لعبة "تيترس" ومتعة البناء والهدم

لعبة "تيترس" ومتعة البناء والهدم

09 ابريل 2021
الصورة
رحل بداية هذا العام بطل العالم في اللعبة (Getty)
+ الخط -

فارقنا بداية هذا العام جوناس نيوباور Jonas Neubauer، عن 39 عاماً. نيوباور، المعروف بـ ملك التيترس، حاز على بطولة اللعبة العالميّة سبع مرات. البطولة التي تأسست في الولايات المتحدة عام 2010، واستقطبت هواة اللعبة ومحترفيها من كل أنحاء العالم.
بدأ نيوباور اللعبة منذ أن كان بعمر الست أو السبع سنوات. وفي عام 2006، كان أول من حقق 999،99 نقطة في اللعبة الروسيّة التي يعود اختراعها إلى عام 1984. والمحزن، أن سبب رحيله غير معروف. فجأة تعرض لأزمة قلبيّة، وفقد وعيه ولم يستيقظ من بعدها.
قبل وفاة نيوباور بسنوات، بلغت مشاهدات المباراة بينه وبين جيف موري الملايين على يوتيوب، الرقم الآن يتجاوز الـ13 مليون مشاهدة، خصوصاً أن نيوباور فنّان، تتراكم الأعمدة والمربعات أمامه، ليزيحها بعدها بضربة واحدة. أسلوب أسر المشاهدين محترفين وهواة، تشكيلات مستحيّلة، يزيحها نيوباور بحركتين أو ثلاث.


يمكن القول إن جوناس من "المعلمين". وهذا ما نكتشفه في الوثائقي المنتج عام 2011 بعنوان "نشوة التنظيم: معلمو التيترس"، إذ نعرف كيف واجه نيوباور زملاءه في البطولة التي كانت تجري ذاك العام المرحلة 29، أو ما يسمى بـ"شاشة القتل"، حيث "تقع" القطع بسرعة رهيبة، التفاصيل التي نقرأ عنها في مقال نشر في "ذا نيويوركر" مؤخراً يحدثنا كاتبه عن أثر اللعبة على الجيل الجديد وما طوره من تقنيات.
هذه النشوة المرتبطة بالتيترس، طور إثرها اللاعبون تقنيات جديدة، أو ما يسمى بـ "النقر الفائق"؛ فالبعض يستخدم يداً واحدة فقط للعب، كي ينقر ويحرك بسرعة، تصل إلى 15 نقرة في الثانية. وفي عام 2018، تم اكتشاف أول لاعب يصل إلى المرحلة 31 في اللعبة. الأمر انتشر عالمياً على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالطبع وصل الأمر لجوناس نيوباور.
واجه نيوباور صاحب الرقم القياسي الجديد، جوزيف سايلي، وتمكن الأخير من الانتصار عليه. لكن بقي نيوباور معلم تدوير القطع بصورة خياليّة، أماكن مستحيلة تنقلب فيها القطعة الجديدة، وتطيح بعدد غير متوقع من الخطوط الأفقيّة. وبالرغم من التطويرات والتحديثات التي طرأت على اللعبة، بقي شكلها الكلاسيكي مساحة المعلمين، خصوصاً أن الكثير من اللاعبين ونيوباور منهم، "يدرسون" تسجيلات الألعاب القديمة، لرصد العلاقة بين القطع ونوعها وسبب فشل بعض الحركات، بل إن بعضهم طور مخططات، يقوم عبرها ببناء البرج الذي يريد، ثم يطيح به حين تصل القطعة المناسبة.


نيوباور كان عراب اللعبة، ووفر للهواة والمحترفين ساعات من التمرينات والنصائح التي تمكنهم من الوصول إلى الاحتراف، واختبار متعة التيترس.
المثير للاهتمام أن التيترس تتملك فوائد معرفيّة تساعد في تطوير الإدراك والعمليات الرياضيّة، والتركيز، خصائص قد يتجاهلها البعض، لكن المفارقة أن اللعبة لا تثير الملل، بل تحرك الإحباط، فنتيجة برمجة النسخة الكلاسيكيّة منها، لا بد من الخسارة نهاية، بسبب تسارع سقوط القطع حد عدم قدرتنا على إدراكها بأعيننا، بالتالي نحن أمام رهان خاسر، لا علاقة للمهارة فيه، بل عجز بشريّ عن إدراك سرعة معالجة الآلة للمعلومات.
أدخلت على اللعبة العديد من التعديلات، إذ أصبح بإمكان اللاعبين الحفاظ على قطعة لاستخدامها لاحقا، بل ومعرفة القطع الثلاث القادمة. كما أدخلت تحديات لا يبدأ فيها اللاعب من الصغر، بل من مجموعة قطعة متراكمة، عليه شق طريقه بينها بناءً وهدماً، مع ذلك يبقى سحر النسخة الكلاسيكيّة هو الأشد.... خصوصاً أن اللعبة تراهن على الميل نحو الكمال، النهاية المثالية هي تلاشي كل القطع، ليس بناؤها وتراكمها. هناك نشوة ما تعتلي اللاعب حين يراكم القطع بانتظار أن تتلاشى ربما كلها، دفعة واحدة، الفن الذي حاول نيوباور أن يتقنه.

المساهمون