"كان يا ما كان في غزة" للأخوين ناصر: مُشوّق ومؤثّر

24 مايو 2025   |  آخر تحديث: 11:18 (توقيت القدس)
"كان يا ما كان في غزة": مجتمع ذكوري أسياده طيب وسيئ ورديء (الملف الصحافي)
+ الخط -
اظهر الملخص
- فيلم "كان يا ما كان في غزة" للأخوين ناصر يعرض في مهرجان "كانّ"، ويبرز حماسة الجمهور تجاه غزة رغم عدم تصويره هناك. يربط الفيلم بين الماضي والحاضر عبر مشاهد الدمار، وتدور أحداثه في 2007، مسلطاً الضوء على الحصار الإسرائيلي وتأثيره.

- يتميز الفيلم بسخرية مرّة وفكاهة سوداء، مع شخصيات تحاكي أفلام الغرب الأميركي. يركز على أسامة، مروّج المخدرات؛ يحيى، الطالب الطموح؛ وأبو سامي، الضابط الفاسد، في قصة تهريب مخدرات.

- يُعتبر الفيلم نقداً ساخراً للوضع العبثي في غزة، حيث الفساد يسيطر. يظل مشوّقاً ومؤثراً بأحداثه المفاجئة وشخصياته الفريدة، مع غياب دور المرأة، مما يعكس المجتمع الذكوري.

يقترب عاملون في تنظيم الدخول أو الخروج من قاعات عروض أفلام مهرجان "كانّ" من حشدٍ خرج لتوّه من قاعة دبوسي، ولا يزال متحمّساً، بعد تصفيق طويل، تحيّة لفريق "كان يا ما كان في غزة" للأخوين الفلسطينيين طرزان وعرب ناصر. حماسة عفوية لكلّ ما يمسّ غزة، فكيف إذا كان الاسم في عنوان فيلم، مع أنّه لم يُصوَّر فيها، والمخرجان التوأمان (1988) غادرا القطاع منذ عام 2011 إلى فرنسا، حيث يُقيمان إلى الآن، وكتبا السيناريو قبل "7 أكتوبر" (2023)، ولم يُعدّلا فيه شيئاً بعده، كما قالا؟ مع هذا، رُبط السرد بما يجرى حالياً: تمرير مقاطع فيديو تُحيل إلى إبادة اليوم، بعضها في مستهل الفيلم، عن تحويل غزة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، بصوت الرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ وبعضها الآخر قَطع سرد الحكاية، بين وقت وآخر، بعرض لقطات قنابل تسقط على مبانٍ داخلها مدنيين، فتنهار وتُصبح أنقاضاً. الأحداث المتبقية حصلت عام 2007، وغزة محاصرة إسرائيلياً.

تطبع "كان يا ما كان في غزة"، الفائز بجائزة الإخراج في "نظرة ما" في الدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان "كانّ"، سخرية مرّة وفكاهة سوداء، تتجلّيان غالباً في شخصيات مُصوّرة بأسلوب ساخر، يُحيل إلى أفلام الغرب الأميركي. ثلاثة شبابٍ رُسموا ـ حركات ونظرات وردود أفعال وأقوال ـ بتفاصيل دقيقة تنتمي إلى هذا النوع. إنّهم الطيب والسيئ والرديء: أسامة (مجد عيد)، مروّج المخدرات الآسر بحضوره القوي وتمثيله التلقائي. إنّه السيئ الجذاب. يحيى (نادر عبد الحيّ)، الطيب والرقيق والخاضع، وأبو سامي (رمزي مقدسي)، الضابط الشرير والقبيح، في قسم مكافحة المخدرات. التقوا في غزة عام 2007. حينها، كان يحيى طالباً طموحاً، لكنّ لقاءه أسامة ذا القلب الكبير، قَلَب مصيره. بدآ معاً تهريب مخدرات عبر دكانهما المتواضع لبيع الفلافل. جاء أبو سامي، الشرطي الفاسد، لتعطيل خططهما، ليس تمسكاً بالقانون واحتراماً له، بل انتقاماً وحقداً.

ظاهرياً، ليس الفيلم عن القضية، بل عن عبثِ واقع يشبه الخيال. أسامة السيئ ليس شريراً، فهو يرفض الخيانة والتعامل مع الضابط الرديء، وتسليمه أسماء متمرّدين، مُراهناً بهذا على حياته. إنّه يُضرّ، لكنْ بأسلوب آخر. يتيح الحبوب المخدِّرة ليريح أناساً أنهكتهم سنوات الاحتلال، ومعاناة لا تنتهي. يحصل عليها بأساليب احتيال طريفة، كأنْ يسطو على دفتر وصفات طبيب وهو في عيادته لاستشارة. يحيى لا يبدو من هذا الوسط، لكنّه انجرّ إليه. وسيمٌ ونحيل وبريء النظرة، لم يخرج من غزة إلى هذا العمر. يبدو مأخوذاً بشخصية القائد. لا تفاصيل أخرى عما يجمعهما (كلّ واحد منهما يختلف عن الآخر) إلاّ في النهاية، مع عودة مشاهد تعارفهما الأول.

هذا يتكشّف تدريجياً. الفساد يتجلّى كاملاً في شخصية الضابط، التي بدورها تتكشّف تدريجياً، في الإطار المحّدد لها في الفيلم. لا عودة إلى تاريخ الشخصية، أو محاولات التعريف بها أكثر. إنّها هنا في فترة زمنية من حياتها، والأفق مسدود، وكل ما يحيط بها معتم وقذر ومهلهل ومتهالك. إلاّ مكتب الضابط ومركز السلطة، التي (السلطة) تبدو ساذجة في نقاشاتها، وفي إثارتها مسألة تمويل فيلم عن شهيد بطل، يؤدّي دوره يحيى. هنا أيضاً يندفع يحيى من دون إرادته. إنّه شخصية سلبية، تخضع للظرف، وكل ما يفعله يأتي من غير إرادة.

شخصيات فيلم الأخوين ناصر بائسة ويائسة، ومحصورة في زوايا خانقة بضيقها وعتمتها وقذارتها. والفيلم يلقي نظرة قاسية على الفساد، وعلى قتلة مرتشين، ومع هذا يترقّون في السلطة. حتى عندما تهتم تلك السلطة بالثقافة، يكون الاهتمام دعائياً، لإنجاز أفلامٍ تخدم بقاءها. الفيلم شحنة انتقاد ساخر لوضع عبثي، ونظرة سلبية إلى الجميع، والشرّ في كل مكان، وعديمو الضمير والذين يُفضّلون مصالحهم على مصلحة بلدهم. لا شيء إيجابي، وإنْ وجد شيءٌ كهذا فسيتمثّل بشابٍ قرّر العودة إلى الدراسة، لكنْ بعد فوات الأوان. كأنّ كلّ شيء محكوم بالفشل، أو الموت.

مع هذا، يبقى "كان يا ما كان في غزة" مُشوّقاً وفعّالاً ومؤثّراً بأحداثه المفاجئة وحبكته، والأهم بشخصياته، وإنْ شَابَه تكرار في تصوير حالة الفراغ واليأس، كأنّما لتعبئة سيناريو بحاجة إلى مزيد من تطوير، وشخصيات بحاجة إلى مزيد من تعريف. حينها، ربما، كان يُمكنه أنْ يكون أغنى. لكنّ الفكاهة المرّة أنقذته، كما المواقف العبثية الداعية إلى الابتسام، كالمصارعة بين السيئ والشرير، على وقع أغنية منوّعات راقصة تُبثّ في تلفزيون قديم مُشوّش الصورة؛ وكتلك الرصاصات الحية التي يستخدمها ممثّلون في تصوير فيلم، يؤدّي فيه يحيى دور بطل شهيد، وتجري فيه المعارك برصاص حقيقي، ويختلط الواقع بالمتخيّل (فيلم داخل فيلم).

السياسة حاضرة، كالعادة، عبر نشرات الأخبار. المرأة غائبة كلّياً، ولا وجود حتّى لظلّها. إنّه مجتمع ذكوري، والمرأة فيه صوت مختبئ في سمّاعة هاتف (حوار يحيى مع والدته المقيمة في الضفة الغربية مع بقية العائلة).

كل فرصة متاحة للفت الأنظار إلى غزة مُرحَبّ بها. لكنْ، من الظلم حصر "كان يا ما كان في غزة" بأنّه فرصة فقط. إنه مهمّ للأخوين ناصر، وإنْ لم يكن بقوة فيلميهما السابقين، "ديغراديه" (2015) و"غزة مونامور" (2021).

المساهمون