استمع إلى الملخص
- قارنت الدراسة بين مراهقين يربون كلباً وآخرين لا يمتلكون واحداً، ووجدت أن المراهقين مع الكلاب يتمتعون بصحة نفسية أفضل ومشكلات اجتماعية أقل، مع تغييرات في نسب بكتيريا الفم.
- نقل الباحثون ميكروبات الفم من مراهقين مع كلاب إلى فئران، مما أظهر تأثيراً إيجابياً على سلوك الفئران، مشيرين إلى أهمية الكلاب في تعديل البيئة الميكروبية.
كشفت دراسة جديدة عن سبب غير متوقع يقف خلف التحسن النفسي الذي يشعر به كثيرون عند تربية الكلاب في منازلهم، إذ تشير النتائج إلى أن وجود الكلب لا يوفر الرفقة فقط، بل قد يغير أيضاً تركيبة الميكروبات التي تعيش في أجسام المراهقين، ما ينعكس على صحتهم النفسية وقدرتهم على بناء علاقات اجتماعية أفضل.
تنطلق الدراسة التي نشرت يوم الثالث من ديسمبر/ كانون الأول الحالي في مجلة iScience من فكرة بسيطة، مفادها أن ما نراه من تحسن نفسي لدى أصحاب الكلاب قد يكون مرتبطاً بأعمق مما نتصور، وتحديداً بعالم الميكروبات الذي يعيش معنا داخل الأمعاء وعلى الجلد وفي الفم. هذه الميكروبات، كما تشير الأبحاث الحديثة، لا تؤثر فقط في الهضم أو المناعة، بل تتصل أيضاً بالدماغ والسلوك من خلال ما يعرف بـمحور الأمعاء – الدماغ، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة تاكيفومي كيكوسوي (Takefumi Kikusui)، أستاذ علم سلوك الحيوان في كلية الطب البيطري في جامعة أزابو اليابانية.
يقول كيكوسوي في تصريحات لـ"العربي الجديد" إن فريقه لاحظ في دراسات سابقة أن المراهقين الذين ينشأون مع كلب في المنزل يشعرون بمستويات أعلى من الدعم الاجتماعي والرفقة، كما أظهرت دراسات أخرى أن أصحاب الكلاب يملكون تنوعاً ميكروبياً أكبر في الأمعاء، وهو عامل يرتبط بصحة نفسية أفضل. لذلك، طرح الفريق سؤالاً جديداً: هل يمكن أن تكون بعض هذه الفوائد النفسية ناتجة من الأساس عن تغيرات في الميكروبيوم؟
في المرحلة الأولى من الدراسة، تابع الباحثون مجموعة من المراهقين بعمر 13 عاماً، وقارنوا بين من يعيش مع كلب ومن لا يمتلك واحداً؛ ووجدوا أن المراهقين الذين يربون كلباً يحصلون على درجات أفضل في اختبارات الصحة النفسية، وأن المشكلات الاجتماعية لديهم، مثل الشعور بالعزلة أو صعوبة تكوين صداقات، كانت أقل بوضوح.
ثم انتقل الفريق إلى خطوة أدق، وهي جمع عينات من ميكروبات الفم لكلا المجموعتين. بعد تحليل الحمض النووي للميكروبات، اكتشف الباحثون أن عدد الأنواع البكتيرية كان متشابهاً، لكن التركيبة نفسها كانت مختلفة، ما يعني أن وجود الكلب في المنزل قد يكون كافياً لتغيير نسب بعض البكتيريا في الفم. ورغم بساطة هذا التغير، اعتقد الفريق أنه قد يرتبط بالاختلافات النفسية التي ظهرت في المجموعة الأولى.
لكي يختبر العلماء هذه الفرضية مباشرة، أجروا تجربة "جريئة": نقلوا ميكروبات الفم من المراهقين الذين يمتلكون كلباً إلى فئران مخبرية، وراقبوا ما إذا كان ذلك سيؤثر في سلوكها الاجتماعي. وجاءت النتائج لافتة، إذ أصبحت الفئران أنشط اجتماعياً، وقضت وقتاً أطول في شم الفئران الأخرى في الأقفاص القريبة، وأظهرت رغبة أكبر في الاقتراب من فأر محبوس، وهو اختبار معروف لقياس التعاطف أو السلوك الإيجابي لدى الحيوانات.
يقول كيكوسوي إن أكثر ما لفت انتباه الفريق هو أن هذه التغيرات السلوكية ارتبطت بنوع محدد من البكتيريا التي ظهرت بكثرة في ميكروبات المراهقين أصحاب الكلاب، مضيفاً أن الفائدة الأساسية لتربية الكلاب لا تقتصر على شعور المراهق بالطمأنينة أو الرفقة، بل يبدو أنها تمتد إلى مستوى أدق بكثير، وهو تعديل البيئة الميكروبية داخل الجسم بطريقة تؤثر في الدماغ والسلوك.
ورغم أن الدراسة لا تقول إن تربية الكلاب يمكن أن تعالج مشكلات الصحة النفسية، فإن الباحثين يرون أن النتائج تقدم دليلاً مهمّاً على أن الحيوانات الأليفة قد تلعب دوراً في حياة المراهقين أعمق مما نعتقد، وأن وجود كلب في المنزل، حين تسمح الظروف، قد يساعد في خلق بيئة اجتماعية ونفسية أكثر استقراراً.
يشير المؤلف الرئيسي للدراسة إلى أن العلاقة بين الإنسان والكلب ليست جديدة، بل تمتد إلى أكثر من 30 ألف عام، وهي فترة طويلة من التعايش والتفاعل ربما يكون البشر والكلاب خلالها قد تبادلوا الكثير، ليس فقط المسكن والطعام، بل وربما البكتيريا المفيدة التي تترك أثراً إيجابياً في النفس والسلوك. يشدد الباحث على أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات التي تشمل أعداداً أكبر من المشاركين، لمعرفة تفاصيل أوضح حول العلاقة بين الكلاب والميكروبات والصحة النفسية، لكنهم يرون أن النتائج الحالية تفتح باباً واسعاً لفهم جديد قد يغير الطريقة التي ننظر بها إلى دور الحيوانات الأليفة في حياة الأطفال والمراهقين.