لحظة جاز على مفترق أوروبي... ارتجالات النرد

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:15 (توقيت القدس)
صاحب شهاب في ميلان عام 1960 (والتر موري/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اختتم مهرجان الجاز الأوروبي في الدوحة فعالياته، مسلطًا الضوء على الجاز الأوروبي الذي يتميز بشخصيته المستقلة عن الجاز الأمريكي، مع التركيز على الإصغاء كعنصر جمالي ووجودي.
- في عام 1969، التقى الفلسطيني علي القزق والأميركي صاحب شهاب في كوبنهاغن، حيث جمعتهما روح الجاز، مما يعكس تداخل الثقافات والقصص الشخصية.
- بعد اللقاء، واصل القزق نضاله في أستراليا، بينما أصبح شهاب من أعلام الجاز في أوروبا، مما يبرز دور الفن في التعبير عن النضال والهوية.

منحتنا ثلاثة أيام من مهرجان الجاز الأوروبي، المختتمة الجمعة الماضي على كورنيش كتارا في الدوحة، فرصة الإصغاء إلى موسيقيين من الجيلين الثاني والثالث، ورثوا هذا الجاز بملامحه الأوروبية المتبلورة مطلع الستينيات، مبتعدة عن المنبع الأميركي.
نستعمل كلمة "الإصغاء" لأنها مفتاح جاز بدأ يستقل بشخصيته خارج القبضة الإيقاعية الأميركية المكثفة، وبوصف الإصغاء بنية جمالية ووجودية تنتج موسيقى متخففة من الازدحام، متسعة للفراغات، ومُعليةً من شأن الصمت.
قبل ستة عقود، وُلد هذا الجاز في سياق مغاير. لا توجد في أوروبا آليات رقابة اجتماعية تحاكم الجسد الأسود، كما هي الحال في الولايات المتحدة. هناك، علناً، قوانين تمييز من فرط فظاظتها أن سماها مناهضو التمييز قوانين جيم كرو. وهذا لم يكن وزير داخلية عنصرياً، بل شخصية ممثل مسرحي أبيض كان يطلي وجهه بالأسود، ويسخر من السود، قبل 130 سنة على حادثة طرد روزا بارك من الحافلة، لأنها سوداء لم تترك مقعدها لرجل أبيض.

نحن نصغي اليوم إلى الروزنامة، إلى لحظة "جاز" إن جاز التعبير. عندما التقت عام 1969 روحان في كوبنهاغن العتيقة: الفلسطيني اللاجئ والأميركي الأسود. التقيا في مسافة كيلومترين بين المسجد ودار مونمارتر Jazzhus Montmartre، إحدى مرجعيات الجاز الأوروبي.
قبل مهرجان الجاز الأوروبي ببضعة أشهر، حلّت مئوية ميلاد موسيقي الجاز صاحب شهاب المولود في يونيو/حزيران 1925، الذي لم يعمر أكثر من 64 عاماً حتى 1989، بسبب سرطان الكبد.
في عقدي الستينيات والسبعينيات، كان شهاب طاقة كبيرة في تأسيس الجاز الأوروبي، حاملاً مع رفاقه لغة البيبوب، ثم غدا أحد أعلام الهارد بوب عبر الساكسفون، لا سيما الباريتون، سواء من خلال عمله مع فرقة كلارك-بولاند بيغ باند، أو تسجيلاته الأوروبية المنفردة. كما يسجل تاريخ هذا اللون الموسيقي إسهامه في ترسيخ حضور الفلوت داخل الجاز الحديث.
قبل مئوية شهاب، رحل علي القزق في مايو/أيار الماضي عن عمر 78 عاماً، وهو اسم لا يُبارى في النضال من أجل قضيته داخل القارة الأسترالية وجنوب المحيط الهادئ، حين كان ممثل منظمة التحرير في تلك الأرض النائية التي تبدو كوكباً مستقلاً في أعين العرب، والمستفرد بها من القوى الصهيونية.

كانت لحظة الجاز عام 1969. عليّ ابن الاثنين والعشرين عاماً وشهاب ضعفه تماماً، 44 عاماً. أحدهما يركض في الحياة والثاني يتمشى. روحان جاءتا من دربين مُرتجَلين. الساكسفون يرتجل، والمصادفات نفسها، منذ الأزل، تُرتجل أيضاً. وكان شاعرنا محمود درويش مجرد واحدة منها إذ يقول "أنا لاعب النرد".
ثم كأن ذلك ليس كذلك، حين يرتد صدىً من آينشتاين فيقول إن الفيزياء نطقت: "الله لا يلعب النرد". مَن منهما أصاب، ومَن أخطأ؟ الجواب المرتجل: كلاهما على صواب.
هذا الارتجال في الجاز يتحرك في مساحة رمادية يتحرك فيها "لاعب النرد"، وفي المساحة نفسها التي يأبى آينشتاين تصديق وجودها. هنا منطقة الاحتمال، حيث نريد خلق الفن والحرية والاختلاف.
إذا عرفنا من هو صاحب شهاب، وهو الاسم البارز في سياق أي حديث عن الجاز، فإن القصة التي رواها علي القزق في سيرته الملهمة "أستراليا وفلسطين.. نضال في المنفى البعيد" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تصلح لفيلم روائي على 35 ملمتراً، تغطي التراجيديا الفلسطينية في مداها الجغرافي، بما فيها من لحم درامي تظهر مساماته في بورتريه كل واحد منا.
وصل علي إلى كوبنهاغن صيف عام 1969، بعد تخرجه من كلية التجارة في جامعة دمشق، وكان قد التحق بحركة فتح عام 1968. أقام مؤقتاً في ملحق تابع لمسجد يشرف عليه رجل باكستاني، تصادف أنه يعرف خال عليّ، الخال المنحدر من عائلة دمشقية، ريثما يتدبر الفتى أمره ويجد شغلاً. كان عليّ مولعاً بالجاز، وقد عزف في المدرسة على الترومبيت مصاحباً أناشيد الثورة الفلسطينية.

لا نعرف أين التقى الاثنان. هل قدم شهاب ليصلّي، أم كان عليّ ذاهباً إلى دار الجاز؟ وهذه التفصيلة التي لم يذكرها القزق، تجعلنا نفكر في المحذوف، لا ترفاً، بل: لكم هو موهوب، لأنه محذوف، وموهبته كامنةٌ في حريته حين لا يعود مهماً أبداً ملء الفراغ نيابة عني وعنك. ملؤه يعني مصادرته.
الشاب يقيم في ملجأ - ملحق مسجد، والموسيقي ربما لم يعرف المسجد مرةً، وربما كان يتردد عليه كل يوم. لقد كانت موجة إسلام فناني الجاز بالعشرات أمراً لافتاً، لمن قرروا ترك حتى أسمائهم، مثل صاحب شهاب الذي كان إدموند غريغوري. لقد كان المناخ عصابياً والسود يخوضون حرباً على ذواتهم إن واصلت الإذعان لقوانين جيم كرو اللئيمة.
بحسب ريتشارد برنت تيرنر مؤلف كتاب "الموسيقى المصاحبة لحركة: الإسلام الأفروأميركي، الجاز، والوعي الدولي الأسود"، فإن: الإسلام في موسيقى البيبوب، والهارد بوب، والفري جاز لم يكن لاهوتياً جذرياً، بقدر ما كان سياسة، وشعراً، وثقافة "كول".
وصل القزق إلى أستراليا قادماً من الدنمارك عام 1970، بعد أن مكث ستة أشهر في كوبنهاغن، وكان في الثانية والعشرين من عمره، حاملاً شهادة التجارة من جامعة دمشق، ساعياً إلى الرزق، قبل أن يتقدم بطلب هجرة إلى كندا وأستراليا وانتظار نصيبه.
أما شهاب فوصل إلى أوروبا في عام 1959، وأقام أولاً بضع سنوات بين السويد ودول أخرى، إلى أن أسره سحر كوبنهاغن، فاختارها مستقراً لحياته الموسيقية بوصفها عاصمة محورية للجاز، وموطناً لبيته مع زوجته مايكن غولمان، مضيفة الطيران الدنماركية.

وقف الموسيقي، الذي عزف مع ثالونيوس مونك، وديزي غيليسبي، وآرت بلاكي، وطبقت شهرته قاعات أوروبا، أمام شاب فلسطيني قال له دفعة واحدة إنه يعزف الترومبيت، ويحلم بتعلّم الساكسفون. رحّب شهاب قائلاً إن ذلك "سيبدأ فور استقرارك في البلد".
لكن جهيزة الأسترالية قطعت قولَ كل خطيب. فقد وصلت تأشيرة الهجرة، ورحل الشاب إلى ذلك المنفى البعيد، ووحيداً إلى حد كبير كان القزق يخوض معاركه ضد القوى الصهيونية ويبني بيدين عاريتين وجوداً للسردية الفلسطينية، بوصفه ممثل منظمة التحرير.
كان يتواصل بقوة مع سكان أستراليا الأصليين، والمتنورين الملونين من كل لون بشري، لا يجمعهم في صفّ متراصّ معه سوى إيمانهم بعدالة قضيته. إنها قضية سهلة، ويمكن لأي طفل في العالم أن يفهمها ببضع كلمات.

مضت السنين وصار عمره عام 1989 بنفس عمر عازف الساكسفون حين كان يعبر طريقاً ما بين المسجد ودار الجاز قبل عشرين سنة. أحزنه خبر موت صاحب شهاب. لقد عاد الرجل إلى أميركا ورجع إلى الدنمارك غير مرة، إلى أن عاد آخر مرة وقد تمكّن منه المرض فمات في تينيسي.
أما علي القزق فغادر من أستراليا إلى فلسطين، وكان على موعد في عمّان، لتسلم نسخ من كتابه، لكن قلبه توقف في بانكوك، وعاد جثمانه إلى عائلته في أستراليا.

نحن نتذكر ذاك اللقاء اليوم بعد 56 عاماً، مع اسمين ينتهي رسمياً وصفهما بعازف جاز وممثل منظمة التحرير، غير أن موسيقى الجاز بالتحديد هي من يفتح شهية السؤال المتخيل "ماذا لو؟". ماذا لو كان إدموند غريغوري أشقر؟
وماذا لو بقيت أم عليّ في حيفا، ولم تأخذ طفلها الرضيع إلى دمشق لزيارة والدها المريض، ثم تقع النكبة، وينفصل الوالدان بعد سنوات، ويتزوج كل منهما زواجاً جديداً. بالوثائق: أصبح الأب مواطناً بجواز إسرائيلي، والأم سورية، والابن لاجئاً فلسطينياً. هل كان سيلتقي الشاب عازف الترومبيت معلّم الباريتون ساكسفون؟
الجاز يحرض، في نشأته على الهامش المزدرى يحرض، ويرفض، ويحزن لأن عينه قد تغضي أمام المخرز، ويرفض في سره، وينثني على ضلوعه ورئتيه ويعزف. كيف ستنتهي المقطوعة؟ البصيرة تعرف، وما عليك سوى أن تعزف بكل ما تملك، وما عليك سوى أن تسير على الطريق بقدميك.

المساهمون