ماثيو رانكين (2/ 2): "على السينما واجب معين في المخاطرة والاستكشاف"

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:48 (توقيت القدس)
ماثيو رانكين: آمل أن يتمكن "لغة كونية" من تجاوز الحدود (دِيَا ديباسوبيل/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الفيلم يُقدم كوميديا سياسية تعبر عن الفراغ والاغتراب تجاه الأحداث السياسية، ويركز على التضامن والانتماء العابر للحدود التقليدية، منتقداً الصرامة السياسية الحالية.
- يتناول الفيلم قضايا الهجرة والتعايش، مشيراً إلى مرونة التجربة الإنسانية مقابل الجهود السياسية المعرقلة، ويستخدم عناصر من السينما الإيرانية والكندية لاستكشاف رؤى جديدة.
- اختير الفيلم "لغة كونية" لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي، ويعكس تجاوز الحدود الثقافية واللغوية، مع مشروع مستقبلي يتناول لغة الإسبرانتو لتعزيز التواصل العالمي.

 

(*) الجملة الأولى المكتوبة على السبورة في الصفّ، في المشهد الأول، "نحن ضائعون إلى الأبد في هذا العالم"، تعبّر عن الفراغ الذي نعيشه نحن مواطني العالم، بشكل متزايد، والاغتراب تجاه ما يحدث سياسياً. الفيلم كوميديا أولاً، لكنه يحمل في جوهره طرحاً سياسياً حقيقياً.

لن أقول إنه سياسي بالمعنى الحزبي أو الأيديولوجي. لا يوجد برنامج محدّد، ولا أحاول إقناع أي شخص بأي شيء، أو إثبات أي نظرية أو أيديولوجية معينة. لكن، مع ذلك، هناك شيء ما. أعتقد أن النيات الإبداعية للفيلم، أو فكرة صنع فيلم معاً، وخلق تقارب بين فضاءين، يمكن أن نتخيل أن بينهما مسافات شاسعة، ربما تكون سياسية، لأنه بذلك يتحدث عن التضامن، وعن انتماء أعمق من انتماء إلى دول قومية. السياسة كما تُمارس اليوم، والقسوة التي ننظم بها العالم، على شكل دول، وأحزاب سياسية، واقتصادات، وإنستغرام، تجعله صارماً للغاية، وصدامياً. قوامه نماذج متعارضة وحدود.

فكرة الفيلم عكس هذا: "لا حدود" أو "ما وراء كلّ الحدود". لا أعرف إذا سبق أن رأيت حرفياً حدوداً حقيقية بين بلدين. إنها مساحة مجردة للغاية، رغم أنها ملموسة. هذه الفكرة التجريدية عن الفضاء تهمني كثيراً. أين ينتهي شخص، ويبدأ آخر.

ما نجده مع مشاهدي "لغة كونية" نوعٌ من الكاثارسيس، أو التطهير الفني، يخترق مفهوم الحدود. لم نكن نرى ذلك بما هي فكرة سياسية عندما صنعنا الفيلم. أجد أننا نعيش في عصر صارم وغير متسامح، وأنّ خلق مساحة للتضامن ربما يكون لفتة سياسية في العمق.

 

(*) لفتةٌ تثير أيضاً مسألة الهجرة، لأن الفيلم نوع من التعايش بين شعبين، أو بالأحرى بين عالمين.

بالضبط. رغم الصرامة التي نحاول بها احتواء الجميع، تجربتنا نحن البشر ليست كذلك. أي أننا نقيم علاقات، ونشكل جزءاً من نظام بيئي من التبعية المتبادلة، رغم كلّ الجهود السياسية الرامية إلى إحباط هذا المنحى، ودفعنا إلى العيش في حالة إنكار تجاهه. تجربتنا في الحياة أكثر مرونة مما تقدّمه السياسة اليوم.

 

 

(*) الجانب الميتا ـ سينمائي للفيلم أساسي، لكنه سلاح ذو حدين، بشكل ما. نحن جميعاً متأثّرون بالسينما الإيرانية. نجحت بإسداء تحية أو تكريم لهذه السينما. لكن، ألم تكن قلقاً من تأثير التباعد الذي ينطوي عليه هذا النهج، وأنّ ذلك ربما يُبعد المشاهد عن القصة؟

إذا شاهدت Wild At Heart لديفيد لينش، تجد فيه مرجعية إلى ويليام والاس دينسلو (رسام وكاريكاتوريست أميركي، معروف برسوماته المرافقة لـ"ساحر أوز"، للكاتب أل. فرانك باوم ـ المحرّر). هذا أذهلني دائماً. يستخدم لينش أيقونات دينسلو ليحكي قصة مخالفة، عبر خلق فضاء أصيل، واستخدامه بما هو استعارة. أرى أنّ طريقتي مشابهة إلى حدّ ما. الفيلم الإيراني الذي يعنى بأكبر عدد من الإشارات، "أين منزل صديقي؟"، لأنه يجسد إلى حد ما المفهوم نفسه لفيلمنا: العثور على منزل الصديق. لا أعرف ما إذا كان ذلك يزعج المشاهد. هذا قمنا به لأنفسنا أولاً. عندما انتهينا من العمل، شعرنا حقاً أننا أحببنا النتيجة.

أحياناً، أنتهي من فيلم، وأشعر بخيبة أمل مما قمت به. في هذه الحالة، كنا سعداء حقاً بالنتيجة. لكن، لا أحد يعرف كيف ستكون ردة فعل الجمهور.

 

(*) في حالتي، كنت منغمساً في الفيلم، وأعجبني كثيراً. سألت عن المخاطرة التي تنطوي عليها مقاربتك منذ البداية.

لم أفكر بذلك في البداية. صنع فيلم، في السياق الكندي، مخاطرة بحدّ ذاتها. خاصة أنه فيلم يرفض فكرة الحدود. لكني أعتقد أنّ هذا من نوع المخاطرات التي يجب أن تؤخذ بأي ثمن. أعتقد أنه عندما نصنع أفلاماً، ولا نأخذ أي عنصر مجازفة، نؤكد فقط الموجود سلفاً في الثقافة، وهذا لا فائدة منه برأيي. أعتقد أنّ على السينما واجباً معيناً في المخاطرة والاستكشاف، وخلق طريقة جديدة للنظر إلى الكوكب.

 

 

(*) تحدثتَ عن "أين منزل صديقي؟" باعتباره المرجع الرئيسي. ماذا عن الأفلام الأخرى التي ألهمتك؟ كيف تحدد اختيارك لها؟ أخمّن بشكل خاص بحركة الكاميرا البانورامية المثيرة للإعجاب، بزاوية 180 درجة، على شخصية مسعود، نحو المرأة التي تجمع ملابس متجمدة من حبل الغسيل. أشعر أني رأيت ذلك في فيلم إيراني، لكني لا أتذكره.

أعتقد أنها من "أين منزل صديقي؟"، في مشهد الأحلام تحديداً. جُمِع بين الفكرتين، المخيال الإيراني والبرد الكندي. هكذا ندمج مرة أخرى فكرتي الصلابة والمرونة. يتعلق الأمر بالسينما واللغة السينمائية، وقدرتها على تحويل العالم، وليس فقط على اتخاذها بوصفها مجرد محاكاة للواقع. لذا، هناك الكثير من كياروستمي ومخملباف، هذا صحيح. بالمقابل، أقول إن هناك الكثير من جاك تاتي فيّ، ومن شانتال أكرمان. هناك شيءٌ من عوالم مخرجين كنديين، أقلّ شهرة عالمياً. غاي مادين موجود بالتأكيد.

هناك فيلم ميتا ـ سينمائي قليلاً لستيفن سودربيرغ، Schizopolis، يمثّل فيه دوره بنفسه، ويتحدث عن اللغة. فيلم عبثي للغاية، بل دادائي حتى، له تأثيرٌ كبير على "لغة كونية".

الفكرة الأساسية أخذ مجالين، لغتين سينمائيتين، بينهما مسافة معينة، وخلطهما معاً. من هنا، جاءت اللقطة البانورامية الضخمة التي تحدّثت عنها، والتي استُلهمت قليلاً من هذه الطريقة. في الواقع، لن أقول إنّ هذا إيراني بالضرورة، لكنه شيء أربطه بالسينما الإيرانية.

أجد أننا، في العالم الغربي، نميل دائماً إلى تصوير مركز الحدث. عندما أتحدث، تكون الكاميرا موجهة نحوي. وعندما تتحدّث أنت، تنتقل الكاميرا إليك. نُظهر اللحظة التي تقع فيها الأحداث. اللحظة الأكثر دراماتيكية. بينما في السينما الإيرانية، غالباً ما يكون الشخص الذي يستمع أكثر إثارة للاهتمام من الشخص الذي يتحدث. ما يحدث بجانب الأحداث يغدو أحياناً أكثر إثارة للاهتمام من مركز الأحداث. ربما يكون الشخص الذي يقف بجانب الممثل الرئيسي أجدر بالتأمّل منه. هذا مثير للاهتمام، النظرة الجانبية التي تترك مجالاً لواقع أرحب.

بالنسبة إلي، هذا يجسّد إلى حد ما نهج التضامن البادي في "لغة كونية".

 

(*) هل تفكر في البقاء في هذا النوع من السينما؟ أم تلهمك تجارب سينمائية أخرى؟

نعم، أحب البقاء في هذا النوع. صنعت هذا الفيلم مع أشخاص أحبهم كثيراً، وهم مُقرّبون إلي. أرغب في صنع المزيد من الأفلام معهم. سنصنع فيلماً عن الإسبرانتو (لغة دولية مصطنعة، تُستخدم كلغة مشتركة من أشخاص من 120 دولة على الأقل في العالم. باعتبارها لغة غير رسمية، تهدف الإسبرانتو إلى إقامة جسر محايد بين الثقافات ـ المحرّر).

 

(*) "لغة كونية" اختارته كندا لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي (تأهّل إلى اللائحة القصيرة لـ15 فيلماً، ولم يبلغ لائحة المُرشّحين الخمسة النهائيين ـ المحرّر). يبدو أنه مُرشّح مثالي لهذه الجائزة، نظراً إلى طابعيه الكوني والإنساني، اللذين يتجاوزان الحدود. ما شعورك تجاه هذا الاعتماد؟

أجد أن هناك نوعاً من الكاثارسيس في صنع هذا الفيلم، الذي يتجاوز النماذج المتعارضة شديدة القسوة على نطاق عالمي. انظر مثلاً إلى ما يحدث في الولايات المتحدة. إيلا وبيروز وأنا لسنا أشخاصاً تنافسيين. لا نملك طموحات نابوليونية، ولا نؤمن بالمسابقات الفنية. نعتقد أنها دائماً محض خيال. ما نحبّه صنع أفلام معاً، والاستمتاع كثيراً بنجاح الآخرين. لذا، ليس لدينا أي توقّعات. لكن، بقدر أنّ هذه الجائزة مقياس تواصل الفيلم مع الناس، فإنه أمر جميل طبعاً.

أعتقد أنّ الأمر يتعلق، أولاً، بدوغما بيروقراطية، تجعل بلداً ما يختار فيلماً معيناً لتمثيله. مسألة مالية وإدارية. نأمل أن يتمكن الفيلم، مرة أخرى، من تجاوز الحدود، وأن يكون دولياً حقاً. بالمعنى العتيق لكلمة دولي (International).

 

(*) بالضبط. أو "عابر للحدود" (Transnational). أعجبني أنّ مشروعك المقبل عن الإسبرانتو يندرج أيضاً في هذه الفكرة.

ـ نعم. هذا رائع.

المساهمون