كيف شرعن الإعلام الغربي العدوان الإسرائيلي على لبنان؟

30 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 12:51 (توقيت القدس)
موقع استهداف إسرائيلي لصحافيين في حاصبيا جنوب شرقي لبنان، 25 أكتوبر 2024 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- كشف تحقيق صحافي عن تورط مؤسسات إعلامية غربية كبرى في إضفاء الشرعية على العدوان الإسرائيلي على لبنان، من خلال تبني روايات الاحتلال وتجاهل الضحايا، مما أدى إلى تآكل الثقة بين الجمهور والإعلام.

- أشار التحقيق إلى أن مرافقة الصحافيين للقوات العسكرية أصبحت أداة دعائية، حيث تُكرس الرواية العسكرية وتُقلل من مأساة المدنيين، مما يبرر العدوان الإسرائيلي ويتجاهل السياق التاريخي والجيوسياسي.

- استهدفت القوات الإسرائيلية الصحافيين وفرضت رقابة صارمة، مما جعل التغطية الإعلامية أقرب إلى الدعاية، مع استبدال التحليل الصحافي بأصوات مسؤولي الجيش والسياسة الإسرائيليين.

تورطت مؤسسات الإعلام الغربي الكبرى، بينها "واشنطن بوست" و"بي بي سي" و"نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" و"رويترز" و"أسوشييتد برس"، في إضفاء الشرعية على العدوان الإسرائيلي على لبنان، عبر تبني روايات قوات الاحتلال ونشرها من دون تدقيق، وتجاهل الضحايا وتجريدهم من إنسانيتهم، وفقاً لتحقيق موسّع أعده الصحافي الاستقصائي اللبناني حبيب بطّاح مع الصحافيتين أنيا سيزادلو وكريستينا كافالكانتي لصالح موقع مصدر عام (The Public Source).

وفق التعريف الوارد على الموقع، فإن "مصدر عام" هو "مؤسسة إعلامية مستقلة مقرها بيروت، متخصّصة بتغطية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي أصابت لبنان منذ تطبيق السياسات الحكومية النيوليبرالية في التسعينيات، وتركز على تقديم قراءة سياسية معمقة للواقع من المنظور اليساري".

جولات أكتوبر 2024

تحت عنوان "المروّجون الطوعيون لإسرائيل: ما لا يخبرك به الإعلام عند مرافقة الجيش"، أشار التحقيق إلى أن المؤسسات الإعلامية التي شاركت في جولات ميدانية نظّمها جيش الاحتلال العام الماضي قدّمت تغطيات اعتمدت بشكل شبه كامل على المصادر العسكرية الإسرائيلية، وخلت من أي مساءلة أو تحقق من الوقائع، ما جعلها أقرب إلى مواد دعائية منها إلى عمل صحافي مستقل. وسلط التحقيق الضوء على الممارسات المتكررة لظاهرة "الصحافيين المرافقين للقوات العسكرية" (embedding)، إذ تقدم هذه الممارسة بوصفها وسيلة لجمع الأخبار، بينما تساهم عملياً في التغطية على انتهاكات جسيمة. نقل التقرير عن صحافية في "بي بي سي" مقرها بيروت قولها: "عندما يُطلب منا تجاهل السياق وعدم تسمية ما يحدث في غزة بالإبادة الجماعية، فهذا لم يعد صحافة، بل دعاية".

وأكد التحقيق أن مثل هذه الإخفاقات ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة طويلة من الانهيارات المهنية التي عمّقت أزمة الثقة بين الجمهور والإعلام، خصوصاً منذ "الحرب العالمية على الإرهاب"، إذ تحوّلت تغطية كثير من وسائل الإعلام الغربية للشرق الأوسط إلى أداة تضليل ممنهج.

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، رافق وفد مختار من صحافيين عالميين من "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" و"بي بي سي" قوات الاحتلال في جولات ميدانية للقرى الجنوبية اللبنانية، بعد أسبوعين من بدء العدوان. استعرضت التقارير الأضرار والمعارك، لكن الصحافيين تجاهلوا أن وجودهم كان ضمن مشروع احتلال عسكري خارج نطاق القانون الدولي. أوضح خبراء لـ"مصدر عام" أن هذه المرافقة لم تكن مجرد تغطية صحافية، بل مشاركة ضمن "مشروع عنف عابر للحدود". قال محمد بزي، أستاذ مشارك في الصحافة ومدير مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة نيويورك: "هذا النقص في السياق ــ تاريخي، جيوسياسي، اجتماعي ــ يُعد إخلالاً بالممارسة الصحافية في معظم الحالات. خذوا حالة أوكرانيا: لو نظمت روسيا جولة مشابهة، من غير المحتمل أن يوافق صحافيون غربيون على المرافقة تحت هذه الظروف مع قوات روسية في الأراضي الأوكرانية".

حينها ندد محامون وناشطون لبنانيون، إضافة إلى حزب الله، بالمشاركة الإعلامية في الجولة الإسرائيلية. وداخل مكتب "بي بي سي" في بيروت، أضرب صحافيون احتجاجاً على التغطية، معتبرين أنها أضرت بسمعتهم وبسمعة المؤسسة، في حين وُصفت التقارير بأنها أقرب إلى دعاية عسكرية منها إلى صحافة مستقلة.

التاريخ الطويل لظاهرة المرافقة العسكرية

أشار التحقيق إلى أن تاريخ مرافقة الصحافيين للقوات العسكرية يرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر، خلال الحرب المكسيكية-الأميركية والحرب الأهلية الأميركية، فقد كان المراسلون يقدمون تقارير مباشرة من ساحة المعركة، وبعضهم من الجنود السابقين. استمر هذا التقليد في القرن العشرين، لكنه تغيّر خلال حرب فيتنام، عندما أدرك القادة الأميركيون أن مشاهدة الحرب عن كثب قد تضعف الدعم الشعبي، فحُرم الإعلام من الوصول إلى الغزوات العسكرية، وظهرت "المرافقة" أداة دعائية منظمة بالكامل خلال غزو العراق عام 2003، حين أُدمج نحو 700 صحافي ضمن وحدات الجيش الأميركي. وأوضح المحلل الإعلامي والمنتج الراحل داني شيتشر، المعروف باسم "مفكك الأخبار"، أن مسؤولي الحكومة الأميركية كانوا يعتبرون الحرب "سلعة" تباع وتسوّق: "لقد باعوا الحرب، ونحن اشترينا الخبر".

إعلام وحريات
التحديثات الحية

على الرغم من بعض الاستثناءات، كانت التقارير والصور التي أنتجها الصحافيون المرافقون للقوات غالباً ما تكرّس الرواية العسكرية وتقلّل من مأساة المدنيين. فقد وثق المصوّر الحربي الراحل كريس هوندروس في 2005 لحظة مأساوية: طفلة عراقية تُدعى سمر حسن تصرخ بعد أن قتلت القوات الأميركية والديها عند نقطة تفتيش، في صورة صدمت العالم. لكن مثل هذه اللحظات نادرة وغالباً ما تضيع وسط بحر من التغطية الدعائية التي تمجد الجيش وتبرر مهمته، بينما تُخفف من وقع العنف على المدنيين. وحذّرت الصحافية آن بارنارد من مغبة فقدان الحس النقدي عند الصحافيين المرافقين، مشددة على أن التغطية الجيدة تجمع بين الوصول إلى القوات المرافقة والسياق والتحقق من مصادر أخرى على الأرض. لكن، كما حدث في لبنان وغزة اليوم، غالبيّة التغطيات المرافقة في العراق قدّمت التدخل العسكري على أنه الحل الضروري، ووصفت المقاومة ضده بالمشكلة، في حين ساعدت هذه التغطيات الإعلامية على تعزيز ما وصفه المحلل الراحل داني شيتشر بـ"السردية الرئيسية" التي جعلت التدخل العسكري الأميركي حلاً وحيداً، وسوّقت الرواية بذكاء وغطاء إعلامي شبه كامل.

استهداف الصحافيين والعاملين في الإعلام

كما استهدفت القوات الأميركية صحافيين لم يكونوا ضمن دائرة المرافقة، بدءاً بغارات 2003 على مكتب "الجزيرة" في بغداد التي أودت بحياة مراسلها طارق أيوب، وصولًا إلى حادثة "القتل العرضي" الشهيرة 2007 التي كشف عنها "ويكيليكس"، ما يوضح أن التغطية المرافقة لم تكن مجرد أدوات صحافية، بل جزء من منظومة دعاية عسكرية شاملة تحمي القوات وتستهدف من يوثق الأحداث من خارج الدائرة.

تحمل القوات الإسرائيلية اليوم الرقم القياسي العالمي في قتل الصحافيين والعاملين في الإعلام، إذ قتلت 246 صحافياً فلسطينياً في غزة خلال 22 شهراً، أكثر مما قتل في الحروب الكبرى في التاريخ الحديث مجتمعة، وفق مشروع تكاليف الحرب – جامعة براون. كما فرضت على وسائل الإعلام الغربية شبه حصار على التغطية الميدانية في غزة. وفي لبنان، قتلت القوات الإسرائيلية المصور الصحافي في وكالة رويترز عصام العبدالله في منطقة علما الشعب في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، واستهدفت مسيّرة إسرائيلية فريق عمل قناة الميادين ببلدة طير حرفا في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، مما أدّى إلى استشهاد مراسلة القناة فرح عمر والمصوّر ربيع معماري، كما قتلت المصور في قناة المنار وسام قاسم، والمصور في قناة الميادين غسان نجار، ومهندس البث في قناة الميادين محمد رضا، بغارة استهدفت مقر إقامتهم في حاصبيا جنوبي البلاد، في 25 أكتوبر 2024.

الرقابتان العسكرية والذاتية

سمح هذا الواقع للصحافيين الغربيين المشاركين في جولات أكتوبر 2024 بمتابعة أحداث الغزو الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية محتلة، مع تجاوز رقابة الجيش الإسرائيلي الصارمة، التي تتطلب توقيع وثائق والالتزام بالرقابة العسكرية قبل النشر. ووصفت التقارير هذه الجولات بأنها أقرب إلى رحلات دعائية نظمت لأغراض العلاقات العامة، لا مرافقات عسكرية صحافية تقليدية. وحذر التحقيق من أن معظم التغطيات المرافقة كانت متجانسة في اللغة والنبرة، متجاهلة السياق التاريخي، وكذلك استهداف وقتل صحافيين لبنانيين في مناطق قريبة من نقاط الجولة، وهو ما يعكس "الذاتية الإعلامية المفرطة والتجريد من الإنسانية" في التغطية الغربية. حلّت أصوات مسؤولي الجيش والسياسة الإسرائيليين محل كل التحليل الصحافي تقريباً، من الجنرالات إلى الجنود العاديين، ومن التصريحات الرسمية إلى مراكز الفكر المدعومة من الحكومة. أبرزت وسائل الإعلام الغربية المرافقة الادعاءات الإسرائيلية نفسها، مثل تخطيط حزب الله لهجوم على إسرائيل في 7 أكتوبر وضرورة تدمير بنيته التحتية، وإظهار الأمم المتحدة تهديداً لأمن إسرائيل، من دون أي تحقق مستقل أو معارضة للنصوص الرسمية. قليلون فقط حاولوا تقديم نقد أو صوت خارجي، وظهرت بعض التقارير من هذا النوع في "بي بي سي" و"أسوشييتد برس"، لكن بقية التقارير اكتفت بنقل حرفي لنقاط الحديث العسكرية.

المساهمون