"ماديون" لسيلين سونغ: عن حضارة العزلة

13 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 09:36 (توقيت القدس)
"ماديون": ترتيبُ العلاقة مأزقٌ أخلاقي (الموقع الإلكتروني لـ"مهرجان كارلوفي فاري 2025")
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "ماديون" للمخرجة سيلين سونغ، الذي أُطلق في يونيو 2025، حقق إيرادات بلغت 62 مليون دولار مقابل تكلفة إنتاج 20 مليون دولار، ويعالج قضايا اجتماعية تتعلق بالعيش الإنساني في ظل الاقتصاد الاستهلاكي.
- تدور أحداث الفيلم حول لوسي، سمسارة زواج تواجه تحديات أخلاقية ومهنية، مما يدفعها للتساؤل عن مفهوم النجاح في العلاقات الإنسانية المبنية على بيانات مادية.
- رغم السرد الفني المرتبك والمشاهد المتناثرة، نجحت سونغ في إيصال المحتوى، مع نهاية هوليوودية تقليدية تثير التساؤلات حول بساطة الحلول المطروحة.

 

في مرور غير مرفوض لسينما المؤلف، ولأفلام الميزانيات المحدودة، من المجتمع السينمائي الأميركي، حملت المؤلفة المخرجة سيلين سونغ جديدها "ماديون" (2025) إلى صالات العرض، فحقّق نحو 62 مليون دولار أميركي (منذ إطلاق عروضه التجارية في أميركا الشمالية، في 13 يونيو/حزيران 2025)، مقابل 20 مليون دولار أميركي كلفة الإنتاج، ما يشير إلى نجاح معقول في معايير الـ"بوكس أوفس"، الذي يؤسّس إعادة الاستثمار في هذا النوع من الأفلام.

هذا النوع نفسه ينزع إلى المعالجة الاجتماعية لمصاعب العيش الإنساني، التي (المصاعب) أنتجتها الوقائع الاقتصادية الاستهلاكية، وألبستها معايير نجاح الإنسان في العيش وقياساته، والنجاح نفسه مُوشّح بتنازلات قيمية، تُمهّد لخسائر في المتعة، التي تنتج السعادة في الوجود البشري الداخلي.

في مقدمة افتراضية، تستعرض سونغ علاقة زواج من العصور البدائية، مبنية على جماليات الطبيعة التي تدفع بالذكر والأنثى إلى زواج غير مضغوط بحاجات مدنية، وتنتقل فوراً إلى مُقابل مُعاكس تماماً مع الحالة الأولى: امرأة تصرخ على زوجها في الشارع، أمام المارة، مُشترطة عليه أنْ تأكل في مطعمٍ فاخر، لتستطيع الاستمرار معه، هي العارفة أنّهما لا يمتلكان مالاً يُحقّق هذا الشرط، والعارفة أيضاً بحبّه الحقيقي لها، وحبّها الحقيقي له، فيبدو الحب قيمة إنسانية مُهدَّدة بالزوال.

لكنْ، هل الأمر هكذا؟ أمْ أنّ الحبَّ ترجمة للمتطلّبات المالية لطرفيه، التي يفرضها نوع الحياة الاقتصادية ومساراتها الاستهلاكية؟

من المقدمة الآنفة، تعود سونغ إلى فيلمها الواقعي، مع لوسي (داكوتا جونسون)، في عرضٍ مألوف للمرأة النيويوركية، المنطلقة إلى عملها بلا هوادة، وهذا يقتضي منها إجراء اتصالات عدّة مع زبائنها/زبائن الشركة العاملة بها، التي تظهر لاحقاً أنّها شركة خطوبة، أو خطّابة بالمعنى التقليدي. وظيفتها جمع بيانات طالبي الزواج وطلباتهم، ليتقاطع بعضها مع البعض الآخر، وهذا لمعرفة من يتقارب مع من، فتُحضِّر (لوسي) أول لقاء بينهما. على هذا تُبنى اللقاءات اللاحقة فالزواج، الذي يُعتبر نجاحاً للشركة، متأتياً من نجاح العلاقة.

سؤال النجاح يستوقف لوسي: أهذا نجاح فعلاً؟ أليس هناك أذى، ينبثق من صنع علاقة بشرية بناء على بيانات، ربما تُصبح نزوات بين ليلة وأخرى؟ يعجّ "ماديون" بهذا النوع من الأسئلة، تحديداً في مشاهد الاستجواب التي حشرتها سونغ مع قليل من الاستنسابية الفنية، لتقدّم نماذج إحصائية عن طلبات طالبي الزواج، أو العلاقات الدائمة، بإظهارٍ شبه وثائقي لحالات عزلة مغلولة اليدين عن تواصل إنساني، يفي بأغراض التقارب والتناسب كفعالية حياتية تستجلب المتعة. وأيضاً، لشرح المتطلبات الشخصية المحصورة في فضاء مادي مترجرج، يشهد طلبَ مشاعر من مجهول لتأسيس مستحيل للعلاقة، فيبقى الامتثال للبيانات المكتوبة الوسيلة الوحيدة لاكتشاف التقارب الناجح: الحالة المادية، الوسامة، الطول، العمر، إلى شروطٍ تعاقدية تفي بغرض الطالب.

 

 

المشكلة الأولى التي تواجه لوسي، سمسارة الزواج، أنّ هناك طرفين في المعادلة، لا يمكن اكتشاف طباعهما. هذا يقود إلى ذروة درامية أولى، مع تعرّض زبونتها صوفي لاعتداء من زبون اقترحته عليها، ما أدخلها في مأزق أخلاقي، فتلجأ إلى زوجها السابق/حبيبها جون (كريس إيفانز) لمساعدتها، الذي يقف إلى جانبها، في اعتراف واضح بالحبّ، مع موقف واضح أيضاً من التصنيفات المادية التي كرّست خلافهما.

بالتوازي مع هذا، وفي حفلة للشركة، يظهر من يُصنَّف وحيد القرن، واسمه هاري (بدرو باسكال)، الذي يحوز قمة التصنيفات المادية للشركة: وسيم وغني وكريم وطويل ومُغازل، إلخ، فيستحوذ عليها، باختيار متردّد: هل تجعله زبوناً مضمون النجاح؟ أمْ تأخذه لنفسها بوصفه "بضاعة" ثمينة ونادرة، وهذه ذروة درامية ثانية؟ تندفع إليه باعتباره مكسباً لا يُرفَض، رغم تنازعها بين مصلحتها كونها سمسارة، ومصلحتها بصفتها إنسانة ذات متطلبات مادية، يُسدّدها لها، فتلجأ مجدّداً إلى جون. بعدها، تكتشف أنّ هاري أجرى عملية جراحية لتطويل ساقيه، بهدف استكمال مظهره الفيزيائي. هذا يُخيّبها على صعيد الحقيقة، فتعود إلى سؤالها المضني عن ضرورة التشارك في هذه الحياة المتخمة بانشغالات الذات، لإنقاذ العمر من العوز.

تقرّر استعادة جون، لكنّ جون متردّد وخائف، ولا يمتلك إلا الحقيقة: حقيقته هو، وحقيقة أنّه يحبّها ولا يريد خسارتها. تستعيد لوسي نفسها في مشهد الحب البدائي ببداية "ماديون"، كأنّها تقول: نحن مُضطرّون للحبّ والتنازل، لإنجاح المتوهّج فينا. إنّها البهجة التي لا يمكن تحقيقها إلا بالرضا.

رغم وضوح الغاية النظرية له، الدائرة حول إدانة العزلة كعامل محبط للديناميكية البشرية، جاء "ماديون" مُرتبكاً بسرده الفني، ومونتاجه، إذْ بدا أنّ السيناريو المكتوب أطول بكثير مما يمكن الحصول عليه كوقت للفيلم (117 دقيقة)، ما أدّى إلى اختصارات لا تتناسب فنياً مع الحكاية الدرامية، فحُشرت مشاهد عدّة إما "فلاش باك"، أو مقاطع قصيرة يصلح كلّ منها ليكون خطّاً درامياً في مسلسل تلفزيوني. مع هذا، بقي الفيلم مزدحماً بالمشاهد، ما أثّر في متابعة الخيوط الكثيرة للحكاية، التي تنقّلت سونغ بينها، بما يمكن تسميته بعشوائية التبعثر، رغم نجاح المونتاج (كايث فْراس) بتنظيمها إلى حدّ ما. هذا أفسح المجال لظهور بعض مهارات الممثلين النجوم، ولو بالتقسيط، فليست المشاهد كلّها ذات سوية أدائية موحّدة.

استطاعت سيلين سونغ إيصال المحتوى إلى المُشاهد، ولو بطريقة سينمائية أقلّ من عادية، تحديداً مع إنهاء "ماديون" على الطريقة الهوليوودية المعتادة، أي "انتصار الحب"، وعودة لوسي وجون إلى علاقتهما، وهذا غير معقول، فالمقدّمات تقول بتشوّهات إنسانية، تقود إلى كوارث شخصية جدّية.

مستغربٌ أنْ يكون الحلّ بهذه السذاجة، وهذا الترداد الببغائي لحالة حب حصلت في العصور البدائية.

المساهمون