"قبل آخر صفحة"... عزلة الكاتب وهواجس الطفولة

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 07:45 (توقيت القدس)
رالف س. معتوق ومي سحاب أثناء العرض (وديع خير الله)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتناول مسرحية "قبل آخر صفحة" حياة الكاتب حلمي عبد الساتر، مركزة على طفولته المعقدة وعلاقته المتوترة مع والدته التي هاجرت إلى كندا، وتأثير ذلك على مسيرته ككاتب معروف.
- يجسد رالف س. معتوق شخصية حلمي، بينما تلعب مي سحاب دور الحبيبة "شكبازوف"، وتكشف المسرحية عن صراعات حلمي الداخلية ومحاولاته للتحرر من تأثير والدته، وصولاً إلى نقطة تحول درامية.
- تتطرق المسرحية إلى قضايا سياسية واجتماعية، مثل انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وتنتقد المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، مما يضيف بُعداً سياسياً للنص، مع أداء مميز من الممثلين.

تُعرض في بيروت مسرحية "قبل آخر صفحة"، من تأليف جورج درويش وبطولة رالف س. معتوق ومي سحاب، وتدور حول حكاية كاتب يُدعى حلمي عبد الساتر عاش طفولة اتسمت بالتعلّق التجنّبي مع والدته وتأثر بها بعمق. الأم، قبل هجرتها إلى كندا، خافت أن يصبح حلمي نقطة ضعف في حياتها، فاتبعت سلوكاً تجنّبياً وفضّلت فرض سيطرتها عليه في محاولة للتحكم به. مشاهد الاتصال بين حلمي وأمه في المسرحية كافية لفهم حكاية هذا الكاتب الغارق في الحيرة، الباحث عن أشياء لم يتمكن من تحقيقها، فاختار البوح بالكتابة، وتحول إلى كاتب معروف، لكنه ابتعد عن الحياة، راغباً في الهروب منها، وظلّ أسير الأم التي سكنته وحكمت مصيره.
برداءٍ أصفر يطل رالف س. معتوق مجسداً شخصية حلمي، وإلى جانبه مي سحاب بالرداء نفسه، إنما بالأحمر، لتروي القصة من منظور آخر. تجسّد "شكبازوف" الحبيبة التي تسعى إلى الفوز بقلب الكاتب وتغدو مرآة نفسه، حيث يشكل الفارق بين البطلين نقطة كشف لواقع مأزوم عاشه حلمي منذ البداية، فيما تأتي شكبازوف محاولةً أخيرة لخلاصه، لكنها تقع ضحية هروبه المتواصل. يقتلها حلمي لينجو بنفسه ويفتح الباب على ميوله المكبوتة، بعدما تحرر من سطوة مواجهة شكبازوف وأمه والصحافة والمجتمع. يخرج "حلمي" من صومعته التي بناها بنفسه، ليغدو وحيداً غير آبه بالمحيط، ويتمّم الصفحة الأخيرة من روايته الرابعة.
يحاول كاتب المسرحية جورج درويش من خلال النص الدخول إلى تفاصيل حياة حلمي وربطها بواقع مأزوم سببه الوحدة التي تسكنه وتأثره العميق بمراحل الطفولة، وهروبه إلى الكتابة حتى لقائه المرأة التي يرفضها لأسباب متعددة. يتضح أن حلمي يدور في فلك الشعور بعدم الثقة والأمان، ويعاني من نقص في تقدير الذات، وأنه محروم الإحساس بالاستقلالية والمسؤولية، فيعيش قناعة بأنه غير قادر على القيام بأي عمل دون مساعدة أحد. تنغرس فيه قناعة بأن العالم من حوله محكوم ومحدود، في حدٍّ أدنى من التأثير النفسي به، وهو تأثير يتجاوز إطار "الوحدة"، ليصل إلى شعورٍ بالمثلية، عبر إشارات وردت في النص استخدمها المخرج مازن سعد الدين لتوضيح الصورة في المشهد الأخير، حين يُخرج حلمي عبد الساتر كل المتطفلين من حياته ويبدأ بالرقص كمن وجد الصفحة الأخيرة التي عليه إنهاؤها وتقديمها للطباعة.
بين أزمة الثقة الواضحة بين حلمي وشكبازوف، والعجز عن نسج علاقة طبيعية بين الطرفين، يدخل كاتب "قبل آخر صفحة" المتفرج في متاهة الواقع العربي، ويتخذ موقفاً مغايراً من انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول عام 2019 (سلسلة احتجاجات شعبية ضد الضرائب والفساد والمنظومة الطائفية الحاكمة)، متجهاً نحو خطاب عتب على المقاومة التي واجهت الاحتلال الإسرائيلي منذ خمسين عاماً. إدخال هذا الخط السياسي بدا نافراً ومُقحماً بلا مبرر، أضعف الحكاية وأحدث تشويشاً في بنية العمل، كذلك دلّ على استهانة ضمنية بمواقف الناس من الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم هذا الضعف الذي كان بالإمكان تجاوزه، لا يمكن إغفال قدرة رالف س. معتوق ومي سحاب على إظهار الشغف والجرأة في الأداء، وتحويل الحوار القائم على متاهة النفس البشرية إلى صورة مسرحية حية. في ديكور بسيط يفيض بالإيحاء، تنكشف خفايا العزلة ويُصاغ الألم الإنساني كصفحات تتكامل لتروي رحلة التحول من شخصية مسلوبة الحريات والحقوق إلى شخصية مسلوبة الحب والحنان والاحتواء، في عمل يفتح جراح الذات ويدعو المتفرج إلى قراءة ما بين السطور... قبل آخر صفحة.