كيف يحفّز الفوز على الغريم دماغ مشجعي كرة القدم؟

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:48 (توقيت القدس)
جماهير ليفربول تحتفل مع الفريق بتتويجه بلقبه العشرين، 26 مايو 2025 (جيس أورنبي/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة في مجلة Radiology أن مشاعر مشجعي كرة القدم تتجلى في نشاط الدماغ عند الفوز أو الخسارة، حيث ترتفع إشارات المكافأة عند الانتصار وتتراجع إشارات السيطرة الإدراكية عند الهزيمة، خاصة لدى المشجعين المتعصبين.
- الفوز يعزز هوية "نحن" وروابط الانتماء، بينما الخسارة تقلل نشاط مناطق الدماغ المسؤولة عن الضبط المعرفي، مما يفسر هشاشة السيطرة على الانفعالات.
- يمكن استخدام نتائج الدراسة لتطوير أدوات تهدئة الدماغ في ملاعب كرة القدم ومجالات أخرى، مع التأكيد على حماية الطفولة كاستراتيجية وقائية.

لا تبقى مشاعر جماهير كرة القدم حين تشاهدو فريقها المفضل حبيسة المدرجات، بل تظهر مباشرة على خرائط نشاط الدماغ خلال ثوان من لحظات الفوز أو الخسارة أمام الغريم التقليدي (الأهلي والزمالك في مصر على سبيل المثال)، وفقاً لنتائج دراسة جديدة نشرت يوم 11 نوفمبر/تشرين الثاني في مجلة Radiology.

استخدم الفريق البحثي التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لالتقاط هذه الاستجابات لحظة بلحظة، وخرج بخلاصة بسيطة مفادها أن إشارات المكافأة في المخ ترتفع عندما ينتصر فريقك على خصمه اللدود، بينما تتراجع إشارات الفرملة الإدراكية عند الهزيمة، خصوصاً لدى الأكثر تعصباً. تمتعت العينة البحثية بتماسك منهجي واضح، إذ استندت الدراسة إلى 60 مشجعاً تراوحت أعمارهم بين 20 و45 عاماً، جميعهم في صحة جيدة وينتمون إلى جمهور فريقين تاريخيين متنافسين. وقاس الباحثون مستوى التعصب الرياضي بمقياس معتمد مكون من 13 بنداً يغطي بعدين أساسيين: الميل إلى العنف وشعور الانتماء. في أثناء التصوير الدماغي، عرض على المشاركين 63 مقطعاً لأهداف مسجلة في مباريات لفريقهم، ولفريق الغريم، ولفرق محايدة، وهي بنية تجريبية سمحت بمقارنة دقيقة بين استجابة الدماغ في حالتي الانتصار الكبير (تسجيل فريق المشجع في شباك الغريم) والهزيمة الكبيرة (تسجيل الغريم في شباك فريق المشجع)، مع توفير حالات ضبط لأهداف لا تشمل الغريم.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة فرانسيسكو ثامورانو، أستاذ العلوم الطبية المشارك في جامعة سان سيباستيان في تشيلي، إن النتائج أظهرت أن الفوز على الغريم التاريخي ينشط دوائر المكافأة في الدماغ بدرجة تفوق الفوز على فريق عادي، وهي زيادة تترجم إلى تعزيز فوري لهوية "نحن" وروابط الانتماء. في المقابل، ارتبطت الخسارة أمام الغريم بانخفاض ملحوظ في نشاط منطقة أمامية معروفة بدورها في الضبط المعرفي وكبح الاندفاع، الأمر الذي قد يفسر هشاشة السيطرة على الانفعال والسلوك في لحظات الشدة. يضيف الباحث، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "المنافسة تعيد ضبط توازن الدماغ بين تقييم المكافأة والسيطرة على النفس خلال ثوان. في الانتصار الكبير نرى تضخيماً لإشارات المكافأة، وفي الهزيمة الكبيرة يظهر كبح غير متوقع لإشارات السيطرة. هذه الاستجابة تكون أوضح لدى الأكثر تعصباً، ما يفسر قدرة بعض الأشخاص على الانقلاب انفعالياً في مواقف محددة رغم اتزانهم في الحياة اليومية".

يظهر تحليل شدة الإشارات العصبية أن دوائر المكافأة في الدماغ لا تستجيب بدرجة واحدة لكل الأهداف المسجلة، إذ يتضخم الأثر عندما يكون الهدف في مرمى الغريم التقليدي. يدعم هذا التفصيل فكرة أن الهوية الجماعية لا تشعل العاطفة فحسب، بل تعيد أيضاً ترتيب الأولويات داخل الدماغ بسرعة لافتة: فنحن نكتسب شعوراً إضافياً بالرضا حين "نؤذي" الخصم التاريخي، ونختبر تهديداً مضاعفاً حين يسجل هدفاً في فريقنا. في المقابل، يظهر تراجع نشاط مناطق السيطرة العصبية أن محاولة التزام الهدوء تحت ضغط الانتماء قد تفشل مؤقتاً، وأن استراحة قصيرة أو ابتعاداً لبضع ثوان عن المثير قد يكون كافياً لإعادة توازن الإشارات.

يقول فرانسيسكو ثامورانو إن كرة القدم ليست سوى نموذج ملموس لدراسة ظاهرة أعمق، ويضيف أن "النمط العصبي نفسه - مكافأة أعلى عند الخصومة وضعف في الضبط لحظة التهديد - يتجاوز الرياضة إلى الاستقطاب السياسي والانقسامات الهوياتية".

ويشير الباحث إلى أن أهمية الدراسة لا تقتصر على الوصف، بل تتعداه إلى التطبيق العملي. فالتصميم التجريبي وفر ما يشبه "ساعة توقيت" عصبية يمكن بوساطتها اختبار ما يهدئ الدماغ وما يشعله. تتيح النتائج إمكانية تجربة أدوات مختلفة، مثل إعادة صياغة الرسائل، والإنصاف في قرارات الحكام والمنظمين، وطريقة تصميم مسار الحدث، وإدارة الحشود قبل الذروة وأثناءها وبعدها. يمكن أن تبدأ هذه التجارب في ملاعب كرة القدم ثم تنقل دروسها إلى ميادين أوسع، من الحملات الانتخابية إلى المنصات الرقمية التي تتكاثر فيها المشكلات. ويؤكد ثامورانو أن دوائر التقييم والسيطرة تتشكل مبكراً تحت تأثير الرعاية الأسرية، وضغوط الطفولة، وأنماط التعلم الاجتماعي؛ ويوصي بأن حماية الطفولة هي أقوى استراتيجية وقائية.

المساهمون