ماثيو رانكين (1/ 2): دور المخرج خلق عقل جماعي يُنتج أفكاره الخاصة
استمع إلى الملخص
- يحمل الفيلم رسالة سياسية تدعو للانفتاح على الهويات المختلفة ونبذ الصدام الثقافي، ويبرز أهمية العمل الجماعي في السينما، مما يخلق لغة عالمية ودراما إنسانية.
- يتميز تصميم الإنتاج باستخدام اللافتات والكتابة الفارسية، ودمج الرموز الثقافية الكندية والإيرانية، ويعبر عن الاغتراب والفراغ، مستكشفاً الإمكانات السردية للحيل السينمائية.
تمخّض "لغة كونية"، للكندي ماثيو رانكين (سيناريو مشترك مع إيلا فيروزأبادي وبيروز نيماتي)، عن قصيدة سينمائية، تُدين بالكثير لاشتغاله مع فريق شغوف بتشييد عالم خيالي، يمزج طهران بوينبيغ الكندية، التي تدور الأحداث فيها، لكن اللغة المهيمنة الفارسية.
كلّ الاختيارات الفنية تصبّ في الجمع بين هذين القطبين، المتباعدين جغرافياً، كما لو أن الفيلم يبحث عن جامع إنساني بين ثقافتين، يبدو أن كلّ شيء تقريباً يفرّقهما. كما يجمع سرده بين ثلاث قصص، تتقاطع سبلها في لحظات معينة: نيجين ونازغول يعثران على ورقة نقدية حبيسة الجليد، ويسعيان إلى استعادتها، إشارة إلى "البالون الأبيض" لجعفر بناهي، سيناريو عباس كيارستمي؛ مسعود، الدليل السياحي، يهيم رفقة سياح في جولة تائهة وعبثية؛ ماثيو (رانكين نفسه) يترك عمله في حكومة كيبيك، ويزور والدته في وينبيغ.
لا يخفي رانكين المراجع الأساسية من السينما الإيرانية، التي اعتمدها لنسج شبكة ميتا سينمائية جذّابة، تضفي شيئاً من الحرارة على أوصال ديكورات باردة، بفعل الثلوج الكثيفة التي تكسوها، وباعتماد هندسة بروتالية قاسية المعالم. لكن الألوان وتناسقها، وتماثلية تكوين اللقطات، تحبوها بجمال يشدّ الأنظار.
اختلاط أباريق الشاي الفارسية والسجاد الإيراني مع معالم المنازل الكندية، يسبغ على الفيلم طابعاً أصيلاً لا يخطئ طريقه إلى القلوب، خاصة أن الكوميديا الكيبيكية، القائمة على التجريب، ولمسة سوريالية، يُعدّ المخرج غاي مادين أحد فرسانها، تنتهج حسّاً فكاهياً جافاً، يليق برهافة أفلام إيرانية مرجعية، كـ"أين منزل صديقي؟" لكيارستمي.
ينطوي "لغة كونية" على طرح سياسي مهم، يحثّ على الانفتاح على هويات مختلفة، ونبذ الصدام بين الثقافات بحجة الاختلاف، يرنّ خاصة في ظلّ أيديولوجيا التقوقع والتقاطب العنيف، اللذين تعيشهما مناطق عدّة في عالم اليوم.
(*) الفيلم مُركّز من لحظات سينمائية صرفة. شخصي للغاية، وفي الوقت نفسه كوني. أمر يبدو متناقضاً. ما سرّ نجاحك في تحقيق ذلك؟
الإجابة مُعقّدة بالتأكيد. لكني أعتقد أن عنصرها الأساسي المجموعة. السينما فنّ جماعي، رغم أسطورة المخرج الذي يعرف كلّ شيء، والقادر على كلّ شيء، والذي يعرف شكل الفيلم جيداً قبل إنتاجه. هذا غير صحيح. لا يوجد فيلم يُنتج بهذه الطريقة. ربما يكون العمل شخصياً للغاية، لكنّ المخرج يظلّ نقطة التقاء. دوره خلق عقل جماعي قادر على إنتاج أفكاره الخاصة.
في هذا الفيلم، حاولت إشراك أشخاص للتعاون معي، ممن لديهم ما يعبّرون عنه شخصياً، بمبدأ الفيلم. طبعاً، هذا عملٌ شخصي، يروي شيئاً قريباً جداً مني. لكن، كلّ من شاركني في صنعه لديه ما يعبّر عنه شخصياً، من خلال منظوره. لذا، كانت الفكرة توليف كلّ هذا لخلق لغة عالمية، ودراما إنسانية.
(*) مصدر إلهامه ما عشتَه مع جدّتك. لكننا نشعر بتأثير اتجاهات سينمائية عدّة.
أظنّ أن فيه لغات سينمائية متشابكة بشكل وثيق. إنه مزيج. من ناحية، هناك الشعر الإيراني، الذي يمكن ربطه بعباس كياروستمي ومحسن مخملباف وجعفر باناهي وسهراب شهيد ساليس، من بين آخرين. من ناحية أخرى، هناك السريالية الكندية. هنا، أتحدّث عن غي مادين ومخرجين آخرين من كيبيك. الفكرة أن أمزج بينهما، ورؤية النتيجة. تجربة لخلق لغة سينمائية ثالثة، مستمدّة قليلاً من الاتجاهين.
(*) أعجبني كيف يبدأ مشهد الافتتاح بلقطة شاملة وثابتة وطويلة. تدور الأحداث في الفصل الدراسي، بينما نحن في الخارج لا نرى سوى الحائط، وجزءاً من النافذة الزجاجية. الصوت يصلنا من خارج الإطار. هذا يقول الكثير عن خصوصية "لغة كونية".
هذه دلالة مشهد الافتتاح. الفيلم يلعب كثيراً على اتصال نقاط معينة. وحدة شديدة مع مجموعة بشرية عميقة جداً. القرب والبعد. بالنسبة إلي، المشهد الأول للفيلم أطروحة. تنظر فترة طويلة إلى جدار شديد الصلابة وقاسٍ بشكل بروتالي. لكن، هناك أنواع الانسيابية التي تمرّ عبر هذا الجدار. حتى الصوت يمرّ من خلاله. نبدأ من الخارج، ثم ندخل إلى الداخل، ثم ننفتح على الخارج. الصوت قادر على تجاوز المسافة، وخلق سيولة تخترق الجدار الصلب. هذا نوعُ تعبيرٍ عن مفهوم الفيلم برمّته.
(*) مُهمٌّ نعت البروتالية (Brutalist) الذي ذكرته توّاً، لأن أماكن التصوير تبدو قاسية. لا توجد تفاصيل كثيرة يمكن التمعّن فيها. لكن، في الوقت نفسه، لا بُدّ من إيجاد علاقة بالمكان، تثير الاهتمام سينمائياً. التجوّل بين الأماكن أدّى أيضاً إلى هذا التأثير السلس الذي تتحدث عنه. كيف حدّدت هذه الأماكن، قبل تحويلها؟
هذه المباني تثير إعجابي منذ فترة طويلة. بالنسبة إلي، البروتاليزم جميل جداً. هناك مشاهدون يجدونه غير جميل. ما أحبه في البروتالية أن كلّ شيء مرئي للغاية. يمكننا رؤية المواد المكوّنة. لا شيء مخفياً. خرسانة وزجاج وحديد. مجرّد مواد أساسية مُصمّمة بشكل هندسي. هكذا نرى اصطناعية مبانٍ لا يوجد شيء عضوي فيها. هذا شيء أحبه في السينما أيضاً. عادة، عندما نصنع فيلماً، نحاول تجنّب الاصطناعية. نرى مثلاً أن خللاً في التسلسل الزمني خطأ لأنه يُذكّرنا بأن ما نراه ليس حقيقة، وأنه مجرد فيلم. لكني أجد أن الشعور بأننا نصنع فيلماً فقط شيءٌ جميل. أحب أن أحتضن الاصطناعية السينمائية (L’artifice cinématographique). أعتقد أن هناك إمكانات تعبيرية فيها لم نستكشفها كثيراً في الأفلام.
الهدف من السينما، في معظم الأحيان، صنع محاكاة. بينما أنا قادمٌ من تقاليد أكثر تجريبية. من السينما التجريدية، حيث يغدو الاصطناع السينمائي جزءاً من العملية الفنية. لذا، أحب استكشاف الإمكانات السردية للحيل. البروتالية تندرج في السياق نفسه، إلى حدّ ما.
(*) تصميم الإنتاج في "لغة كونية" من بين أجمل ما شاهدت في السنوات الأخيرة. كيف حوّلت الأماكن باستخدام اللافتات والكتابة الفارسية؟ كذلك العمل على الإكسسوارات، التي تساعد في خلق ما تسميه "فضاءً خيالياً بين وينيبيغ وطهران". كيف قمت بذلك؟
إنها عملية طويلة، قمنا بها بشكل تعاوني للغاية، عبر محادثات يومية طويلة. المصمّمة الفنية لويزا شاباس فنانة كبيرة في مونتريال. لكن، مرة أخرى، أُنجز العمل بواسطة فريق. شارك بيروز نماتي ولويزا شاباس بشكل كبير في كل القرارات. كما شارك مصمّمون غرافيكيون إيرانيون كنديون بشكل وثيق في إنتاج كلّ العناصر.
موضوع هذه المحادثات دائماً المزج بين الرمزين الثقافيين المختلفين. لا يوجد أحدهما من دون الآخر. الرمز الكندي متشابك بشكل وثيق مع الرمز الإيراني دائماً. الفكرة عمل "مخطّط فِنّ" (صورة تقوم على تداخل دوائر، وتُستعمل في نظرية المجموعات لتبيان العلاقات الرياضية أو المنطقية لمجموعة أشياء أو مفاهيم. يعود تسميتها إلى الفيلسوف الإنكليزي جون فِنّ ـ المحرّر) بين المساحتين، دائماً. لكن، كيف نفعل ذلك؟ إنه السؤال الذي أردت الإجابة عنه في كلّ قرار من قرارات التصميم البصري.
(*) الجملة الأولى المكتوبة على السبورة في الصفّ، في المشهد الأول، "نحن ضائعون إلى الأبد في هذا العالم"، تعبّر عن الفراغ الذي نعيشه نحن، مواطنو العالم، بشكل متزايد، والاغتراب تجاه ما يحدث سياسياً. الفيلم كوميديا أولاً، لكنه يحمل في جوهره طرحاً سياسياً حقيقياً.
لن أقول إنه سياسي بالمعنى الحزبي أو الأيديولوجي. لا يوجد برنامج محدّد، ولا أحاول إقناع أي شخص بأي شيء، أو إثبات أي نظرية أو أيديولوجية معينة. لكن، مع ذلك، هناك شيء ما. أعتقد أن النيات الإبداعية للفيلم، ربما، أو فكرة صنع فيلم معاً، وخلق تقارب بين فضاءين، يمكن أن نتخيل أن بينهما مسافات شاسعة، ربما تكون سياسية، لأنه بذلك يتحدث عن التضامن، وعن انتماء أعمق من انتماء إلى دول قومية.