كنوز كنعانية في مرج ابن عامر: أقدم معصرة نبيذ ومعبد طقوسي

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:27 (توقيت القدس)
معصرة منحوتة في الصخر لإنتاج النبيذ (إكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- اكتُشفت معصرة نبيذ كنعانية في مرج ابن عامر تعود إلى خمسة آلاف عام، مع معبد مصغر وأدوات طقسية تعكس الطقوس الدينية الكنعانية.
- الحفريات أظهرت توسع الاستيطان الكنعاني في مجدو، مع مبانٍ سكنية وأدوات طقسية تشير إلى عبادة كنعانية شعبية وطقوس دفن القرابين.
- الاكتشافات عُرضت في مؤتمر سنوي في إسرائيل، مما يبرز التاريخ الغني للمنطقة، بينما يظل الفلسطينيون محرومين من الوصول إلى جذورهم التاريخية.

اكتُشفت، قبل أيام، موجودات أثرية جديدة في مرج ابن عامر شمالي فلسطين المحتلة، قدّمت لمحةً عن التوسع الاستيطاني في المنطقة بداية فترة التحضر، وكذلك صورة عن الطقوس الكنعانيّة التي مورست في البلاد قبل وصول بني إسرائيل إليها، وتحديداً إلى الشرق من تل مجدو الكنعاني.

كشفت حفريات أثرية أجرتها سلطة الآثار الإسرائيلية عن معصرة لإنتاج النبيذ، منحوتةٍ في الصخر ويبلغ عمرها خمسة آلاف عام، وبذلك تكون أقدم المعاصر التي عثر عليها علماء الآثار الإسرائيليون في فلسطين المحتلة. وإلى جانب المعصرة، تكشّفت أيضاً دلائل على عبادة الكنعانيين وطقوسهم الدينية، إذ عثر العلماء والحفّارون على معبد مُصغّر، ومجموعة من الأدوات التي استخدمت في أداء الطقوس العائدة إلى ما قبل 3300 عام.

ومن الفترة الكنعانية المبكرة، اكتشفت معصرة صغيرة لإنتاج النبيذ، منحوتة داخل الصخر، تتكوّن من سطح للدوس وحوض لتجميع العصير. وعن ذلك، قال مديرا الحفريات في سلطة الآثار الإسرائيلية، أمير غولاني وباراك تسين، إن هذه "المعصرة فريدة من نوعها؛ فهي واحدة من القلائل المعروفة من فترة مبكرة جداً، وهي الفترة التي بدأ فيها التحضّر الأول في منطقتنا".

وأضاف الباحثان أنه "صحيح أن المعاصر منتشرة جداً في البلاد، لكن من الصعب جداً تحديد تأريخها بدقة. حتى الآن كانت لدينا أدلة غير مباشرة تشير إلى إنتاج النبيذ قبل نحو خمسة آلاف عام، لكن لم تكن بحوزتنا أي أدلّة قاطعة على ذلك توضح بما لا لبس فيه متى حدث ذلك في منطقتنا. والمعصرة المكتشفة تمثّل دليلاً جديداً وواضحاً على ذلك".

وإلى جانب المعصرة، عُثر أيضاً على مبانٍ سكنية دلّت على توسع الاستيطان الكنعاني في مجدو إلى ما وراء حدود التل. كشفت الحفريات عن مفاجآت جديدة من الفترة البرونزية المتأخرة قبل 3300 سنة، فعُثر على أدوات تُستخدم في أداء الطقوس الدينية، وقد أخفيت في الأرض بعناية فائقة كون ذلك جزءاً من طقس دفن منظم لتقديم القرابين. شملت الأدوات نموذجاً مصغّراً لمعبد مصنوع من الفخار، وجراراً للتخزين وأباريق صغيرة ودقيقة مستوردة من قبرص، إضافة إلى مجموعة أدوات طقسية فريدة ومبهرة، يُرجَّح أنها استُخدمت في سكب السوائل ضمن طقوس دينية.

في غضون ذلك، قالت سلطة الآثار الإسرائيلية إن هذه المجموعة تكوّنت من إناء على شكل غزال ترافقه أوعية صغيرة عدة؛ فيما شدّد الباحثون على أن الأواني من هذا النوع تُكتشف عادةً على شكل شظايا متفرقة، ما يصعّب إعادة تصور شكلها الكامل وفهم كيفية استخدامها معاً.

لكن بما أن هذه المجموعة دُفنت كاملةً وسليمة، بطريقة تشير إلى أسلوب استخدامها الطقسي، فإنها أتاحت، ولأول مرة في البحث الأثري، نظرةً مباشرةً إلى كيفية استخدام الكنعانيين هذه الأدوات في طقوسهم الدينية قبل آلاف السنين.

أوضح الباحثون أنه "كان هناك وعاء صغير متصل بجسم الغزال يعمل قمعاً، ووعاء مشابه له مزوّد بمقبض يُستخدم على ما يبدو لصب السائل في القمع أثناء الطقس. أما رأس الغزال فصُمّم مثل فوهة صبّ، وبعد ملء الإناء كان الكنعانيون على ما يبدو يميلون الغزال إلى الأمام ليتدفق السائل من فمه إلى الوعاء الصغير الموضوع أمامه". وبحسب الباحثين، فإن هذا الإناء استُخدم لسكب سوائل ثمينة، مثل الحليب أو الزيت أو النبيذ أو شراب آخر، التي كان يمكن شربها مباشرةً من الفوهة أو سكبها في وعاء أصغر للاستهلاك أو لقربان نَسْكٍ.

يقدّر الباحثون أن موقع دفن الأدوات الطقسية تحت الأرض، على خط رؤية مباشر نحو منطقة المعبد الكبير الذي كان قائماً في تل مجدو خلال الفترة البرونزية المتأخرة الثانية، يشير إلى وجود عبادة كنعانية شعبية كانت تُمارَس خارج المدينة.

رجّح الباحثون أن من مارس هذه الطقوس كانوا مزارعين محليين قدّموا سوائل أو منتجات زراعية ثمينة، مثل النبيذ أو الزيت، بوصفها قرابين. ومن بين هذه القرابين، عُثر على أوانٍ فخارية سليمة دُفنت بجوار نتوء صخري كبير، يُعتقد أنه كان مذبحاً وُضعت إلى جانبه القرابين، خارج أسوار مدينة مجدو الكنعانية.

الحفريات التي كشف موقع واينت نتائجها، كانت قد بدأت منذ أكثر من عام في منطقة مجدو، ولكن حفريات جديدة أجريت شرق تل مجدو كشفت جزءاً جديداً من النسيج الذي يربط بين التجمع الحضري المعروف داخل المدينة الذي تظهر آثاره في التل، وبين النشاطات التي جرت في المناطق المحيطة خارجه.

في هذا السياق، قال مدير سلطة الآثار الإسرائيلية، إيلي إسكوزيدو، إن "الحفريات الواسعة التي تنفذها سلطة الآثار على امتداد مسار الطريق في مرج ابن عامر تكشف، طبقة بعد طبقة، عن غنى التاريخ المدفون في تربة هذه المنطقة"، موضحاً أن الكشف عن مرافق إنتاج النبيذ القديمة والأدلة على العبادة الشعبية خارج مجدو يتيح لنا التعرف إلى حياة الناس اليومية ومعتقداتهم على مدى آلاف السنين".

وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يربطون جذورهم بالكنعانيين، ويرون أنفسهم امتداداً لهذه الحضارة القديمة، فهم محرومون عملياً في ظل سيطرة الاحتلال على كل الأراضي في المناطق المحتلة عام 1948، من التعرّف إلى جذورهم التاريخية.

هكذا، عرض الاكتشاف الجديد لأول مرّة أمام الجمهور الإسرائيلي، أمس الخميس، في المؤتمر السنوي لـ"الاكتشافات والأبحاث في حفريات شمال البلاد"، الذي تنظمه سلطة الآثار الإسرائيلية بالتعاون مع مدرسة علم الآثار والثقافات البحرية في جامعة حيفا. وابتداءً من يوم الأحد المقبل، ستعرض المكتشفات المذهلة من مجدو ضمن جولات تُقام في "المركز القومي لآثار أرض إسرائيل" في القدس المحتلة.

المساهمون