"كان هناك"... فنانات من غزة يستعدن أزمنة سرقتها الحرب

18 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:00 (توقيت القدس)
جانب من ورشة "كان هناك" في غزة (العربي الجديد)

تستعيد فنانات وشابات في غزة ما فقدنه خلال سنوات الحرب عبر سلسلة ورشات "كان هناك" التي توظف الرسم لاستحضار البيوت والأحبة وذكريات الأمان، وتوفير مساحة للتعبير والتعافي النفسي.

جلست مجموعة من الفنانات والشابات الفلسطينيات في مساحة مفتوحة، في انسجام مع الضوء والهواء وتفاصيل المكان، يستعدن على مهل أشياء غابت عن حياتهن خلال سنوات الحرب الإسرائيلية الثلاث على قطاع غزة. هنا، لا تبدو اللوحات مجرد مساحات بيضاء تنتظر الألوان، بل تتحول إلى ذاكرة مفتوحة، تستحضر بيتاً كان هناك، وشجرةً كانت هناك، وشارعاً كان هناك، وشعوراً بالأمان كان ذات يوم جزءاً من الحياة.

شكّل هذا اللقاء، الذي أقيم أمس الاثنين، انطلاقة سلسلة ورشات "كان هناك" ضمن مشروع "ديرة"، الهادف إلى توفير مساحة فنية للشابات والفنانات في قطاع غزة، في ظل حالة التهميش التي فرضتها الحرب وتراجع المساحات التي يمكن لهن أن يلتقين فيها ويعبّرن عن أنفسهن من خلال الفن.

وقالت الفنانة التشكيلية والناشطة المجتمعية، فرح عجور، إن فكرة المشروع بدأت من الحاجة إلى إيجاد مساحة فنية للشابات والفنانات، في ظل حالة التهميش التي يعانين منها، موضحةً أن "ديرة" تعني البيت أو الملجأ، ولذلك كان الهدف خلق مكان يمكن للفتيات أن يشعرن فيه بأن لديهن مساحة خاصة بهن.
وأوضحت عجور، لـ"العربي الجديد"، أن سلسلة "كان هناك" جاءت انطلاقاً من حالة الفقد التي مر بها الجميع خلال الحرب، مشيرةً إلى أن الفكرة تقوم على إحياء ذكرى الأشياء والمعاني التي فقدها الناس، وفي مقدمتها الأمان. ورأت أن تلك الأشياء، رغم أن الحرب صادرتها من الحياة اليومية، "ما زالت موجودة"، ويمكن للفتيات استعادتها من خلال الألوان والريشة، مشيرةً إلى أن الورشات تمثل أيضاً بداية لمحاولة التعافي من الأجواء السلبية التي عاشت فيها الفتيات خلال سنوات الحرب، من خلال الفن واللقاء وخلق مساحة مختلفة عن الواقع الذي اعتدن عليه.

وأشارت عجور أن أهمية الورشات لا تكمن فقط في إنتاج لوحات، وإنما في المساحة التي تخلقها للفتيات كي يجتمعن ويتحدثن ويستعدن بعضاً من قدرتهن على التعبير، فالفن هنا ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لاستعادة الصوت والذاكرة، وربما لاستعادة جزء من الشعور بالأمان الذي غاب طويلاً.

جانب من ورشة "كان هناك" في غزة (العربي الجديد)
جانب من ورشة "كان هناك" في غزة (العربي الجديد)

أما الفنانة الشابة مرح الزعانين (18 عاماً)، فكانت تحاول رسم بيتها الذي فقدته خلال الحرب، باعتباره أحد أكثر الأشياء التي تفتقدها، وجاءت لوحتها ضمن فكرة ورشات "كان هناك" القائمة على رسم الأشياء والأماكن التي فقدها المشاركون وإعادتها إلى الذاكرة عبر الفن.

وقالت الزعانين، لـ"العربي الجديد"، إنها استخدمت الفن منذ بداية الحرب وسيلة لتفريغ الطاقة السلبية والتعبير عن مشاعرها، رغم صعوبة توفير أدوات الرسم، فلجأت إلى مواد بسيطة مثل "شحبار الأواني" والحبر وأقلام الرصاص والألوان، وتمكنت من إنجاز نحو 700 لوحة. وعبّرت عن سعادتها بالمشاركة في الورشة، لأنها تتيح لها استخدام أدوات وألوان يوفرها المشروع، والتعرف إلى فنانات أخريات، إلى جانب الحصول على مساحة للتفريغ النفسي والابتعاد، ولو مؤقتاً، عن أجواء الحرب. وأشارت إلى اختيار البيت موضوعاً للوحة لأنه كان من أهم ما فقدته، مؤكدةً أنها تريد استعادته عبر الألوان كما تحفظه في ذاكرتها، ليس باعتباره مبنى فقط، وإنما بما يحمله من ذكريات وشعور بالأمان والحياة التي كانت بداخله.

من ناحيتها، قالت الفنانة نور الربعي (20 عاماً) التي تدرس في كلية الفنون الجميلة، لـ"العربي الجديد"، إنها اكتشفت موهبتها الفنية بشكل أكبر خلال فترة الحرب، حيث لجأت إلى استخدام أدوات بسيطة للتعبير عن ذاتها ومشاعرها في ظل الظروف الصعبة. ورأت أن المشاركة في فعالية "كان هناك" مثّلت مساحة إيجابية للتفريغ النفسي، خصوصاً أنها أقيمت في مكان مفتوح يمنح المشاركات شعوراً بالراحة والابتعاد عن الأجواء المغلقة التي فرضتها سنوات الحرب والنزوح.

تحاول الربعي من خلال الريشة والألوان عكس الواقع الذي يعيشه أهالي غزة، وتحويل ما تختزنه من مشاعر وتجارب إلى عمل فني قادر على التعبير عنها. واختارت خلال الورشة أن ترسم ابن عمها الشهيد، الذي تقول إنه بمثابة أخ لها، لتستعيد من خلال صورته شخصاً عزيزاً عليها. وتحتفظ بملامحه وذكراه عبر لوحة تحمل جانباً من تجربتها الشخصية خلال الحرب.

	 في غزة، 4 إبريل 2025 (Getty)
إعلام وحريات
التحديثات الحية

أما الفنانة التشكيلية بيسان الصواف (19 عاماً)، فقالت لـ"العربي الجديد" إنها بدأت المشاركة في الأنشطة الفنية منذ عام 2017، وترى في الفن وسيلة للتعبير ولغة يفهمها الجميع من دون الحاجة إلى الكلمات. وأوضحت أنها مرت بظروف صعبة خلال الحرب، بين النزوح والخطر وغياب أدوات الرسم، لكنها استمرّت في محاولة التعبير عن مشاعرها وأفكارها عبر الفن، مشيرةً إلى أن أفكارها قبل الحرب كانت أكثر إشراقاً، ولم تكن قد حملت بعد ثقل التجارب التي عاشتها خلالها.

وأشارت الصواف إلى أنها فقدت شقيقها وثلاثة منازل خلال الحرب، ولذلك لم تجد مساحة كافية لتجسيد كل أشكال الفقد التي عاشتها، واختارت اختصار هذه التجربة في لوحة تجسد شخصاً فقد بيته، معتبرة أن هذا المشهد قادر على حمل الكثير من معاني الفقد والاقتلاع التي عاشتها وعاشها كثير من أهالي غزة.