كريم قاسم: "كل شيء أكتبه بالسيناريو لكن هناك دائماً تحديات"

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 08:36 (توقيت القدس)
كريم قاسم يستعدّ لتصوير لقطة من "قساطل" (الملف الصحافي للمخرج)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مشروع سينمائي مميز: كريم قاسم، المخرج اللبناني، يعتمد على التمويل الذاتي والابتعاد عن الطرق التقليدية، مركزًا على الواقع والشخصيات الحقيقية، مما أتاح له إنجاز خمسة أفلام في خمس سنوات، منها "قساطل" الفائز بجائزة في مهرجان كارلوفي فاري.

- أسلوب عمل مبتكر: يعتمد على سيناريو تفصيلي دون تقديمه للممثلين، مما يتيح لهم الارتجال، ويواجه تحديات مع الممثلين غير المحترفين، لكنه يركز على الطاقة في المشهد ويبحث عن الدعم في مرحلة ما بعد الإنتاج.

- الجماليات البصرية والرمزية: يهتم كريم بالجماليات البصرية، مستخدمًا الأبواب كرمز، ويدمج بين الواقع والجماليات، ويستخدم الموسيقى بشكل استراتيجي لتجنب طغيانها على المشهد.

 

التأمل في تجربة اللبناني كريم قاسم (35 عاماً)، المخرج والمُصوّر والمنتج والمؤلّف، يُؤكد أن لديه مشروعاً سينمائياً مميّز الملامح، وأن هناك سُبلاً عدة لصناعة السينما، بخلاف السائد. لا ينتظر الحصول على تمويل. أفلام له يتحمّل تكلفة صناعتها بنفسه، ليس لأنه ثريّ، بل لأنه يسلك طرقاً مغايرة. حين يفوز بجائزة، يضع قيمتها المالية في مشروع جديد، فالسينما غايته ومقصده.

ينطلق السيناريو عنده من الواقع، بشخصيات حقيقية، وممثلين غير محترفين، أنشأ معهم علاقات إنسانية في سنوات. يمنحهم فرصة ارتجال محكوم. في خمس سنوات، أنجز خمسة أفلام: "فقط الريح" (2020)، و"أخطبوط" (2021)، و"Thiiird" (إنتاج 2023)، و"مووندوف" (2024)، و"قساطل" (2025)، والأخير فاز بجائزة أفضل تمثيل، نالها غسان سعد، في مسابقة الكرة الكريستالية بالدورة الـ60 (3 ـ 11 يوليو/تموز 2026) لمهرجان كارلوفي فاري.

 

(*) لاحظت أن غسان سعد لم يكن يُعطي وجهه للكاميرا، كأنه يخشاها. هل فعل ذلك من تلقاء نفسه، أم بتوجيه منك؟

أنا طلبت منه ذلك. ليست لديه خبرة أبداً مع السينما. ينظر إلى العدسة كثيراً، خاصة في "قساطل"، فأقول له: "لا تنظر إلى الكاميرا، إنها تراك حتى لو كنت تسخر منها، وإذا نظرتَ إليها ستُعيد تصوير المشهد". الشغل على أدائه تطلّب وقتاً طويلاً. مع ذلك، هو يستحق الجائزة، بصفته ممثلاً وإنساناً. سلّمته إياها في قريته. سُعِد بها كثيراً وبكى. لم يصدّق. لكني أصدّق أنه يستحقها، ولم أندهش من منحها إلى مَن لم يمثل من قبل أبداً.

 

(*) ألم تقلق جرّاء إشاحة وجهه عن الكاميرا، وأن هذا ربما لا يُعطي فرصة للتجاوب معه؟ أتساءل: إذا لم أنظر في عيني إنسان أمامي، كيف أتفاعل معه، وأتجاوب مع حزنه؟

حسان بالفيلم إنسان منغلق، يُخبئ أشياء كثيرة. نشعر بذلك بمساعدته أهل القرية، ومحاولة صناعة فيلم عن رضا، رفيقه الذي رحل. لم أقدر على تغييره كثيراً. جربت معه أشياء، لكنه لم يكن مُقنعاً. هذا أقصى ما استطعت إخراجه منه، ومن جهاد والآخرين. السؤال: أهو مُقنع أم لا؟

 

(*) رمزية الأنابيب جلية في "قساطل". كأن البحث عنها يجمع الناس معاً. من أين انطلقت الفكرة؟

هناك مشاكل مياه في القرية، وفعلياً حسان لا يمثل دوراً متخيّلاً فهذه حقيقته. رغم أنه متقاعد، لا يزال يرتدي زي العمل، ويساعد الناس الذين يعتمدون عليه في حلّ هذه المشاكل، حتى لو أن هناك موظفاً جديداً. إنه متطوّع. اخترت توظيف مشكلة الأنابيب، فعبرها يمكن صنع قصة واكتشاف القرية، فنتواصل عبر عدم التواصل، أي نتواصل مع كل القرية عبر الأنابيب.

 

(*) السيناريو مزيج الوثائقي، المأخوذ من واقع الشخصيات والروائي. هل تكتب سيناريو تفصيلياً؟

كل شيء مكتوب بالسيناريو، لكني لا أقدّم للممثلين سكريبت ليقرؤوه. إنهم غير ممثلين، أو لنقل ممثلين غير محترفين. عندما نصل إلى مكان التصوير، أشرح لهم المشهد ليفهموه. نعمل بروفة، ويحفظون الحوار، ثم أترك لهم مجالاً للارتجال قليلاً. أضع لنفسي ملاحظات: هنا ارتجال، لكن ليس كثيراً. لا بُدّ أن ينتهي المشهد في نقطة معينة، بإيقاع وأجواء محدّدة. لا بُدّ أن أصف المشهد بدقة.

مع ذلك، أعمل بالموجود والمتاح، فأحياناً ينتقل شخص من نقطة إلى أخرى وهو لا يعرف شرب القهوة. هناك أشياء لا يستطيع فعلها الممثل غير المحترف. أحياناً، أحدهم لا ينتظر زميله لينتهي من جملته الحوارية، فتتداخل الكلمات فوق بعضها، ما يشكّل معضلة في المونتاج. أحياناً أتغاضى عن هذا، إذا لم يكن الحوار مهمّاً، بل الصورة التي يخلقها في خيالنا، كمشهد الانفعال بينهم، ومقاطعة بعضهم بعضاً عندما يحفرون بحثاً عن الأنابيب. في هذا المشهد، أربعة - خمسة أشخاص لا يمكن السيطرة عليهم تماماً، فكان القرار: ليس مهمّاً ما يقولون، بل الطاقة الموجودة بالمشهد.

هناك دائماً حدود وتحديات، فالممثل يمكنه أن يمشي ولا يُكمل ما أريده. أحياناً، إذا صوّرت مشهداً ولم أرضَ عنه، أطلب إعادة التصوير، فيقولون: "لكننا صوّرناه، فلماذا نعيده؟ لننتقل إلى مشهد جديد".

 

 

(*) ربما لأنهم لا يفهمون طبيعة العملية السينمائية.

إنهم لا يأخذون التصوير جدّياً، لأن فريق العمل ستة أشخاص، ويتعاملون معنا على أننا تلاميذ جامعيون، خاصة أني صغير الحجم. أنجزت خمسة أفلام، لكنهم ما زالوا لا يتعاملون معي بجدّية. هناك دائماً محاولات لدفع تطور الفيلم إلى الأمام.

 

(*) خمسة أفلام في خمسة أعوام. هذا زخم إبداعي. تصوّر وتكتب السيناريو وتنتج وتخرج. هل سهل الحصول على تمويل؟

منذ البداية، قررت كتابة الفيلم وتصويره من دون بحث أو انتظار تمويل. أبحث عن الدعم في مرحلة ما بعد الإنتاج، لأن انتظار الدعم وأنا أكتب، ودعم آخر لأصوّر، يتطلّبان وقتاً طويلاً. "فقط الريح"، أول فيلم لي، لم يحصل على أي دعم. تحمّلت التكاليف كلّها.

 

(*) وجود النسخة الأولى من المونتاج يكون أكثر إقناعاً للجنة المسؤولة عن منح الدعم.

هذا أفضل من لقطات أو صُور أو سيناريو. اعتمدت هذا الأسلوب ونجحت. كررت الأمر بالفيلم التالي. أغلب أفلامي حصلت على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج. إذا هناك دعم زيادة، أضعه في الفيلم الجديد. لم يُدفع لي مال في أي مرة. عندما فاز "مووندوف"، وضعت الـ20 ألف يورو في إنتاج "قساطل".

 

(*) هذا الأسلوب في العمل والإنتاج يُؤكد شغفك بالسينما، وعدم تفكيرك في تأمين حالك عبر السينما.

لا يوجد أمان بلبنان. يضع الإنسان أمواله في مصرف، وفي اليوم التالي يقولون له: "المصرف أفلس"، لكن استثماري بالسينما استثمار للمستقبل. السينما والأفلام لا تموت. إنها الغاية والقصد في حياتي.

 

(*) هل تفكر في صنع سينما تنافس على شباك التذاكر، أم تريد الإخلاص لسينما "آرت هاوس"؟

أعتقد أنني سأظلّ أصنع الأفلام التي أريدها. ربما أحاول صنع فيلم تجاري، ولا ينجح في شباك التذاكر. هناك أناس يريدون فعل ذلك. لا أفكر بفيلم تجاري حتى الآن.

 

(*) في "قساطل" حس فكاهة. هذا يشير إلى قدرتك على صنع فن يمزج التجاري بالفني.

صحيح. ربما لأننا لا نعرف إلى أين سيذهب هذا الفيلم. حتى منتصفه، لا نعرف أن رضا قُتل. هذا غير متوقّع أبداً. كان يمكن لهذه المعلومة أن تأتي في البداية. عادة، هناك تقسيمات في بناء الشكل بأن تكون المعلومات محدّدة، ولا بُدّ أن تذكر في البداية، أو في الثلث الأول، وأخرى في المنتصف. لا أعمل بهذه الطريقة. أتساءل: أريد إيصال هذه الحقيقة عن هذا المجتمع، فكيف أقوم بذلك؟ كيف أُوصل فكرة حسان بطريقة صادقة؟

 

(*) ربما جَمْع حس الفكاهة بلقطات التشويق، كما في البحث في قتل رضا، يُعطي انطباعاً بأنك قادر على جمع "آرت هاوس" بالتجاري.

صحيح، لكن الفيلم ليس عن قتل رضا بل عن حسان، وعن أخطائه ومشاعره، وكيف تأثر. يريد أن يكون مُحقّقاً يكشف الحقيقة. هذا ليس دوره ولا وظيفته، لأنه رجل يُصلح المياه.

 

(*) الجمع بين التصوير والإنتاج والإخراج والكتابة يحمل مزايا وعيوباً.

دائماً. لا أريد ولا أحب أن أكون منتجاً ومُصوّراً لأفلامي. المونتاج يُنجزه صديق لي. أريد التركيز على الإخراج، لكني في وضع لا أستطيع الفكاك منه، وطبعاً لأني أصنع الأفلام بهذه السرعة، فأنا أتحمّل جزءاً من هذا. إذا اشتكيت، سيكون خطئي.

 

(*) هناك اشتغال بصري بأفلامك. هذا واضح بـ"قساطل"، داخل الأماكن بالطبيعة، لكن في "Thiiird"، لاحظت اهتماماً أقوى بالاشتغال البصري. هل طبيعة الموضوع فرضت نفسها؟ ماذا عن التجربتين، وانشغالك وتفكيرك فيهما بصرياً؟

في "Thiiird"، هناك شبح يفرض نفسه وحضوره الوقت كله، في المرآب والفيلم أكثر من الأفلام الأخرى. أحببت أنكِ لاحظتِ هذا. هناك كاميرا ترصد وتراقب. أكيد لكل فيلم طريقته وأسلوبه وشخصيته. بـ"قساطل"، لم تكن الكاميرا تراقب كثيراً، فالتصوير روائي، وأحياناً أتطلع إلى البعيد، ومع موقف معين تتحوّل الكاميرا إلى الرصد والمراقبة.

بـ"Thiiird"، شعرت بأنه لا بُدّ للكاميرا أن تكون مخفية، كأني أصوّر ولا أصوّر. كأن الناس يحكون من دون إدراكهم أني أصوّر. أكيد كل شيء مصنوع ومكتوب، لكني أردت خلق إحساس بأن لا شيء مركّب أو مصنوع.

 

(*) الجماليات البصرية قوية بأفلامك: رسم بالإضاءة، تكوين كادرات، وضعية الكاميرا، زوايا التصوير. تحقق تلك الجماليات رغم قبح المكان أحياناً، أو قدمه، ورغم الانهيار والخراب. لماذا تفعل ذلك؟ أهذه دعوة إلى التمسك بلبنان؟

أحبّ تصوير الواقع. أحب ألّا أزيل شيئاً من الكادر والطبيعة، حتى لو أن هناك شيئاً بشعاً. أتذكر "مووندوف": كنت أصوّر لقطة واسعة جداً، فيها تخرج سيارة من الضيعة، وتظهر الطبيعة والجبال الجميلة. هناك تُجمع النفايات، فسألتني مساعدة الكاميرا: ماذا نفعل؟ الكادر حلو جداً. طبيعة وجبال. لا بُدّ أن نحذفه؟ أجبتها: لماذا لا بُدّ أن أصوّر الجماليات دائماً؟ لماذا لا بُدّ للكادر أن يكون جميلاً ومنسقاً دائماً؟ هناك زوايا كثيرة بلبنان غير جميلة أبداً، وأحياناً تكون قبيحة، فلنصوّر الاثنين. لا مشكلة.

 

 

(*) للأبواب حضور قوي بأفلامك، بتنويعات متفاوتة جمالياً ودلالياً. منذ فيلمك الأول، تفتح وتغلق بحركة موسيقية، وإن شابها تشويق أو ترقّب. في "أخطبوط"، لم تصل إلى محطتها المقصودة. في "Thiiird"، تُفتح بحركة أدائية مع الطيور، وبعضها يفتح على بيروت من أعلى الجبل، وأخرى على الغابة، وربما على البحر. بـ"قساطل" هناك باب يُفتح على الوهم أو التمنّي. لماذا تهتم بالأبواب؟ أتراها أداة تعبيرية يفهمها المتلقي، أم أنك مشغول بها جمالياً؟

أشعر بأن للأبواب معنى خاصاً بحياتي: شكلها وملمسها وألوانها. أبواب قديمة وأخرى جديدة. رائحة الخشب. أركّز كثيراً على الأبواب في أفلامي الثلاثة الأولى، ربما لأني أتساءل: أين أنا؟ إلى أين أذهب؟ كنت أعيش بالخارج، وأفكّر بالعودة إلى لبنان، لكن أيضاً كلما رأيت باباً، يعمل خيالي مُجدّداً، وأفكر بما وراءه: أهناك أثاث؟ كيف يكون الفرش؟ ماذا يخبئ خلفه؟ أهناك شجرة بالبيت أو بداخل البناية؟

أشعر أن الباب كالسينما: نشاهد لقطة، ولا نعرف ما تحمله اللقطة التالية. الأبواب عندها فرصة خلق مفاجأة، وأنا أحب هذا.

 

(*) هل تخطر ببالك فكرة التجريب أثناء العمل على أفلامك: مع المكان، أو الموسيقى، أو الكاميرا، أو الأشخاص؟

أكيد، خاصة أني أعمل مع ممثلين غير محترفين. بين مشهد وآخر، عندي فرصة التجريب بالحوار وحركة الممثل من نقطة إلى أخرى. هنا، توجد فرصة للكاميرا أن تكون تأملية أو مترصّدة، لأن وضع الممثل أمامها مع الحوار يصعب العمل عليه مع ممثلين غير محترفين، لعدم اعتيادهم على وجود علامات على الأرض يقتدون بها، بخلاف الممثل المحترف الذي يعرف متى يتطلّع إليها ومتى يكون بعيداً عنها. هناك دائماً تجريب في الأصوات: بنهاية "قساطل"، هناك عقل حسان وخياله. هناك ضرب بالقسطل، في قلب المكان - الخزان الذي يعمل فيه، ونحن كأننا بخياله وعقله. أفكر بهذه الأشياء قبل التصوير. هناك أشياء أصل إليها في المونتاج، وهناك أشياء أقرّرها بأول الكتابة.

 

(*) لشريط الصوت بأفلامك أهمية، لنقله خصوصية المكان والحالة الذهنية/النفسية للشخصيات. هناك أصوات حمام أو دجاج أو مياه أو دقّ على القساطل أو ريح، مع توظيف للموسيقى أحياناً. كيف تعمل على ذلك؟ في أي مرحلة؟

كل الأصوات الرئيسية أسجّلها في التصوير، أو لاحقاً بشكل منفرد. إنها مكتوبة منذ البداية في السيناريو. شريط الصوت واضح منذ البداية. يمكن أن تكون هناك حيوانات وأشياء غير موجودة بصرياً في لقطة، أضيفها في شريط الصوت لتحريك المشهد. أحياناً، أكتب أصوات الفيلم قبل مشاهدة الصورة، فهذا يساعدني في الكتابة دائماً.

 

(*) تندر الموسيقى في أفلامك. وحين تظهر، تغلب عليها آلات النفخ التي تبثّ الحزن. لماذا؟ هل تعتقد أنه يمكن الاستغناء عن الموسيقى أحياناً في صنع الأفلام؟

أحياناً، أقول إني لا أحتاج إلى الموسيقى أبداً. أشعر بأن هناك وقتاً محدّداً يمكن الاستعانة بها، لكن يجب ألّا أضعها لتكون سنداً لتقوية مشهد. لا بُدّ للمشهد أن يكون جيداً من دون الموسيقى، غالباً، لكن هناك مشاهد تكون جميلة مع الموسيقى، فأنا لست ضدها. المهم كيفية توظيفها ودورها. في أفلام أشعر بأنها ستأخذ من حقيقة الواقع. كأني أخلق بها إحساساً مغايراً أو زائفاً عند المُشاهد. ليس دائماً. أحياناً، عند حضورها بفيلم، لا نشعر بها لأنها تكون موجودة قبلاً. الأفلام الأخيرة لكريستوفر نولان تحضر الموسيقى الوقت كلّه، في فيلم مدّته ثلاث ساعات، من أوله إلى نهايته. المتفرج يُرهَق، ولا تكون لديه فرصة ملاحقة المَشَاهد، ولا أخذ فرصة للتأمل بما يحدث أمامه، ويفكر به. لا فرصة لديه لسماع همس شجرة، أو طبيعة، أو هواء، أو لالتقاط أنفاسه. الموسيقى يجب أن تكون استراتيجية.

 

(*) لديك مشروع سينمائي. تكرار ظهور الناس بأدوار متباينة. مناقشة أوضاع المجتمع تستكملها من فيلم إلى آخر. السرد البصري السينمائي يرصد حركة المجتمع في "أخطبوط"، وما به من تفجير المرفأ وإفلاس المصارف وضياع أموال المودعين، ما يجعلنا نفهم جيداً لماذا في "Thiiird" يشعر الشباب بالضياع، ولا يستطيعون النوم، ويعانون الأرق، لعدم وجود فرصة عمل مناسبة، وللشعور بعدم الأمان، ثم البحث عن فرصة عمل بأماكن أخرى، لذا تكمل هذا الشعور في "مووندوف" بقرار الهجرة، حيث يُباع الحمام، ويُتّخذ القرار فعلياً. في "قساطل"، هناك قرية من دون شباب تقريباً.

أهذا قرار واع ومقصود، مبني على خطة لتتابع الأفلام؟

لم تكن خطة مرسومة بدقة. عندما بدأت تصوير "مووندوف" في الضيعة، كنت أشعر بأن لا شباب هناك، إذ هاجروا إلى المدن، كابنة حسان. الموجودون فيها كبار السنّ، وعندما يعود الشباب يأتون فقط في الصيف لتمضية وقت ممتع، فيبثّون الضجيج ويرحلون مجدّداً. اختفى تقليد العمل بالأرض، الذي رأيته صغيراً. في مشهد بـ"قساطل"، هناك شباب يلعبون الطاولة، ويدخنون الأرجيلة. هذه حالة وحيدة نراهم فيها وهم يضيّعون الوقت، ولا ينتجون شيئاً أو يبذلون جهداً مفيداً للمكان. هذا مقصود. أو مقصود وغير مقصود في الوقت نفسه. الشباب في "Thiiird" يعانون البطالة، فيهاجرون في "مووندوف".

تذكرت تجربتي عند تركي بيروت، لذا بهذا الفيلم شعرت بأن الشباب هم أيضاً لا بُدّ أن يهاجروا. هذا مقصود. إنه قرار واع، لكنه الواقع أيضاً. كل فيلم يُكمِل الآخر، وكما يقال: صانع الأفلام يصنع فيلماً واحداً في حياته.