ومؤثرة".

لا فذلكات، بصرية وفنية وسردية، في صُنع "مال أسود لليالٍ بيضاء". هذا يُثير شعوراً بأنه مصنوع بمفردات كلاسيكية مبسّطة، مع أنها غير ظاهرة مباشرة وبوضوح تام، فالصنيع السينمائي مشغول بما يتناسب وسرد الحكاية، الذي له الأولوية. وهذا، رغم حمولته الدرامية التي تعكس واقعاً حياتياً، إلى سلاسة صورة ومعاينة وسرد. مساران يختلف أحدهما عن الآخر، فلمارينا غضبها وقهرها ورغبتها في المصالحة، ولغوشا طريق يريدها تنفيساً عن غضب، وفي الوقت نفسه يحاول تصفية حسابات قديمة (له ابن من علاقة سابقة، لعلّها حاصلة أثناء زواجه بمارينا). تصوير (ألكسندر سْتانيساف) المسارين، وإدخال أحدهما بالآخر (توليف يورغوس مافروبساريدس)، يجعلان المُشاهدة أهدأ وأجمل، رغم أزمات ومخاوف وتحدّيات. والتمثيل، إذ يُشير إلى حِرفية تجعل الشخصيتين، تحديداً، مقبولتين بعفويتهما وصدقهما وانفعالاتهما، يساهم في تحويل المشقّات إلى تأمّل في معنى العلاقات الثنائية، وآثار إخفاء حقائق ووقائع على العلاقة والذات والآخر، وجمال الحبّ أيضاً.

أما الخاتمة، فمزيج سخرية محبّبة بكوميديا خفيفة. أتكون، بهذا، خاتمة سعيدة؟ ربما. فرحلتا مارينا وغوشا تنتهيان في لحظة غير متوقّعة، رغم أنها واقعية للغاية، إذ لا حياة لأحدهما من دون الآخر، كما يبدو. أم أن تفاصيل رحلة كل منهما كافية لتحرير الذات من ثقل سنين مديدة، تشهد إخفاء مسائل؟