كتاب "إلى زياد" الرحباني وعنه... هذه ليست تحيةً فحسب

01 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 10:03 (توقيت القدس)
في مهرجان زوق مكايل شمال بيروت، 25 يوليو 2013 (جوزيف عيد/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- زياد الرحباني كان شخصية مؤثرة في الموسيقى والمسرح والسياسة، وإرثه الثقافي يتطلب توثيقاً شاملاً لتأثيره على أجيال كاملة.
- كتاب "إلى زياد" يجمع مقالات وشهادات وصور توثق تجربة زياد، مسلطاً الضوء على علاقته ببيروت وشغفه بالموسيقى وعمله الصحفي خلال الحرب.
- يحتوي الكتاب على 270 صفحة تكشف عن رؤية زياد الفنية وهويته الموسيقية، ويبرز مقابلة مع بول أشقر تعبر عن طموحه في إيصال الموسيقى الشرقية عالمياً.

يصعب اختزال مسيرة زياد الرحباني (1956 ــ 2026) في كتاب واحد. فالرجل الذي ترك أثره في الموسيقى والمسرح والأغنية والكتابة والسياسة والثقافة الشعبية، يحتاج إرثه إلى مشروع توثيقي طويل يتجاوز حدود المجلدات. ومع حلول الذكرى الأولى لرحيله، تتجدد الأسئلة حول الجهة التي ستتولى جمع هذا الإرث وحفظه، وتوثيق تجربة تجاوزت الفن إلى تشكيل وعي أجيال كاملة.

في المقابل، ثمّة من يفضّل مقاربة مختلفة، لا تدّعي الإحاطة بكل شيء، بل تحاول الإضاءة على جوانب من هذه التجربة عبر الوثائق والمقالات والشهادات والصور. من هنا يأتي كتاب "إلى زياد" الذي يجمع أصواتاً متعددة تروي، كل من زاويتها، شيئاً من عالم زياد الرحباني، الموسيقي والمسرحي وكاتب الأغاني والمثقف المشغول بالشأن العام. وبعد عام على غيابه، لا يزال حضوره يتجاوز حدود أعماله الفنية؛ فما زال بالنسبة إلى كثيرين أسلوباً في التفكير، ومرجعاً في اللغة اليومية، وحتى في طريقة الحوار واللباس.

لم يُخفِ زياد الرحباني يوماً مواقفه السياسية، ولم يتراجع عنها، مهما أثارت من سجالات أو بدت متناقضة مع صورته بوصفه موسيقياً ومسرحياً. ظلّ متمسكاً بقناعاته حتى رحيله، رافضاً المساومة عليها، تاركاً وراءه شخصية يصعب فصل الفن فيها عن السياسة، أو الموسيقى عن الموقف.
بهذا، اختارت منصة ميغافون إحياء الذكرى الأولى لرحيله بطريقة مختلفة، إذ نظمت أمسية في "مترو المدينة" في شارع الحمرا البيروتي، جمعت أصدقاءه ومحبيه، ترافقت مع إطلاق كتاب "إلى زياد". خلال الأمسية، استضافت المخرج والكاتب محمد سويد في حوار أداره سمير سكيني، استعاد فيه رحلة زياد الإنسانية والفنية في بيروت، المدينة التي ارتبط بها منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، ورحل في منزله فيها بعد عقود من العلاقة المعقدة معها.

يكشف سويد، في حديثه بمناسبة صدور الكتاب، تفاصيل شخصية عن صداقته الطويلة مع زياد. يقول: "أتخيّل لقائي الأول به فيلماً بلغ المرحلة الأخيرة من إخراجه لدى مطابقة الصوت والصورة ومزامنتهما. كنت في حاجة إلى صورتي الشخصية عنه. عرفته قبلاً بالسمع من مسرحياته، لكنني سمعتها أيام عملي في محل لبيع الأسطوانات وتسجيل أشرطة الكاسيت في منطقة النويري".

يتوقف سويد عند علاقة زياد الرحباني الخاصة ببيروت، وبأماكن بعينها فيها. فقد اعتاد التردّد إلى دور السينما، ثم إلى حديقة الصنائع، قبل أن يسكن في شارع الوتوات في الظريف، ثم ينتقل إلى الحمرا، حيث أقام منزله واستديوه في شارع الجامعة الأميركية. ويستعيد شغفه بالموسيقى، وانتقاله من العمل في صحيفة الشرق إلى صحيفة السفير، إذ توثقت علاقاته الثقافية، ومنها لقاءاته المتكررة في حانة شي أندريه الشهيرة في الحمرا. يتناول سويد أيضاً سنوات الحرب، حين انتقل الرحباني عام 1976 إلى منطقة الوتوات في بيروت الغربية، وواصل العمل وسط ظروف قاسية، فكتب الموسيقى التصويرية لفيلم "نهلة" للمخرج فاروق بلوفة، وظهر فيه ممثلاً في مشاهد صُوّرت داخل استديوه. ثم تطور التعاون بينهما في عدد من الأفلام التي أخرجها سويد، منها "على قيد الحياة"، إضافة إلى مقابلات صحافية نشرها في "السفير" و"النهار".

يقع كتاب "إلى زياد" في 270 صفحة من القطع الصغير، ويضم مقالات وشهادات ورسوماً وصوراً ووثائق، بعضها يُنشر للمرة الأولى، إلى جانب مواد أرشيفية متنوعة. وبدل الاكتفاء بالنشر الرقمي، اختارت "ميغافون" إصدار كتاب ورقي، انطلاقاً من قناعة بأن اجتماع هذه المواد في عمل واحد يمنحها معنى يتجاوز قيمة كل مادة منفردة. ويرى الناشر أن ترتيب محتويات الكتاب يكشف أولاً اتساع ظاهرة زياد الرحباني وتعدد وجوهها، قبل أن يحاول تفكيكها وقراءتها من زوايا مختلفة.

تتوزع مواد الكتاب بين قراءة لتجربته الموسيقية، الممتدة من الإرث الرحباني إلى الجاز، ومقالات تربط بين رؤيته الفنية ونظرته إلى الحياة، كتبها أصدقاء ومقربون منه، إلى جانب باحثين تناولوا تجربته بالنقد والتحليل. ومن أبرز مواد الكتاب، مقابلة أجراها بول أشقر مع زياد عام 1980 لمجلة النهار العربي والدولي، ونُشرت آنذاك في ثلاث حلقات على هامش مسرحية "فيلم أميركي طويل". تكشف المقابلة مبكراً هواجس زياد الرحباني في البحث عن هوية موسيقية خاصة، ورغبته في إيصال الموسيقى الشرقية إلى مكانة عالمية، فضلاً عن آرائه في المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة والناس. يقول في تلك المقابلة: "الآلات الموسيقية ليست ملك شعب معين، فإذا استعملت أنا اليوم الغيتار فهذا لا يعني أنني أصبحت غربياً، لأننا إذا قسنا بهذا المفهوم، عليّ حينئذ أن أتحرى هوية أشياء كثيرة في المجتمع أستعملها وهي من نتاج غير وطني". وعن القاسم المشترك بين أعماله الموسيقية، يجيب: "ما يجمع هو هاجس دائم لجعل موسيقانا الشرقية ذات مستوى عالمي، هاجس دائم لجعل الموسيقى الشرقية قادرة على أن تكون مثل الموسيقى الغربية مع مميزاتها الخاصة".

يختتم الكتاب بصورة لفنان عاش تقلبات لبنان كلها، واستطاع مراراً تجاوزها، من دون أن يتخلى عن موقعه النقدي أو إحساسه بالمسؤولية. يشير محمد سويد إلى أن زياد "اختار المنفى قبل خمس سنوات من رحيله، وكان يدرك أن النهاية باتت أقرب إليه"، مضيفاً أن "الطائفية في لبنان هي أكثر ما أنهك زياد الرحباني"، وجعلته يبتعد عن الحياة العامة في سنواته الأخيرة.

هكذا لا يقدّم "إلى زياد" سيرة مكتملة، بقدر ما يفتح باباً جديداً لقراءة شخصية ما زالت، بعد عام على غيابها، حاضرة بقوة في الذاكرة الثقافية اللبنانية والعربية.