قبل هجوم شب جديد على سانت ليفانت... أشهر معارك "الديس راب" عربياً
أعاد مغني الراب الفلسطيني شب جديد إحياء الحديث حول ثقافة "الديس راب" بعد طرحه المفاجئ لأغنية SLV التي يوجه فيها انتقادات مباشرة إلى المغني الفلسطيني سانت ليفانت. في الأغنية، يذكره بالاسم، ويشيد أولاً بقدرته على تنفيذ أفكاره الفنية، قبل أن يهاجم ما يصفه بالتناقض بين حضوره بوصفه فناناً فلسطينياً داعماً للقضية، وبين مشروعه الموسيقي الذي يركز، بحسب الأغنية، على الحب والعلاقات العاطفية.
وتعيد هذه المواجهة إلى الواجهة تاريخ "الديس راب" في العالم العربي، الذي شهد على مدار العقدين الماضيين معارك فنية بارزة بدأت في السعودية، وازدهرت في المغرب، قبل أن تتحول إلى ظاهرة جماهيرية في مصر.
البداية من السعودية
يعدّ كثير من متابعي الراب العربي السعودية من أوائل الساحات التي شهدت انتشار ظاهرة "الديس راب" بشكل واسع خلال النصف الثاني من العقد الأول من الألفية، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى المغرب ومصر. وكان الرابر كلاش من أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة، إذ خاض سلسلة من المواجهات الغنائية أسهمت في ترسيخ ثقافة "الديس" داخل مشهد الراب السعودي، ومهّدت لانتشار هذا النوع من المنافسة في المنطقة. وكانت أشهر هذه المواجهات مع سلو مو، في خلاف بدأ بوصفه منافسة على لقب أبرز رابر في السعودية، قبل أن يتطور إلى تبادل للهجوم في الأغاني، مع اتهامات متبادلة تتعلق بالمستوى الفني، والريادة، وأحقية تمثيل مشهد الراب السعودي.
ومن أبرز الأغاني التي ارتبطت بهذه المواجهة، "جنكيز خان" و"بنت إنك بنت"، إلى جانب عدد كبير من الردود المتبادلة التي توالت على مدى سنوات. كما دخل كلاش في مواجهات أخرى مع رابرز سعوديين، من بينهم محمد مود وروجر، قبل توسع دائرة "البيفات" (خلافات الرابرز) لتشمل أسماء أخرى.
ونظراً إلى أن معظم هذه الأغاني طُرحت بين عامي 2005 و2010 عبر المنتديات ومواقع مشاركة الملفات، قبل انتشار منصات البث الحديثة، فقد اختفى جزء كبير منها من الإنترنت، ما يجعل توثيق جميع الردود والتسلسل الزمني الكامل لتلك المعارك أمراً بالغ الصعوبة.
أشهر المعارك في المغرب
إذا كانت السعودية قد شهدت البدايات الأولى للديس راب العربي، فإن المغرب نقل هذا النوع من المنافسة إلى مستوى أكثر احترافية، سواء من حيث جودة الإنتاج أو سرعة الردود أو حجم التفاعل الجماهيري. وشهدت الساحة المغربية بين عامي 2018 و2020 واحدة من أشهر معارك الديس راب في العالم العربي، جمعت بين دون بيغ، أحد أبرز رواد الراب المغربي، وديزي دروس الذي كان يمثل آنذاك جيلاً جديداً يسعى إلى فرض حضوره.
في ديسمبر/كانون الأول 2018، أصدر دون بيغ أغنية 170 KG التي لم تكن موجهة إلى رابر واحد بعينه، بل حملت انتقادات لاذعة لعدد من فناني الجيل الجديد، متهماً بعضهم بالسعي وراء الشهرة السريعة وتقديم أعمال تفتقر إلى القيمة الفنية، في وقت رأى فيه أن رواد الراب المغربي لم يحظوا بالتقدير الذي يستحقونه. ورغم أن الأغنية تضمنت إشارات إلى أكثر من اسم، فإن الأنظار اتجهت سريعاً إلى ديزي دروس الذي اعتبره كثير من المتابعين الهدف الأبرز من رسائل دون بيغ، إلى جانب رابرز آخرين مثل 7ليوة وكومي.
ولم يتأخر الرد كثيراً، ففي يناير/كانون الثاني 2019، طرح ديزي دروس أغنية "المتنبي" التي رد فيها مباشرة على دون بيغ، مستخدماً أسلوباً هجومياً جمع بين السخرية والردود المباشرة، مع تأكيده أنه يمثل جيلاً جديداً لا يقل موهبة عن الجيل الذي سبقه. وحققت الأغنية انتشاراً واسعاً، وتجاوزت مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة، بحسب ما أظهره أرشيف المنصات الرقمية آنذاك، لتتحول المواجهة إلى حديث وسائل الإعلام وجمهور الهيب هوب. ولم تنته المواجهة عند هذا الحد، إذ عاد ديزي دروس في يناير 2020 بأغنية "المتنبي Vol.2" التي واصل فيها الرد على دون بيغ، مؤكداً تمسكه بموقفه، فيما اعتبرها كثير من المتابعين الجولة الثانية من أشهر "البيفات" في تاريخ الراب المغربي. ولم يقتصر تأثير 170 KG على ديزي دروس، إذ دفعت الأغنية عدداً من رابرز الجيل الجديد إلى الرد أو التعليق، وفي مقدمتهم 7ليوة وكومي اللذان دخلا بدورهما في سجالات فنية مع دون بيغ، ما وسّع دائرة الخلاف من مواجهة بين فنانين إلى صراع بين جيلين؛ الأول يمثله رواد الراب المغربي، والثاني يضم الأصوات الصاعدة التي كانت تسعى إلى إعادة رسم ملامح المشهد.
موجة الديس راب في مصر
على عكس البدايات السعودية التي انتشرت عبر المنتديات، جاءت موجة الديس راب في مصر في عصر "يوتيوب" ومنصات البث، ما جعلها تحقق ملايين المشاهدات وتتحول إلى حديث وسائل الإعلام والجمهور. وبلغت المنافسة ذروتها بين عامي 2020 و2021، حين اندلعت سلسلة من المواجهات المتشابكة بين أبرز نجوم الراب، كان محورها الرابر أبو يوسف الذي دخل في خلافات متزامنة مع أكثر من فنان. ويُنظر إلى الخلاف بين أبو يوسف ومروان موسى على أنه من أشهر معارك الديس راب في مصر.
وكان الاثنان قد تعاونا في بداياتهما، قبل أن تتوتر العلاقة تدريجياً بسبب خلافات شخصية وفنية وإشارات متبادلة، لتدخل مرحلة التصعيد العلني مع إصدار أبو يوسف أغنية Okay في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وتضمنت الأغنية رسائل وانتقادات فهمها الجمهور على أنها موجهة إلى مروان موسى وعدد من الرابرز الآخرين. وبعد أشهر، رد مروان موسى بأغنية Msh Okay في فبراير/شباط 2021، قبل تواصل المعركة عبر أغنيتي Megatron لأبو يوسف وMegatroll لمروان موسى، لتصبح، بحسب متابعي الراب، واحدة من أكثر معارك الديس العربي متابعة على المنصات الرقمية.
كما دخل عفروتو في خلاف مع أبو يوسف، بعدما اعتبر كثيرون أنه انحاز إلى معسكر مروان موسى، ليتبادل الطرفان أغاني الديس، بينما شهدت الفترة نفسها خلافات وإشارات متبادلة بين أبو يوسف وكل من ويجز والجوكر، ما جعل عام 2021 يوصف بأنه من أكثر الأعوام سخونة في تاريخ الراب المصري.
في المقابل، لم تتحول الخلافات بين الرابرز في دول عربية أخرى مثل سورية ولبنان إلى معارك ديس طويلة وموثقة كما حدث في السعودية أو المغرب أو مصر، بل اتخذت المنافسة أشكالاً مختلفة، من بينها الأغاني التي حملت إشارات غير مباشرة، أو الانتقادات الإعلامية، أو منافسات الباتل راب (Battle Rap) الحيّة، كما هو الحال في منصة ذا أرينا (The Arena) اللبنانية، التي أعادت إحياء ثقافة المواجهات المباشرة بين الرابرز أمام الجمهور بعيداً عن تبادل أغاني الديس التقليدية.