قردة البونوبو... التفكير في أشياء ليست موجودة

13 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 01:12 (توقيت القدس)
البونوبو أقرب أقربائنا الأحياء (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة أن قردة البونوبو، مثل كانزي، يمكنها فهم "الأشياء المتخيَّلة" باستخدام رموز ليكسيغرام، حيث أظهر كانزي قدرة على تتبع عصير وعنب متخيَّل.
- في اختبارات، اختار كانزي العصير الحقيقي بنسبة 80%، مما يعكس قدرته على تحديد المكافآت الحقيقية، وأظهرت اختبارات العنب المتخيَّل نتائج مشابهة.
- تشير النتائج إلى أن القدرة على تخيّل سيناريوهات قد تعود إلى السلف المشترك للبشر والبونوبو، وتفتح الدراسة احتمالات استخدام القردة للخيال في تصور المستقبل أو فهم أفكار الآخرين.

قد تبدو القدرة على التظاهر وتخيّل سيناريوهات غير حقيقية سمةً إنسانيةً خالصة. لكن أبحاثاً جديدة تكشف أن أقرب أقربائنا الأحياء، قردة البونوبو (Bonobos)، قادرة على فهم فكرة "الأشياء المتخيَّلة". فقد استطاع بونوبو يُدعى كانزي (Kanzi) تتبّع عصيرٍ غير مرئي وعناقيد عنبٍ متخيَّلة، وفق ما أفاد به باحثون في الخامس من فبراير/شباط الحالي في مجلة ساينس.

تركّزت الدراسة على كانزي، وهو بونوبو استثنائي كان قادراً على التواصل باستخدام رموزٍ مرتبطة بكلمات تُعرف باسم ليكسيغرام (Lexigrams). التقت به عالمة النفس المقارن في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا والمؤلفة المشاركة في دراسة البونوبو الجديدة، أماليا باستوس، للمرة الأولى عام 2023. وروَت: "كنا منبهرين بكانزي".

خلال لقائهما الأول، استخدم كانزي لوحته المملوءة برموز الليكسيغرام ليطلب من باستوس وزميلٍ لها أن يلاحق كلٌّ منهما الآخر. ولاحظت باستوس أنه رغم أنهما تظاهرا باللعب فقط، فإن كانزي استمتع بالمشاهدة. وكانت تلك الشرارة التي أطلقت سلسلة اختبارات "التظاهر" التي صممتها باستوس مع كريستوفر كروبينياي، عالم النفس في جامعة جونز هوبكنز، خصيصاً لكانزي.

في الاختبار الأول، جلس كانزي إلى طاولة عليها كوبان. وتظاهر أحد القائمين على التجربة بسكب عصير وهو الشراب المفضّل لدى كانزي في الكوبين من إبريقٍ شفافٍ فارغ. ثم أعاد المُجرِّب المحتوى غير الموجود في أحد الكوبين إلى الإبريق، قبل أن يسأل كانزي أيُّ الكوبين ما زال يحتوي "العصير".

وخمّن كانزي الإجابة الصحيحة 68% من المرات، وهي نسبة أعلى بكثير من المصادفة، بحسب ما أفاد الباحثون. لكن هذه التخمينات، كما ترى باستوس، ليست دليلاً حاسماً على أن كانزي قد استخدم خيالاً داخلياً فعلاً. توضح: "كانزي بونوبو مسنّ. ربما بصره ليس جيداً كفاية. وربما يظن أن هناك عصيراً حقيقياً في هذه الأشياء".

لذلك، أعاد الباحثون اختبار كانزي للتأكد من قدرته على التمييز بين العصير الحقيقي والمزيّف. فقدّموا له كوبين: أحدهما يحتوي عصير برتقال، والآخر فارغ ملؤوه بعصيرٍ متخيَّل. وعندما سُئل أيّ كوبٍ يفضّل، اختار كانزي العصير الحقيقي في نحو 80% من المرات، ما يشير إلى أنه لا يواجه صعوبة تُذكر في تحديد مكافأته. كما أن اختباراً ثالثاً يشبه الاختبار الأول، لكن باستخدام عنبٍ متخيَّل بدلاً من العصير، أشار مجدداً إلى أن كانزي فهم مكان وجود الطعام المتخيَّل.

ترى الباحثة في جامعة نيويورك والمتخصصة في سلوك الرئيسيات غير البشرية، كريستين ويب، (لم تشارك في الدراسة)، أن النتائج تقدّم "أدلة دامغة" على أن حيوانات البونوبو قادرة على استخدام التمثيل الثانوي، أي أنها تفهم معنى التظاهر. تضيف هذه الدراسة إلى رصيدٍ كبير ومتزايد من الأدلة التي تُظهر أن أقرب أقربائنا من الرئيسيات قادرون على عمليات إدراكية معقدة كان يُعتقد سابقاً أنها حصرية للبشر.


تشير النتائج الجديدة إلى أن القدرة على تخيّل سيناريوهات وأشياء قد تعود إلى ما بين ستة وتسعة ملايين سنة، حين عاش السلف المشترك الأخير للبشر والبونوبو. كما تفتح الباب أمام احتمال أن القِرَدة قد تستخدم الخيال لأغراض أخرى، مثل تصور مستقبلٍ ممكن أو استيعاب أفكار الآخرين.

وقد أظهر البونوبو بالفعل قدرة على استنتاج جهل الآخرين: ففي عام 2025، وجد كروبينياي وفريقه أن كانزي وبونوبو آخرين استطاعوا تمييز متى كان البشر لا يعرفون مكان المكافآت المخفية. مع ذلك، قد لا يكون كانزي ممثلاً لكل البونوبو البرّي، إذ إن هذا العبقري قضى حياته كلها داخل مرافق بحثية يتفاعل مع علماء من البشر.