عن أفلامٍ عربية تحتاج إلى كتبٍ: انصرافٌ إلى الماضي يُعطِّل اهتماماً بالحاضر

30 سبتمبر 2020
الصورة
المصري تامر السعيد: سينما مختلفة عن القاهرة (جون ماكدووغال/فرانس برس/Getty)

 

يُمعن زملاء مصريون في استعادة أفلامٍ قديمة، كتابة وتعليقاتٍ وصُوراً وملصقاتٍ وتحياتٍ. يعودون إلى مخرجين ينتمون إلى ذاكرةٍ تحفل بصنيع مهمّ، سينمائياً وجمالياً ودرامياً واشتغالاتٍ، وتمتلئ بتناقضاتٍ ينفضّ الزملاء عن السلبيّ منها، لاهتمامهم الأبرز بالإيجابيّ فيها. هذا عاديّ. "فيسبوك" يُتيح استعادة وعودة كهاتين. يُتيح أيضاً خروجاً، وإنْ يكن افتراضياً، من راهنٍ غارقٍ في عنفِ اليومي، بجوانبه المختلفة، أملاً بأنْ ينفِّس الماضي عن بعض غضبٍ وغليانٍ وقهرٍ وخيبات، يصنعها راهنُ أيامٍ سوداء وضاغطة.

لكنّ بعض هؤلاء يبدو كأنّه أسير هذا الماضي، فيعجز عن الخروج منه إلى حاضرٍ سينمائيّ، مصري وعربي، يُنتج أفلاماً مهمّة، تمتلك شيئاً كبيراً من تجديدٍ في لغة الصورة، وكيفية التعبير البصري، وآليات الإنتاج والتوزيع. يتساءل هذا البعض عن سبب فقدان "ثقافة النقد السينمائيّ" لكتبٍ تتناول فيلماً واحداً، كـ"المومياء" (1969)، لشادي عبد السلام و"الأرض" (1970)، ليوسف شاهين، مؤكّداً أنّ كلّ فيلمٍ منهما يستحقّ أكثر من كتابٍ. الزميل محمد سيّد عبد الرحيم يسأل: ألا تحتاج أفلامٌ كهذه إلى كتبٍ تتحدّث عنها بجوانبها كلّها؟ ("فيسبوك"، 25 سبتمبر/ أيلول 2020).

الفيلمان المذكوران يُشكّلان لحظتين سينمائيتين أساسيتين في السيرة التاريخية للسينما المصرية والعربية. هذا مؤكّد. "ثقافة النقد السينمائيّ"، في مصر تحديداً، منشغلة كثيراً بالفيلمين وبمخرجيهما منذ أعوامٍ مديدة. كتبٌ ومقالات ومجلّات وصحف وندوات وحلقات إذاعية وتلفزيونية تهتمّ بالفيلمين ومخرِجَيهما، وببعض أبرز مجايلي المخرِجَين وأفلامهم، ولكلّ مخرج منهم حضور وتجربة وتأثير وفعل تجديدي ما، أو محاولة فعل تجديديّ على الأقلّ. هذا مُسلّم به. لكنْ، أنْ يُطالَب بكتابٍ أو أكثر يتناول فيلماً واحداً مُنتجاً قبل 30 أو 40 أو 50 عاماً، من دون انتباهٍ نقدي وثقافي وسجاليّ إلى أفلامٍ يصنعها مخرجون شباب في دول عربية مختلفة، بينها مصر، فهذا دافعٌ إلى نقاشٍ يتناول مسألتين: غياب كتبٍ عن أفلامٍ لها تأثيراتٍ وإفاداتٍ (وعن مسائل سينمائية أخرى أيضاً، كالسيرة الحياتية/ الذاتية والمذكّرات والحوارات، إلخ)، بصرف النظر عن مرحلة وجيل وعمرٍ، بدلاً من الانغلاق في زمن واحد قديم وفي أسماء محدّدة من دون غيرها؛ والتغاضي عن غليان متنوّع الأشكال، تشهده السينما العربية في الأعوام الـ25 الماضية على الأقلّ.

 

 

الانصراف إلى الماضي مفيدٌ، شرط عدم التقوقع فيه. الاستفادة من تجارب السابقين في صناعة السينما (والآداب والفنون والعلوم والفكر والنقد وغيرها)، ضرورية، شرط عدم الانغلاق فيها، والتعامي عن مراحل واختبارات واشتغالات لاحقة عليهم، خصوصاً أن اللاحق عليهم محرِّض أساسيّ على متابعة ومعاينة وقراءات وحوارات كثيرة. فراهن السينما في مصر ودول المغرب العربي وفلسطين ولبنان وسورية والعراق مثلاً، من دون تناسي التجارب المهمّة، وإنْ يكن عددها قليلاً، في السودان والأردن وبعض دول الخليج العربي، قابلٌ لكتبٍ كثيرة، ولتحليل يجمع السينمائي بالفكري، والتقني بالتأمّلي، والفني بهواجس وأحوالٍ ترتبط بها أفلام تلك السينما، وتنبثق منها، وتتناولها.

كثرة الكتب والكتابات الصحافية عن سينمائيين مصريين قدماء تُصبح نافرة، عند اكتفاء كاتبيها بهم، من دون اهتمامٍ بما يحصل حالياً، رغم أن اهتماماً كهذا حاضرٌ، لكنّه مكتفٍ بكتاباتٍ صحافية غالباً. نقّاد وصحافيون سينمائيون عرب يتابعون، بشغفٍ واهتمامٍ، ما يحصل اليوم، لكنّ أسباباً عدّة تحول دون انصرافهم إلى تأليف كتبٍ كاملة عن أفلامٍ حديثة الإنتاج، تستحق كتباً مستقلّة عنها؛ وعن سينمائيين يجهدون في إثراء المشهد العربي، سينمائياً وثقافياً وفكرياً وفنياً وجمالياً، بكلّ جديد ممكن، وبكلّ تجديد متوفّر.

الأنواع السينمائية المعتَمَدة حالياً تكفي، بدورها، لتأليف كتبٍ مستقلّة عنها. فالوثائقيّ اللبنانيّ مثلاً يُثبت، فيلماً تلو آخر، تمكّنه السينمائيّ من تجاوز محرّمات، في الاجتماع والسياسة والثقافة والطوائف، وأيضاً في آليات الاشتغال الوثائقي والسينمائي نفسه، والتجاوز يبلغ حدّاً بديعاً من صناعةٍ تواجَه بالمنع والقمع والتضييق، لرفض المنظومة الحاكمة في لبنان كلّ كشفٍ وتعرية. والوثائقيّ السوريّ، المنبثق من الثورة السورية (2011) وتداعياتها، تمتلك خصوصية التوغّل في خراب البلد ومواجع ناسه، بأشكالٍ تميل غالبيتها إلى حيوية الصورة، وبلاغة التعبير البصري عن ألمٍ وتغييب ودمار وانكسارٍ وخيبات. تجارب مصرية شبابية، لأحمد العبدالله وأحمد فوزي صالح وهالة لطفي وهالة خليل وإبراهيم البطوط ومحمد حماد وشريف البنداري وتامر السعيد وأحمد ماهر وغيرهم، كافية لتبيان محاولات التغيير البصري في مقاربة أحوال وحالات وأنماط تفكير وعيش.

 

 

سينما المغرب العربي، المُنتَجة أفلامها في الأعوام الـ20 الأخيرة على الأقلّ، تقول أشياء تجديدية عدّة في الصورة والتمثيل والمواضيع والمعالجة، وتخترق محظوراتٍ، وتتحايل على موانع، وتقول ما يعتمل في ذاتٍ وروح من غليان وقلق وارتباكات وأحلامٍ. ولفلسطين نتاجاتٌ يصنعها فلسطينيون مُقيمون فيها وخارجها، تزداد عدداً وتجارب وتنويعاً في الاشتغال، من إيليا سليمان إلى كمال الجعفري ومها الحاج، وكثيرون وكثيرات غيرهم. وللشباب العراقيين حضورٌ يزداد أهمية، مع ازدياد أهمية بعض ما يصنعون.

قليلون همّ المهتمّون بسينمائيين عربٍ في مؤلّفات خاصّة بكلّ واحد منهم، أو ببعضهم معاً. للفلسطيني الراحل بشّار إبراهيم تجربة، بإصداره كتاب "3 علامات في السينما الفلسطينية الجديدة" (2004)، عن ميشال خليفي وإيليا سليمان ورشيد مشهراوي. الناقد المصري أحمد شوقي يختبر تجربة الكتاب/ الحوار، بإصداره كتباً/ حوارات مع يُسري نصرالله وداود عبد السيد وخيري بشارة، وهؤلاء ينتمون إلى مرحلة سينمائية مصرية تؤسّس تغييراً أساسياً في معنى الصورة وانشغالاتها المختلفة، وفي صناعة الفيلم وتحدّياته، بين زمن الكلاسيكيات وراهن التجديد الشبابيّ (هذا محتاجٌ، بالتأكيد، إلى نقاشٍ نقديّ أكبر وأعمق، لأهميته واختباراته وموقعه التاريخي والسينمائيّ بين مرحلتين).

الأمثلة كثيرة. الاختبارات العربية الجديدة والتجديدية متوفّرة في أفلامٍ تُصنع ضمن شروطٍ إنتاجية تحتاج إلى متابعة وقراءة ونقاشٍ، لامتلاكها آلياتٍ تُمكّنها من الاستمرار وإنْ بصعوبة، لكنْ بتحدٍّ. كلّ مثلٍ قابلٌ، بشكلٍ أو بآخر، لكتابٍ أو أكثر. غالبيّة هؤلاء وغالبية أفلامهم تستحقّ كتباً مستقلة. هذا يحتاج إلى جهدٍ ووقت وتفرّغ. هذا مطلوب وضروريّ. لكن الواقع اليومي في عالمٍ عربيّ مضطرب يحول، غالباً، دون ذلك.