استمع إلى الملخص
- الدراسة كشفت عن ضغوط نفسية واجتماعية تواجهها اللاعبات، حيث شكلت وقائع الانتحار أو القتل 13% من الوفيات، مما يبرز الحاجة لزيادة الوعي بالمخاطر الصحية والنفسية.
- توصي الدراسة بإجراء فحوصات استباقية وتقديم إرشاد مبكر، وتغيير ثقافة اللعبة لتعزيز ممارسات تدريب آمنة ورفع الوعي بالمخاطر الصحية.
أظهرت دراسة جديدة أن السكتة القلبية (Sudden cardiac death) تشكل نسبة غير معتادة من أسباب وفيات لاعبات كمال الأجسام، خصوصاً المحترفات. وتحدث هذه الحالة عندما يتوقف القلب عن العمل بشكل مفاجئ دون إنذار مسبق، وهي نادرة عادة لدى صغار السن الذين يبدون أصحاء.
لكن الدراسة، التي نُشرت في 20 أكتوبر/تشرين الأول في مجلة European Heart Journal، وجدت أن السكتة القلبية هي السبب الأكثر شيوعاً للوفاة بين اللاعبات اللواتي شملتهن الدراسة.
يُوضح المؤلف الرئيسي للدراسة ماركو فيكياتو، الأستاذ في قسم الطب الرياضي بجامعة بادوفا في إيطاليا، أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة كبيرة في عدد النساء اللواتي يمارسن تدريبات القوة والمشاركة في منافسات كمال الأجسام، "لكن الأبحاث والإعلام ظلّا يركّزان تقريباً فقط على الرياضيين الرجال". وبعدما نشر فريقه دراسة سابقة عن لاعبي كمال الأجسام الذكور، لاحظ وجود فجوة كبيرة في البيانات الخاصة بالنساء، وفق ما قاله لـ"العربي الجديد".
ولإنشاء قاعدة بيانات دقيقة، جمع الباحثون أسماء 9447 لاعبة شاركن في منافسة واحدة على الأقل ضمن الاتحاد الدولي للياقة وكمال الأجسام بين عامي 2005 و2020، ثم بدأ الفريق في البحث عن أي تقارير تتعلق بوفاة هؤلاء اللاعبات بخمس لغات مختلفة، عبر مصادر متنوعة شملت الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي ومنتديات كمال الأجسام والمدونات. وبعد العثور على أي حالة وفاة، كان الفريق يتحقق منها عبر أكثر من مصدر، ثم يراجعها طبيبان لتقدير سبب الوفاة بأكبر قدر ممكن من الدقة.
وفي نهاية البحث، رصد الفريق 32 حالة وفاة بمتوسط عمر بلغ نحو 42 عاماً، وكانت السكتة القلبية السبب الأبرز، إذ شكّلت نحو 31% من مجموع الوفيات. كما بدت المخاطر أعلى بكثير بين المحترفات، إذ وُجد أنهن أكثر عرضة للوفاة القلبية المفاجئة بأكثر من 20 مرة مقارنة بالهاويات.
يشير فيكياتو إلى أن النتائج تعكس عبئاً صحياً مهماً في رياضة تُرى عادة من زاوية الجمال والشكل والأداء، لا من زاوية المخاطر الطبية، ويوضح أن "لاعبات كمال الأجسام غالباً ما يخضعن لتدريبات شديدة القسوة، ويمارسن الصيام وتجفيف السوائل بهدف الوصول إلى أجسام شديدة النحافة وعضلية في الوقت ذاته، وبعضهن يستخدمن مواد معززة للأداء، وهذه الممارسات تفرض عبئاً ضخماً على القلب والأوعية الدموية".
كما كشفت الدراسة عن نمط مقلق آخر، إذ شكّلت وقائع الانتحار أو القتل نحو 13% من الوفيات بين النساء، أي أربعة أضعاف النسبة التي ظهرت في دراسة سابقة أجراها الفريق نفسه على الرجال. ويشير المؤلف الرئيسي إلى أن هذا الفارق اللافت يوحي بأن لاعبات كمال الأجسام قد يواجهن ضغوطاً نفسية واجتماعية خاصة، ربما تكون مرتبطة بصورة الجسد المتوقعة، أو باستخدام مواد معززة للأداء، أو بسبب متطلبات اللعبة القاسية.
ومع ذلك، يقرّ الباحثون بأن للدراسة حدوداً منهجية، إذ إنها اعتمدت على البحث عبر الإنترنت، ما يعني أن بعض الوفيات، وخصوصاً بين اللاعبات الأقل شهرة، قد لا تكون موثقة. كما أن بيانات التشريح لم تكن متوفرة سوى لعدد محدود من الحالات، ما اضطر الباحثين أحياناً إلى تصنيف بعض الوفيات المفاجئة استناداً إلى تقديرات سريرية لا إلى أدلة جنائية قاطعة.
مع ذلك، يرى الفريق أن النمط العام للنتائج قوي بما يكفي لإثارة القلق وفتح باب البحث في هذا المجال.
وفي ما يتعلق بالمقارنة برياضات أخرى، يقول الباحثون إن لاعبات كمال الأجسام ربما يواجهن خطراً أعلى من كثير من الرياضيات المحترفات الأخريات، وإن كان لا يزال أقل من ذلك الذي أُبلغ عنه لدى لاعبي كمال الأجسام من الرجال. ولم تختبر الدراسة الأسباب المباشرة، لكنها أشارت إلى مزيج معروف بإجهاده الكبير للقلب: تدريب مكثف، وحمية قاسية، وإنقاص سريع للسوائل، وربما تعاطي منشطات.
تحمل الدراسة رسائل واضحة للرياضيات والمدربين والأطباء، إذ تحذر اللاعبات من أن السعي إلى عضلات ضخمة ونحافة مفرطة قد يحمل ثمناً صحياً باهظاً. ويقول فيكياتو إن الوعي بهذه المخاطر ضروري لتشجيع ممارسات تدريب أكثر أماناً، واتخاذ قرارات قائمة على المعرفة، وتعزيز نهج صحي في منافسات كمال الأجسام، كما يدعو إلى تغيير ثقافة اللعبة نفسها لرفع الوعي بالمخاطر، ليس فقط بين المحترفات، بل أيضاً داخل مجتمع النساء المتزايد في تدريبات القوة عالية الشدة.
أما بالنسبة إلى الأطباء، فيوصي الباحثون بإجراء فحوصات استباقية دقيقة وإرشاد مبكر، حتى مع الرياضيات الشابات اللواتي يشعرن بأنهن في صحة ممتازة، إذ غالباً ما لا ترى اللاعبات أنفسهن معرضات للخطر، ما قد يؤخر الفحوص التي تكشف المؤشرات المبكرة لأمراض القلب.
ويختم فيكياتو بالقول إن نتائج الدراسة يجب أن تكون جرس إنذار حقيقياً يدفع إلى مراجعة العلاقة بين الجسد الأنثوي والمثالية الرياضية في هذه الرياضة التي لا تزال تخفي خلف مظهرها الصلب هشاشةً إنسانية وصحية عميقة.