كيف أصبحت بيانات الصحافيين سلعة للمراقبة؟

03 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
(Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أصبحت المراقبة الرقمية للصحافيين تعتمد على بيانات الهواتف الذكية المتاحة في السوق المفتوحة، مما يسهل تتبعهم دون الحاجة لبرمجيات معقدة مثل "بيغاسوس".
- أمثلة على استغلال البيانات تشمل حصول الصحافي البلجيكي نيكولا بودو على بيانات زميله مجاناً، وتعرض الصحافية المصرية بسمة مصطفى للملاحقة بعد كشف بياناتها.
- نظام المزايدة الفورية (RTB) يُستخدم لتبادل البيانات الإعلانية، مما يزيد من مخاطر تتبع الصحافيين دون اختراق أجهزتهم، وسط انتقادات لشركات مثل "مايكروسوفت" و"غوغل".

لم تعد المراقبة الاستخباراتية للصحافيين تستدعي ميزانيات ضخمة لشراء برمجيات اختراق معقدة مثل "بيغاسوس"، بل أصبحت مادة تجارية يمكن لأي جهة الوصول إليها وشراؤها في السوق المفتوحة. بيانات تحركات الأشخاص، التي تجمعها تطبيقات تبدو عادية على الهواتف، يمكن أن تنتقل عبر منظومة الإعلانات الرقمية ووسطاء البيانات إلى جهات قادرة على استخدامها لتحديد مواقع الصحافيين ومراقبة تحركاتهم، وحتى معرفة الأشخاص الذين يلتقون بهم. هذا ما كشفه تقرير استقصائي أعدته لجنة حماية الصحافيين (CPJ) بالتعاون مع مركز كار-رايان لحقوق الإنسان في كلية كينيدي بجامعة هارفارد.

لم يحتج الصحافي البلجيكي نيكولا بودو إلى دفع أي مبلغ لمعرفة المكان الذي كان فيه زميله في صحيفة لِيكو البلجيكية، إذ حصل على بيانات موقعه مجاناً من وسيط بيانات مقره الولايات المتحدة. وزوّد الوسيط الصحافي ببيانات تتبّع من أجهزة محمولة تغطي أسبوعين فقط من عام 2025، لكنها تضمّنت نحو مليون جهاز و100 مليون موقع. وأكد بودو أن هذه العينة وحدها كانت كافية لفريقه لتحديد هوية أشخاص بعينهم.

وفي حالة أخرى، عثر الصحافي الألماني إنغو داخفيتز، العامل في موقع نيتسبوليتيك، على تفاصيل تخصه شخصياً ضمن عينة مجانية مماثلة من قاعدة بيانات. وكان داخفيتز قد سمح في وقت سابق لتطبيق للطقس بتتبّع موقعه، لكنه لم يتوقع أن يجد تحركاته لاحقاً ضمن قاعدة بيانات متاحة للآخرين. وأشار داخفيتز إلى أنه شعر بصدمة كبيرة عندما رأى بعض بياناته، مضيفاً أن الأمر كان مخيفاً حتى بالنسبة إليه، رغم أنه صحافي غطى قضايا المراقبة لفترة طويلة، وكان يعرف أن أحد التطبيقات يسجل تحركاته.

كما تعرّضت الصحافية المصرية بسمة مصطفى، بعد لجوئها إلى المنفى في برلين، للملاحقة والتهديد. وفي إبريل/نيسان 2026، كشفت وسائل إعلام ألمانية عن مجموعة بيانات تجارية حصلت عليها بوصفها عينة مجانية، وأظهرت ما وصفته بـ"نمط حياتها"، بما في ذلك منزلها وأماكن أخرى زارتها. وأثارت البيانات مخاوف مصطفى من احتمال استخدام السلطات المصرية لها في تتبّع تحركاتها.

جاءت هذه البيانات من منظومة تجارية واسعة تجمع بيانات المستخدمين عبر التطبيقات والإعلانات، ثم تتيح تداولها وبيعها وإعادة استخدامها. وتكشف هذه الحالات جانباً من تحوّل أوسع في عالم المراقبة الرقمية: بيانات تُجمع في الأصل لأغراض إعلانية، لكنها يمكن أن تتحوّل إلى أداة لتتبّع الصحافيين ومصادرهم.

في تقرير استقصائي، حذّرت لجنة حماية الصحافيين من هذه المنظومة، التي وصفتها مصادر وخبراء بأنها "منظومة مراقبة" مترابطة، تضم مطوري التطبيقات، وشركات التكنولوجيا والإعلانات، ووسطاء البيانات، وشركات استخبارات الإعلانات، وصولاً إلى شركات تطور برامج تجسس يمكن إيصالها عبر الإعلانات.

تبدأ القصة من داخل التطبيقات نفسها. تمثّل حزم تطوير البرمجيات (SDKs) والمزايدة الفورية (RTB) عنصرين من أبرز القنوات التي تتيح جمع بيانات الأفراد بصورة خفية. حزم تطوير البرمجيات هي أجزاء من التعليمات البرمجية تساعد مطوري التطبيقات على بناء البرمجيات وربطها بأنظمة الإعلانات عبر الإنترنت. وقد استخدمت شركات خاصة هذه الحزم لجمع بيانات المواقع، التي يمكن بيعها لاحقاً إلى جهات تريد تتبّع أشخاص محددين.

وفي تقرير نُشر عام 2019، بعدما فحص صحافيو "ذا نيويورك تايمز" بيانات مواقع لأكثر من 12 مليون هاتف، قالوا إنهم تمكنوا "بسهولة من تتبّع صحافي في واشنطن بوست". وحذّروا من أن الصحافيين الذين يحاولون تفادي أشكال المراقبة الأخرى عبر لقاء مصادرهم شخصياً ربما يحتاجون إلى إعادة التفكير في هذه الممارسة. منذ ذلك الحين واصل صحافيون وباحثون الكشف عن قدرة حزم تطوير البرمجيات على جمع بيانات المواقع، فيما أصبحت أنظمة التتبع أكثر ترابطاً.

كتب تقنيان من مؤسسة الحدود الإلكترونية، في تقرير صدر في أغسطس/آب 2026، أن مطوري التطبيقات وحزم تطوير البرمجيات الإعلانية لديهم "حافز مالي لمشاركة بيانات المواقع"، لأن هذه البيانات يمكن أن ترفع أسعار المزايدة على المساحات الإعلانية داخل التطبيقات.

هنا تدخل المزايدة الفورية (RTB). وهي سوق إلكترونية تجري فيها عمليات تبادل شبه فورية بين الجهات التي توفر المساحات الإعلانية والجهات التي تريد عرض إعلاناتها. يجري هذا التبادل عندما يفتح شخص موقعاً إلكترونياً أو تطبيقاً يتضمن إعلانات، إذ يُبث ملف بيانات مرتبط بجهازه وبالمستخدم أو المستخدمين المرتبطين به إلى السوق، ثم يقدم معلنون مختلفون عروضاً لإظهار إعلاناتهم أمام ذلك المستخدم.

وقالت كبيرة المستشارين في مركز معلومات الخصوصية الإلكترونية" (مجموعة بحثية مقرها واشنطن)، سارا جيوغن، لـ"لجنة حماية الصحافيين"، إن "المعلومات التي تُجمع في الأصل وتُرسل إلى هذا المزاد يمكن أن تتضمن ملفاً شخصياً لشخص يظهر موقعه وانتماءاته السياسية ووظيفته، وهي أمور يمكن أن تكون حساسة".

الحرائق بسبب التغير المناخي (Getty)
إعلام وحريات
التحديثات الحية

أضافت: "يمكن أن تتضمن معلومات صحية، وحالة الصحة النفسية. ويمكن أن تتضمن أشياء قد يتعرض الشخص لضرر بالغ بسببها إذا خرجت تلك المعلومات إلى العلن". وعندما يفتح المستخدم موقعاً أو تطبيقاً يحتوي على إعلان، يُرسل إلى هذه السوق ملف بيانات مرتبط بجهازه وبالمستخدم، ثم تتنافس جهات إعلانية على عرض إعلانها أمامه. 

لكن الملف لا يتضمن بالضرورة اسم الشخص. بدلاً من ذلك، يرتبط عادة بـ"معرّف إعلاني" خاص بالهاتف المحمول. وهذه المعرّفات، التي تعيّنها عادة شركات التكنولوجيا والإعلانات، تصفها "غوغل" بأنها "معرّفات يمكن للمستخدم إعادة ضبطها، وتتيح للمطورين والمسوقين تتبع النشاط لأغراض إعلانية"، بما يسمح بربط البيانات بـ"المستخدم الذي يقف وراء ظهور الإعلان".

المشكلة أن هذا المعرّف لا يعني بالضرورة أن صاحبه مجهول. فقد أكدت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية (FTC) أن المعرّفات الإعلانية "لا توفر أي قدر من إخفاء الهوية"، فيما يجعل الذكاء الاصطناعي عملية ربط البيانات بأشخاص محددين أكثر سهولة، ما يزيد مخاطر استخدامها في التتبّع الخبيث. وقال الباحث في مجموعة "سيتيزن لاب" البحثية التابعة لجامعة تورنتو، وولفي كريستل، لـ"لجنة حماية الصحافيين": "إذا تمكّنت من التحقق من المعرّف الإعلاني للهاتف المحمول الخاص بصحافي، فستمتلك قدرات قوية للغاية".

أكد باحثون في جامعة واشنطن إمكانية استخدام نظام المزايدة الفورية لتتبّع مواقع الأجهزة، فإذا كان لدى الجهة التي تريد التتبّع معرفة بالمعرّف الإعلاني للجهاز والتطبيقات التي يستخدمها صاحبه بانتظام، يمكنها إرسال إعلان إلى ذلك الجهاز، إذ يكشف ظهور الإعلان عن وجوده في موقع محدد.

بيانات الهاتف تتيح تتبّع الصحافيين ومصادرهم من دون اختراق أجهزتهم

وقال أحد الباحثين، بول فاينز، إن الجهة التي تريد التتبّع يمكنها ربط الإعلان بمعرّف إعلاني وبموقع معين، فإذا اقترب الجهاز بما يكفي من الموقع، وشغّل تطبيقاً يمكن أن يظهر فيه الإعلان، "فسيظهر"، وبذلك يمكن تأكيد وجود الهدف في المكان.

نشرت الدراسة عام 2017، لكن فاينز قال في أواخر 2025 إن صناعة الإعلانات ما زالت تشهد "طلباً مرتفعاً على الاستهداف الجغرافي الدقيق للغاية"، وإن القدرة على استخدام النظام بطرق مشابهة لما اختبره الباحثون لم تتغير جوهرياً، أي إن ما يبدو للمستخدم إعلاناً عادياً قد يصبح، في سياق آخر، وسيلة للتحقق من وجوده في مكان محدد.

في عام 2023، حذّر المجلس الأيرلندي للحريات المدنية (ICCL) من احتمال استخدام جهات حكومية وغير حكومية أجنبية لنظام المزايدة الفورية لجمع بيانات عن شخصيات قيادية وعسكرية في الولايات المتحدة وأوروبا.

قال أحد معدي التقارير، جوني رايان، لـ"لجنة حماية الصحافيين" إنه "ينطبق الأمر على الصحافيين بالقدر نفسه"، مضيفاً: "الجميع هدف لشخص ما، ويمكن الحصول على بيانات المزايدة الفورية الخاصة بهم". واستند المجلس إلى مجموعة بيانات من سوق زاندر الإعلاني تعود إلى عام 2021، وهي شركة تابعة لـ"مايكروسوفت"، تضمنت شرائح من الأشخاص مصنفة وفق خصائص محددة. ومن بين الفئات المدرجة، شرائح حملت أسماء مثل uk_femalejournalists وJournalists and News، بينما أشارت شريحة أخرى إلى أشخاص لديهم اهتمام بـ"لجنة حماية الصحافيين".

قال أحد معدي تقارير المجلس الأيرلندي للحريات المدنية، وولفي كريستل: "يمكنك استخدام هذه الأنواع من الشرائح للاستهداف". وأوضح أنه يمكن الحصول على قائمة بالأشخاص الذين صُنّفوا ضمن فئة معينة، مثل المهتمين بمنظمة ما، ثم استخدام بيانات أخرى لتضييق نطاق الأفراد، بهدف تتبعهم بصورة إضافية أو التفاعل معهم.

في عام 2025، جرى دمج "زاندر" في "مايكروسوفت أدفرتايزينغ"، في وقت كانت الشركة تروّج لما وصفته بأنه "عصر جديد" من "منصات الإعلانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تجعل الإعلانات المخصصة بسيطة".

وعندما أرسلت "لجنة حماية الصحافيين" أسئلة إلى جهة الاتصال الإعلامية في "مايكروسوفت" في يونيو/حزيران 2026، قالت مديرة حسابات في شركة العلاقات العامة "وي. كوميونيكيشنز" إنها ستقدم ردوداً، لكنها لم تفعل. وبحلول مطلع أغسطس 2026، كانت سياسة الخصوصية لدى "مايكروسوفت" تقول إن المستخدمين "يمكنهم إلغاء مشاركة البيانات مع أطراف ثالثة لأغراض الإعلانات المخصصة".

وفي يناير/كانون الثاني 2025، قدّم المجلس الأيرلندي للحريات المدنية ومركز معلومات الخصوصية الإلكترونية، شكوى إلى لجنة التجارة الفيدرالية بشأن نظام المزايدة الفورية التابع لـ"غوغل". واتّهمت الشكوى الشركة بعدم الامتثال لقانون حماية بيانات الأميركيين من الخصوم الأجانب (PADFAA)، إضافة إلى المادة الخامسة من قانون لجنة التجارة الفيدرالية، التي تحظر الأفعال والممارسات غير العادلة أو الخادعة. وأشارت الشكوى إلى حالات أُرسلت فيها بيانات من نظام المزايدة الفورية إلى جهات في الصين وروسيا.

وعندما أرسلت "لجنة حماية الصحافيين" أسئلة إلى جهة الاتصال الصحافية في "غوغل" في يونيو 2026، تلقت ما بدا أنه إشعار آلي بتسلّم الرسالة، من دون أن يصل أي رد إضافي. وفي ردها على تغطيات تناولت تقارير المجلس الأيرلندي للحريات المدنية والشكوى المقدمة إلى لجنة التجارة الفيدرالية، أكدت "غوغل" أن لديها "أشد القيود في القطاع على أنواع البيانات التي نشاركها في المزايدة الفورية"، ونفت ارتكاب مخالفات.

وفي وقت سابق من عام 2026، وبعد تسوية دعوى جماعية بشأن مشاركة بيانات المستخدمين مع مئات الأطراف الثالثة، بدأت "غوغل" توفير خياراً قالت إنه يحد من المعلومات التي تجري مشاركتها عبر مزادات المزايدة الفورية، لكنه لا يكون مفعلاً بصورة افتراضية.

وترى سارا جيوغن أن المشكلة لا تقتصر على بث المعلومات الشخصية إلى عدد كبير من الجهات التي لا تخضع للرقابة ولا تملك السيطرة على الوجهة النهائية للبيانات. وقالت إن الخطوة التالية هي شراء شركات أخرى هذه المعلومات وإعادة استخدامها. وأضافت: "يمكن لأي جهة سيئة النية أو أي نظام استبدادي شراء المعلومات من وسطاء البيانات مقابل مبلغ زهيد نسبياً".

لا تأتي البيانات دائماً من نظام الإعلانات وحده. فالتطبيقات نفسها تملك حوافز مالية لجمع معلومات المستخدمين. وفي عام 2025، كشف موقع 404 ميديا عن جمع بيانات مواقع مرتبطة بنظام المزايدة الفورية من تطبيقات شهيرة مستخدمة حول العالم، بينها Candy Crush وTinder وGrindr وTemple Run وMy Period Calendar & Tracker، إضافة إلى تطبيقات إخبارية مختلفة.

وبحسب التقرير، فإن الطريقة التي يعمل بها نظام المزايدة الفورية تعني أن مطوري هذه التطبيقات ربما لم يكونوا على علم بأن البيانات كانت تُجمع بهذه الطريقة، لكن التطبيقات تملك أيضاً حافزاً مباشراً لجمع البيانات من مستخدميها.

وقال المتعاقد العسكري الأميركي، مايك ييغلي، الذي ساعد في عمليات مراقبة باستخدام بيانات الإعلانات الموجهة، وتحدث علناً عن مخاطرها: "تستطيع التطبيقات، بفضل الصلاحيات المميزة التي تتمتع بها على الجهاز، جمع البيانات من دون قيود تقريباً". أضاف: "كل تطبيق على هاتفك لديه هذا الحافز لتحقيق دخل من المستخدم، لقد طورت هذه التطبيقات القدرة على القيام بذلك، إنه جزء أصيل من نموذج أعمالها، وهي لا تسند هذه المهمة إلى أطراف ثالثة".

ورغم توفير شركات التكنولوجيا خيارات للمستخدمين للحد من تتبع الموقع والمعرّفات الإعلانية، يؤكد ييغلي أن التطبيقات تواصل جمع بيانات كاشفة، بما فيها المواقع. المشكلة لا تنتهي عندما تغادر البيانات الهاتف. هناك قطاع كامل من الشركات يربح من جمع البيانات وبيعها، يعرف باسم وسطاء البيانات.

وقالت مديرة الاستخبارات في منظمة تشيك ماي آدز، إيشا وايت: "هناك عدوى واسعة الانتشار من وسطاء البيانات"، ووصفت قطاعاً من الشركات بأنه يحقق أرباحاً من جمع بيانات وبيعها يجري الحصول عليها من "تطبيق يبدو غير ضار" أو من "موقعك الإلكتروني المفضل" الذي يعرض إعلانات عبر الإنترنت. ومع توافر هذا الكم من البيانات الشخصية، ظهرت شركات استخبارات الإعلانات (ADINT) التي تقدم أدوات مصممة خصيصاً للمراقبة الموجهة.

في عام 2025، كشف صحافي لوموند، مارتن أونترسينغر، عن وجود أكثر من عشر شركات تستفيد من بيانات الإعلانات بهذه الطريقة، وتقدم خدمات تشمل تتبّع الأجهزة في وقت شبه حقيقي، أو عرض مواقعها السابقة، حتى تلك التي تعود إلى سنوات. قال أونترسينغر إن "حقيقة وجود هذه الصناعة تضيف طبقة أخرى من الخطر، أو قناة أخرى يمكن لقوات الشرطة من خلالها الوصول إلى الصحافيين". أضاف: "مع استخبارات الإعلانات، يمكن أن يكون الوصول في معظم الأحيان عالمياً، لذلك يمكن استهداف أي صحافي".

من بين المنتجات التي سلّطت عليها الأبحاث الضوء "ويب لوك" (Webloc)، الذي تقدمه شركة بين لينك، ومقرها ولاية نبراسكا الأميركية. ووفق تحقيق نشره "سيتيزن لاب" في إبريل 2026، فإن "ويب لوك" هو "نظام عالمي للمراقبة الجغرافية يراقب مئات الملايين من الأشخاص استناداً إلى بيانات يجري شراؤها من تطبيقات المستهلكين والإعلانات الرقمية".

اعترضت "بين لينك" على نتائج التحقيق في رسالة إلى "سيتيزن لاب"، لكنها أقرت بأن "ويب لوك" يتضمن بيانات مواقع "مرتبطة بمعرّفات الأجهزة"، وأنه يحصل على هذه المعلومات "من مزودين يحصلون على موافقة المستخدمين على مشاركة بيانات المواقع من خلال حزم تطوير البرمجيات".

وأشارت أبحاث "سيتيزن لاب" أيضاً إلى احتمال حصول الشركة على بيانات من مصادر نظام المزايدة الفورية. ووجد التحقيق أن عملاء "ويب لوك" شملوا جهاز الاستخبارات الهنغاري، والشرطة في السلفادور، والجيش الأميركي، وأجهزة إنفاذ القانون الأميركية. كما وجد مؤشرات على استخدام "ويب لوك" لتتبّع أشخاص في ألمانيا والنمسا وإيطاليا ورومانيا والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وسنغافورة وروسيا.

وفي تغطيات للعقود في هذه الدول، حيث توجد سوابق موثقة لاستخدام المراقبة ضد الصحافيين، أشار الصحافي المجري زابولتش بانيي، العامل في موقع في سكوير، والموقع السلفادوري الاستقصائي "إل فارو"، إلى إمكانية استخدام "ويب لوك" ضد الصحافة. وعندما ردت "بين لينك" على أسئلة لجنة حماية الصحافيين في يوليو 2026، قالت إن لديها "ضمانات للحد من احتمال استخدام تقنياتنا بطرق لا تتوافق مع الأطر القانونية أو التنظيمية أو الأخلاقية المعمول بها". وأوضحت أن هذه الإجراءات تشمل "التدقيق في العملاء المحتملين خارج الولايات المتحدة، ورفض التعامل مع الدول أو المنظمات التي لديها تاريخ في تجاهل الحريات المدنية".

وقالت الشركة إن اتفاقية الترخيص الخاصة بها تحظر استخدام منتجات "بين لينك"، بما فيها "تانغلز" و"ويب لوك"، "للإساءة إلى حقوق الإنسان المعترف بها دولياً"، مضيفة أن استهداف الصحافيين يمثّل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وكررت الشركة أنها تحصل على بيانات المواقع من "مزودين يحصلون على موافقة المستخدمين" على مشاركة البيانات عبر حزم تطوير البرمجيات، وأنها "تستبعد المواقع الحساسة" من البيانات، لكنها لم تجب مباشرة عن سؤال يتعلق باستخدام منتجاتها بيانات نظام المزايدة الفورية.

لكن الخطر قد يذهب أبعد من تتبع المواقع. تشير تقارير نشرتها في السنوات الأخيرة "هآرتس" و"منظمة العفو الدولية" ومجموعة الاستخبارات التابعة لـ"غوغل" إلى ظهور برامج تجسس يمكن إيصالها عبر الإعلانات على الإنترنت.

وفي مقابلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، شرح عومر بنجاكوب، الصحافي الذي كشف القضية مع "هآرتس"، الآلية الأساسية. أولاً، يعمل المهاجم على إزالة إخفاء هوية المعرّف الإعلاني المرتبط بجهاز الهدف. ثم يعثر على الشخص المطلوب داخل سوق الإعلانات، ويضبط الإعلان بحيث يضمن ظهوره على جهازه. وأخيراً، يُعرض الإعلان المصاب عندما يفتح الهدف متصفحاً أو تطبيقاً.

وقال بنجاكوب إن هذه العملية توصف بأنها "نقرة نصفية"، لأن المطلوب هو تشغيل عرض الإعلان، موضحاً أنها تختلف عن الإصابة التي تتطلب نقرة على رابط خبيث، وعن هجمات "النقرة الصفرية" التي تستغل ثغرات برمجية لإصابة الجهاز من دون أي إجراء من المستخدم. وأردف: "نستخدم كلمات مثل الإعلانات الموجهة، وأعتقد أن استخدامنا مصطلحاً عسكرياً فعلياً لوصف الطريقة التي تُعرض بها الإعلانات أمر لافت للغاية. يجري استهدافك بالإعلانات بالطريقة نفسها التي تُستهدف بها بطائرة مسيّرة".

ومن بين الشركات التي أُفيد بأنها تُطور هذه الآلية شركة إنتليكسّا، التي يمكن لبرنامج التجسس الذي تبيعه أن يمنح وصولاً شبه كامل إلى الجهاز المستهدف، وقد استُخدم ضد صحافيين. ويعرف منتج الشركة من برامج التجسس التي تُوصل عبر الإعلانات باسم "علاء الدين"، فيما أفادت "هآرتس" بأن منتجات مشابهة طوّرتها شركتان إسرائيليتان أخريان على الأقل.

وقال يوري فان بيرغن، الذي ساعد في كشف "علاء الدين"، إن هذا النوع من إيصال برامج التجسس يبدو أنه يعمل عبر شيفرة "جافاسكريبت" مدمجة داخل الإعلان. وعندما يفتح الإعلان على الجهاز، تحدث عملية إعادة توجيه تربطه بالبنية التحتية التي يتحكّم بها مشغّل برنامج التجسس، ومن ثم يمكن تفعيل الإصابة.

يرى بنجاكوب وفان بيرغن أن ظهور هذه الآلية جاء بعد تحسن إجراءات الأمان التي اعتمدتها الشركات الكبرى المصنعة للهواتف، مثل "أندرويد" و"آبل"، وارتفاع تكلفة استغلال الثغرات البرمجية، ما دفع شركات برامج التجسس إلى البحث عن خيارات أقل تكلفة.

لكن هناك نقطة مهمة: لم تُعلن حتى الآن حالات مؤكدة للإصابة ببرنامج تجسس من خلال هذا النوع من الإعلانات. ومع ذلك، يرى بنجاكوب أن احتمال إساءة استخدام التقنية ضد الصحافيين كبير، لأن الصحافيين يعملون عبر الإنترنت ويرون الإعلانات مثل أي مستهلك آخر، وقد يظهر الإعلان حتى على مادة صحافية يعملون عليها.

وقال إنه يخشى أن يكون أحدهم عرضة للإصابة من خلال إعلان يظهر على إحدى قصصه أو أي مادة صحافية أخرى. أما ييغلي فرأى أن احتمال إيصال برنامج تجسس عبر مجرد ظهور إعلان "منخفض"، لكنه أشار إلى أن البيانات المتاحة تجارياً يمكن استخدامها بسهولة لفهم الهدف، ثم خداعه للنقر على رابط يؤدي إلى إصابة جهازه.

بدوره، كتب الصحافي المقيم في واشنطن، بايرون تاو، في كتاب صدر عام 2024 عن الطريقة التي أدى بها الوصول إلى البيانات التجارية إلى تعزيز قدرات المراقبة في الولايات المتحدة: "تتبّع الصحافيين عبر البيانات التجارية ليس مصدر قلق نظرياً".

قال تاو للجنة حماية الصحافيين، إن محاولة جرت لتتبّع صحافي في البيت الأبيض كان قد حصل على معلومات غير مصنفة لكنها محرجة عن الرئيس دونالد ترامب خلال ولايته الأولى: "لا أعرف ما إذا كانوا نجحوا في ذلك، لكنني تحدثت مباشرة إلى الشخص الذي طُلب منه القيام بذلك". أضاف: "ليس من الصعب تخيل أن شركات الأمن الخاصة والمحققين الخاصين يبحثون عن أدلة على وجود صحافيين في مجموعة البيانات هذه ويحاولون كشف مصادرهم". وتواصلت لجنة حماية الصحافيين مع الشخص نفسه، الذي أكد، شرط عدم الكشف عن هويته، أنه طُلب منه تتبع صحافي مقيم في الولايات المتحدة، لكنه رفض. 

أحد أخطر جوانب هذه الصناعة هو أنها لا تترك بالضرورة أثراً واضحاً على الجهاز. وأثار الخبراء مراراً مسألة "الغموض" باعتبارها إحدى السمات الأساسية لهذه الصناعة، إلى جانب اعتقاد بأن حجمها وقدراتها الحقيقية لا تزال غير مكشوفة بالكامل. قال يوري فان بيرغن: "لا نعرف عدد الشركات الموجودة التي تقوم بذلك وتستفيد من بيانات الإعلانات للتتبع".

وتكمن المشكلة في صعوبة التأكد من أن صحافياً بعينه استُهدف بالفعل عبر هذه البيانات. قال فان بيرغن: "لا يترك ذلك أثراً على الهاتف كما تفعل برامج التجسس". وبمعنى آخر، يمكن أن تكون هناك مراقبة من دون إشعار المستخدم بوجود عملية اختراق، ومن دون برنامج واضح يمكن العثور عليه على الهاتف.

المفارقة أن المؤسسات الإعلامية نفسها قد تكون جزءاً من هذه المنظومة. فشركات الإعلام التي تعتمد على الإعلانات عبر الإنترنت لتحقيق الإيرادات، وكذلك جمهورها، تدخل على الأرجح في عمليات تبادل البيانات عبر نظام المزايدة الفورية.

ووصف محرر موقع "نيتز بوليتيك.أورغ"، سيباستيان ماينيك، هذه الحقيقة بأنها "غير مريحة" بالنسبة إلى الصحافيين الذين يعملون على حماية خصوصيتهم. قال للجنة حماية الصحافيين: "قد يكون تطبيق المؤسسة الإعلامية نفسها جزءاً من هذه المنظومة الخطرة". أضاف: "تظل شركات الإعلام جزءاً من المشكلة ما دامت تشارك فيها".

هذه المفارقة تضع الصحافي أمام معادلة معقدة: المؤسسة التي يعمل فيها تعتمد على نظام إعلاني قد يجمع بيانات عن الجمهور، بينما يحاول الصحافي في الوقت نفسه حماية مصادره من التتبع. صحيح أن صحافيين وباحثين وجدوا أيضاً استخدامات مفيدة للبيانات المتاحة تجارياً في أعمالهم الصحافية، لكن ذلك لا يلغي المخاطر المرتبطة بالنظام نفسه. وشدد فلومرفلت على أن هذه الاستخدامات لا تبرر استمرار منظومة المراقبة الجماعية.

قال: "المراقبة الجماعية تعرّض الجميع للخطر، وليس الصحافيين فقط، بطرق كثيرة إلى درجة يصعب معها تقريباً المبالغة في حجم هذا الخطر". أضاف: "إن الفوائد الإيجابية المفاجئة التي تظهر بصورة غير مباشرة ليست سبباً للإبقاء على هذا النظام".