لعبة لتشجيع الزواج الكنسي في إسبانيا: "الحب أروع مغامرة"

14 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 20:54 (توقيت القدس)
يواجه الشريكان خلال ممارسة اللعبة أسئلة ومواقف مستوحاة من الحياة اليومية (لقطة شاشة)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يُحتفل بعيد الحب في إسبانيا في 14 فبراير، حيث يتبادل العشاق الهدايا، وتتحول المدن إلى أجواء رومانسية. أطلق المؤتمر الأسقفي الإسباني حملة "الزواج أكثر" لعام 2026، تتضمن لعبة فيديو لاختبار جاهزية العلاقات للالتزام النهائي.
- طُوّرت اللعبة بالتعاون مع الجامعة البابوية في سالامانكا، وتهدف إلى تعزيز الحوار بين الشريكين من خلال مواقف حياتية يومية. تُبرز اللعبة الزواج الكنسي كذروة للحب والالتزام الواعي.
- تأتي المبادرة في ظل تغيّرات اجتماعية في إسبانيا، حيث يختار الجيل الجديد الزواج المدني. تسعى الكنيسة لمخاطبة الشباب بلغة معاصرة عبر الوسائط الرقمية لجذبهم للزواج المسيحي.

هنا في إسبانيا، وتحديداً في الرابع عشر من فبراير/شباط من كل عام، يتبادل العشاق الهدايا والمفاجآت في "سان فالنتين". تتوشّح المدن باللون القرمزي، تمتلئ المطاعم، وتتردّد عبارات الودّ في الشوارع والساحات. فالمناسبة ليست تفصيلاً عابراً في رزنامة السنة، بل محطة اجتماعية ينتظرها كثيرون لتجديد المشاعر والاعتراف بالحب أو تثبيته، وربما للبوح بما ظلّ مؤجّلاً.

غير أنّ عيد الحب هذا العام حمل إضافة غير مألوفة. فبينما كان العشاق يخطّطون لأمسياتهم، أعلن المؤتمر الأسقفي الإسباني، الذي يضم أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في البلاد، إطلاق حملة جديدة لعام 2026 بعنوان "الزواج أكثر"، اختار لها مدخلاً رقمياً عبر لعبة فيديو ثنائية باسم Level Up! El juego de dos (ارفع المستوى! لعبة لشخصين) تحمل شعار: "الحب، المغامرة الأروع على الإطلاق". وتهدف المبادرة إلى اختبار مدى جاهزية العلاقة للالتزام النهائي. طُوّرت اللعبة خصيصاً للحملة، وهي متاحة على الموقع الرسمي للمشروع matrimonioesmas.org/juego، فيما يؤكد المؤتمر الأسقفي أن الحملة "مهنية وهادفة" وتسعى إلى "إبراز جمال الزواج المسيحي وتقديم هذه الدعوة باعتبارها استجابة لرغبة عميقة في قلب الإنسان".

تقوم اللعبة، التي طُوّرت بالتعاون مع كلية الاتصال في الجامعة البابوية في سالامانكا وصُمّمت بواسطة محترفين في تطوير الألعاب الرقمية، على مبدأ المشاركة: يجلس الشريكان أمام الشاشة ويتقدّمان معاً عبر مراحل متعاقبة، يواجهان خلالها أسئلة ومواقف مستوحاة من الحياة اليومية، مثل إدارة الخلاف، توزيع المسؤوليات، التعامل مع الضغوط المادية، اتخاذ قرارات مشتركة، الحديث عن الأبناء والمستقبل. لا تقوم الفكرة على الربح والخسارة بقدر ما تقوم على الحوار؛ فكل إجابة تفتح باب نقاش، وكل مرحلة تُفهم بوصفها خطوة نحو نضج العلاقة. في إحدى المراحل، تمثيلاً لا حصراً، يواجه اللاعبان عرض عمل يتطلّب الانتقال من مدينة إلى أخرى، وفي مرحلة ثانية يُطرح سؤال حول توقيت الإنجاب، وفي ثالثة يتعيّن عليهما إدارة خلاف حاد حول الأولويات. كل خيار يفتح مساراً مختلفاً ويكشف نمطاً في التفكير: أهو قائم على التضحية والتعاون أم على النزعة الفردية والتردّد؟ الرسالة واضحة: الحب لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى التزام واعٍ، ويُعرض الزواج الكنسي هنا بوصفه ذروة هذا المسار.

تأتي هذه المبادرة في سياق تغيّرات اجتماعية متسارعة؛ ففيما يخص الكنيسة لا يقتصر الأمر على حسن نية الحملة، بل على التذكير بأن الزواج دعوة مسيحية تتطلب جهداً وتحالفاً نهائياً بين رجل وامرأة، مفتوحاً للحياة وقائماً على التضحية والتفاني والإيمان والوفاء، ضمن سياق اجتماعي وثقافي معقّد، ولا سيما في إسبانيا التي تشهد انخفاضاً حاداً في نسب الزواج وتراجعاً في معدلات الولادة وانتشار حالات الانفصال الأسري. وتؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء هذا المنحى، إذ يتواصل تراجع الزواج الكنسي خلال العقود الأخيرة: فبعدما كان الشكل السائد حتى تسعينيات القرن الماضي، بات الزواج المدني اليوم يشكّل الغالبية الساحقة من الزيجات المسجّلة. ووفق إحصاءات 2023، لم تتجاوز الزيجات الكنسية نحو خمس إجمالي الزيجات، مقابل ارتفاع الارتباط المدني والعيش المشترك من دون زواج، مع تأخر متوسط سن الزواج إلى ما بعد الثلاثين لدى الرجال والنساء، بما يعكس تحوّل نظرة الأجيال الجديدة إلى الاستقرار والأسرة.

تؤكد أستاذة علم الاجتماع الأسري في جامعة مدريد المستقلة، آنا أيوسو، أن تراجع الزواج الديني في إسبانيا لا يعود إلى انخفاض الإيمان الفردي، بل يرتبط بمجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وتوضح في حديثها لـ"العربي الجديد" أن "الجيل الجديد يفصل بين العلاقة العاطفية والمؤسسة الدينية. كثير من الشباب يقدّر الحب والالتزام، لكنه يختار الزواج المدني أو العيش المشترك، لأسباب تتعلق بالمرونة الشخصية أو الظروف الاقتصادية". وتضيف: "المشكلة ليست رفض الزواج بصفته فكرة، بل في الانفصال بين الرغبة العاطفية والتقاليد الدينية. التحدي اليوم يكمن في إعادة صياغة الخطاب الديني بطريقة تفهم مخاوف الشباب وتواكب أسلوب حياتهم، وهذا لا يعني، عند الكنيسة، التخلّي عن جوهر الالتزام والقدسية التي يمثلها الزواج المسيحي".

لا يبدو اختيار الرابع عشر من فبراير تفصيلاً عابراً، كما أن إطلاق حملة الزواج عبر لعبة فيديو هذا العام ليس قراراً عشوائياً. ففي ذروة الاحتفاء بالعاطفة، سعت الكنيسة إلى استثمار الرمزية المرتبطة بالمناسبة لطرح سؤال يتجاوز الورود والعشاء الرومانسي. وهكذا يتحوّل موسم الهدايا، في هذا السياق، إلى مساحة للتفكير في المستقبل بلغة الألعاب، وهي لغة مألوفة لجيل نشأ بين الهواتف الذكية والمنصّات الرقمية، وتحاول المؤسسة الدينية من خلالها الاقتراب منه خارج إطار الخطاب التقليدي المباشر. ضمن هذا الإطار، توفّر اللعبة مساحة تفاعلية يتشارك فيها الثنائي اتخاذ القرارات ومواجهة مواقف مستوحاة من الحياة الزوجية، بما يجعل الحوار حول الزواج الكنسي أقرب إلى تجربة معيشة، بدلاً من أن يظل في حدود النصائح أو البيانات الرسمية. وتمثّل هذه الخطوة محاولة لتقديم الخطاب الديني بلغة معاصرة ومخاطبة جيل رقمي معتاد على التفاعل والتجربة العملية، بدلاً من الاكتفاء بالخطاب التقليدي المرتبط بالمنابر والبيانات.

في هذا السياق، تقول سيمونا ساسدي، مرشدة اجتماعية إسبانية (36 عاماً) تعيش مع شريكها منذ أكثر من أربع سنوات من دون زواج، لـ"العربي الجديد": "الحب هو ما يجمعنا، وقد اخترنا المساكنة ولسنا في حاجة إلى الزواج والبيروقراطية التي يولّدها". وتضيف أن المؤتمر الأسقفي استخدم الوسائط الرقمية سابقاً عبر حملات وفيديوهات خلال "أسبوع الزواج" لتقديم الزواج خياراً معاصراً ينسجم مع تطلعات الشباب، معتبرة أن جمهور هذه الحملات معروف، وهم من لا يزالون يرون أن المؤسسة الدينية يمكن أن تدير حياتهم الشخصية، قبل أن تختم: "أنا الأقدر على تقرير ما أريده وما لا أريده".

في زمن تتبدل فيه أشكال العلاقات بسرعة "كبسة زر"، وبين وردة تُقدَّم في مساء عيد الحب وشاشة يضغط عليها شريكان ليتقدّما إلى "المستوى التالي"، تحاول الكنيسة أن تجد لنفسها موطئ قدم داخل المشهد الجديد. قد لا تكون لعبة فيديو كافية لقلب المعادلات الاجتماعية، وقد لا تغيّر الأرقام بين ليلة وضحاها، لكنها تكشف عن إدراك بأن الخطاب التقليدي وحده لم يعد يكفي، وأن الطريق إلى قلوب الشباب يمر اليوم عبر الشاشات كما يمر عبر الكنائس.