لماذا تحلم روسيا بالهيمنة على "فوبوس" قمر المريخ الصغير؟

22 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:51 (توقيت القدس)
منظر لسطح الأرض مع القمر وكوكب المريخ مع القمرين فوبوس وديموس (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تسعى روسيا لتعزيز وجودها في استكشاف الفضاء من خلال التركيز على أقمار المريخ، وخاصة "فوبوس"، حيث ترى فيه فرصة علمية واستراتيجية قد تفتح الباب لاكتشافات كبرى.
- رغم فشل مهمة "فوبوس-غرونت" في 2011، تواصل روسيا اهتمامها وتخطط لإطلاق مهمة جديدة بحلول 2030، مستفيدة من تطورات الدفع الفضائي والذكاء الاصطناعي، لكنها تواجه تحديات جيوسياسية وعقوبات غربية.
- يعتبر "فوبوس" هدفاً استراتيجياً لروسيا بسبب مزاياه العلمية واللوجستية، حيث يسهل الهبوط والإقلاع منه مقارنة بالمريخ، مما يقلل التكاليف والمخاطر.

تسعى روسيا إلى ترسيخ حضورها في سباق استكشاف الفضاء من خلال تركيز متزايد على أقمار المريخ. فبينما تتجه أنظار وكالات الفضاء العالمية إلى الكوكب الأحمر نفسه، ترى موسكو في هذه الأقمار الصغيرة فرصة علمية واستراتيجية قد تفتح الباب أمام اكتشافات كبرى، وتمهّد لبناء قواعد أو محطات مستقبلية بالقرب من المريخ.

هذا ما أكّده المحلّل العسكري الأميركي براندون وايكيرت الذي يقدّم استشارات دورية لمؤسسات حكومية ومنظمات خاصة في قضايا الجغرافيا السياسية، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست (The National Interest). ويرى وايكيرت أنّ مهمة "فوبوس-غرونت" (Phobos-Grunt)، وهي المسعى الروسي لاستكشاف قمر المريخ "فوبوس"، تمثّل فصلاً مؤثراً في تاريخ استكشاف الفضاء. فقد أُطلقت هذه المهمة الطموحة عام 2011، وكان هدفها جمع عينات من "فوبوس" وإعادتها إلى الأرض، في خطوة مثّلت عودة روسيا إلى المهام الكوكبية بعد عقود من الغياب.

غير أنّ الفشل الذي انتهت إليه المهمة سلّط الضوء على التحديات الهائلة التي تواجه رحلات الفضاء السحيق، بدءاً من الأعطال التقنية وصولاً إلى العوائق الجيوسياسية. ومع ذلك، ما زالت روسيا تدرس خططاً لاحقة للتوجه مجدداً إلى "فوبوس"، الذي يواصل إثارة اهتمام العلماء الروس، ربما أكثر من المريخ نفسه.

فشل "فوبوس-غرونت"

انطلقت المركبة، التي طوّرتها وكالة الفضاء الروسية روسكوسموس (Roscosmos)، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 من قاعدة "بايكونور" (Baikonur) في كازاخستان، على متن صاروخ "زينيت-2" (Zenit-2). ويعني اسم "فوبوس-غرونت" بالعربية "تربة فوبوس"، في إشارة إلى هدفها الرئيسي المتمثل في جمع عينات من سطح القمر "فوبوس" وإعادتها إلى الأرض. وكانت المهمة، لو نجحت، ستصبح الأولى التي تعيد عينات من أحد أقمار المريخ، ما قد يكشف أسراراً عن نشأة النظام الشمسي.

كما حملت المركبة المسبار الصيني "ينجهو-1" (Yinghuo-1) وقمراً اصطناعياً مصغراً فنلندياً، ما أضفى طابعاً دولياً على المشروع. لكن بعد نجاحها في دخول مدار أرضي منخفض، فشلت في تشغيل محركاتها للاندفاع نحو المريخ. وعزا المهندسون ذلك إلى خطأ برمجي في نظام التحكم بالتحليق، ربما تفاقم بسبب أضرار إشعاعية أو أعطال في المكوّنات. وعلى الرغم من المحاولات المستمرة لإعادة برمجة المسبار، بقي التواصل معه متقطعاً، وانتهى الأمر بفشل المهمة.

وفي يناير/كانون الثاني 2012، أي بعد شهرين من الإطلاق، دخلت "فوبوس-غرونت" مجدداً الغلاف الجوي للأرض وتفكّكت فوق المحيط الهادئ، ما كبّد روسيا نحو 170 مليون دولار، ووجّه ضربة لهيبة "روسكوسموس" التي كانت تعاني أساساً من تراجع التمويل بعد الحقبة السوفييتية. وأظهرت التحقيقات اللاحقة مشكلات بنيوية تمثّلت في تطوير متسارع، واعتماد على تكنولوجيا قديمة، وضعف في الاختبارات. وقد دفعت هذه الانتكاسة إلى إدخال إصلاحات شملت تعزيز ضبط الجودة وزيادة التعاون الدولي. ومع ذلك، ظلّت المهمة تُدرّس باعتبارها نموذجاً لإخفاقات هندسة الفضاء الروسية.

هل من مهمة جديدة؟

حتى عام 2025، ظلّت روسيا تعلن اهتمامها بإحياء مشروع استكشاف "فوبوس"، وإن بقيت الخطط الملموسة مرهونة بالتوترات الجيوسياسية والقيود المالية. فبعد كارثة 2011، طرحت "روسكوسموس" مشروع "فوبوس-غرونت 2" عام 2012، مستهدفة إطلاقه في عقد العشرينيات مع تحسين أنظمة النسخ الاحتياطية وتعزيز قدرات إعادة العينات.

لكن التقدّم في المشروع تعثر بفعل حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية، إلى جانب تحوّل الأولويات نحو المهام القمرية مثل "لونا-25" (Luna-25) التي انتهت هي الأخرى بالفشل عام 2023. ومع ذلك، برزت مؤشرات إلى عودة محتملة، إذ ناقش مسؤولون روس عام 2024 دمج أهداف "فوبوس" ضمن استراتيجيات المريخ الأوسع وربما التعاون مع الصين في إطار محطة الأبحاث القمرية الدولية. ورغم غياب جدول زمني لإطلاق مهمة جديدة، تضمّن برنامج الفضاء الروسي 2022-2030 دراسات مخصّصة لأقمار المريخ، ما يشير إلى احتمال تنفيذ مهام استطلاعية قبل محاولة إعادة العينات.

ويُتوقع أن تنطلق مهمة جديدة إلى "فوبوس" بحلول 2030، بالاستفادة من تطورات الدفع الفضائي والذكاء الاصطناعي لتأمين مسارات أكثر أمناً. غير أنّ نجاح وكالة ناسا (NASA) مع مركبة "بيرسيفيرانس" (Perseverance) ونجاح الصين مع مهمة "تيان وين-1" (Tianwen-1) يضعان روسيا أمام ضغط متزايد لإثبات قدرتها في مجال الاستكشاف الكوكبي.

لماذا "فوبوس"؟

يرى وايكيرت أنّ شغف روسيا بـ"فوبوس" ينبع من مزايا علمية ولوجستية واستراتيجية. فهذا القمر، أحد قمري المريخ إلى جانب "ديموس"، لا يتجاوز قطره 22 كيلومتراً، وجاذبيته شبه معدومة، ما يجعل الهبوط والإقلاع منه أسهل بكثير من سطح المريخ الذي يمثّل غلافه الجوي ومتطلباته الوقودية تحدياً كبيراً. كما أنّ رحلة العودة من "فوبوس" تتطلب طاقة أقل، ما يخفض التكاليف والمخاطر.

على الصعيد العلمي، يثير "فوبوس" فضول الباحثين باعتباره إمّا كويكباً أسيراً أو بقايا ناتجة عن اصطدام هائل بالمريخ. وقد يكشف تحليل بنيته عن أسرار تتعلق بتاريخ الكوكب الأحمر وموارده المائية وأصول الحياة في النظام الشمسي.

ويعتبر العلماء الروس أنّ "فوبوس" يمثّل "حجر الأساس" للبعثات البشرية نحو المريخ. إذ قد يحتوي سطحه الرملي على مقذوفات مريخية، ما يمنح العلماء لمحة غير مباشرة عن المريخ من دون الحاجة إلى الهبوط على سطحه.

وفوق ذلك، فإن التركيز على "فوبوس" يتيح لروسيا مساراً خاصاً في استكشاف الفضاء بعيداً عن المنافسة المباشرة مع "ناسا"، ويتماشى مع أهدافها طويلة الأمد مثل إنشاء قاعدة مريخية، حيث يمكن لـ"فوبوس" أن يصبح محطة وقود إذا ثبت وجود جليد مائي فيه. ويواكب هذا الاهتمام التوجهات العالمية، إذ تستعد اليابان لإطلاق مهمتها "إم إم إكس (MMX)" لإعادة عينات من "فوبوس"، ما يعزز مكانة هذا القمر في خطط الاستكشاف الفضائي.

وعليه، فإن فشل "فوبوس-غرونت" عام 2011 لم يكن نهاية أحلام روسيا بشأن أقمار المريخ، خاصة في ظل تنامي شراكتها مع الصين. وبرغم غياب أي مهمة مؤكدة في المستقبل القريب، فإن التخطيط المستمر يعكس طموحاً روسياً لا يلين.

ويختم وايكيرت تقريره بالقول إنّ تركيز موسكو على "فوبوس" بدلاً من المريخ نفسه يتيح لها توظيف مزايا فريدة لتحقيق اكتشافات رائدة. ومع تسابق وكالات الفضاء العالمية نحو أقمار الكوكب الأحمر، يبقى "فوبوس" جبهة أساسية لفك أسرار الكون.

(أسوشييتد برس)

المساهمون