في رحيل أحبّةٍ بعيداً عن النقد

08 فبراير 2021
الصورة
لقمان سليم: لا للنسيان نعم للحوار الهادئ (سام تارلينغ/ Getty)
+ الخط -

 

فجأة، يُصبح ناقدٌ سينمائيّ أشبه بحفّار قبور. يرحل الواحد تلو الآخر من معارفه. اختلافاتهم شاسعة، لكنّ الرابط أقوى من التفريق بينهم. السينما جامعةٌ، وإنْ يستَعِن بها أحدهم لإكمال مشروعٍ، يتكامل مع الصورة الوثائقية في تأريخ لحظةٍ، وحفظ ذاكرةٍ من الاندثار. للتمثيل منابع وأدوات وحِرفيّة، لن تكون موحّدة، فبتنوّعها تتغذّى السينما، وتنفتح أكثر فأكثر على معالم بيئات وثقافات وتأثّرات، وتمنح للعامل فيها فرصاً عدّة لبلورة مسار، ولقول تفكير وتأمّل، ولحِرفية مهنةٍ يُخرجها المُحترِف من جفافيتها العلمية إلى مسام روحٍ ونبرةٍ وحضورٍ.

فجأة، يغيب الواحد تلو الآخر، اغتيالاً أو موتاً عادياً. الشيخوخة غير رحيمة. كأنّها، مع مزيدٍ من الأعوام الجديدة للمرء، تُصبح أشبه باغتيالٍ بطيء لنبضٍ، وإنْ يتمكّن المرء، في تلك الفترة، من مقارعتها، بعملٍ وحيوية ومُشاركة، أو بعزلة ذاتية خاصّة، لتنقيةٍ واستعادةٍ وتطهّر، أو لإكمال المسار إلى النهاية.

فجأة، يجد الناقد نفسه ملزماً بكتابةٍ، يجب أنْ تتنوّع بتنوّع مسالك الراحلين، وأنماط أعمالهم ومساراتهم ولحظاتهم التاريخية، وإنْ يحصل الرحيل في يومٍ أو يومين أو ثلاثة. فجأة، يتّخذ الناقد لنفسه بُعداً قليلاً، لشعورٍ بعجزٍ في الكتابة، قبل الشروع بها، فلكلّ راحلٍ بصمةٌ في سيرته وذاته ووعيه، ولبعض أعمال كلّ راحل تأثيرٌ يبلغ، أحياناً، حدّ الانقلاب في وعي وخطواتٍ إلى أمام.

في 4 و5 فبراير/ شباط 2021، يُعلَن نبأ اغتيال اللبناني لقمان سليم (17 يوليو/ تموز 1962)، ورحيل الممثلين المصري عزت العلايلي (15 سبتمبر/ أيلول 1934) والكندي كريستوفر بلامر (13 ديسمبر/ كانون الأول 1929). للاغتيال وقعٌ أقسى من رحيلٍ متأتٍ من شيخوخة أو مرضٍ. القتل إقصاء وتغييب، يُراد به إسكاتٌ بالقوّة، وترهيبٌ ببطشٍ جسدي. للشيخوخة حزنها، رغم أنّ العمرَ طويلٌ، فالموت حتميّ. الاغتيال يُترجِم بعض خرابٍ عميقٍ في بنية بلد وروحه، وفي بناء اجتماعٍ وفضاءاته. الاغتيال تحطيمٌ وكسرٌ، رغم كلامٍ يُقال عن إكمال مسيرة، وانتصارٍ منتَظَرٍ على تنانين الإجرام (والإجرام متنوّع، نهباً وفساداً وتزويراً وتخويناً وقتلاً)، وشعلةٍ لن تنطفئ. آمالٌ يتمسّك بها قاطنون في جوار من اغتيل ومعه، رغم إدراك واعٍ بأنّ الوحش ـ المتفلّت في بلادٍ تتّسع لدمٍ وغبار وخيبات وجراح وكوابيس ـ أقوى من أملٍ متواضع بخروجٍ آمنٍ إلى ملاذٍ، يقي المرء موتاً مؤجّلاً، في حيّز أهدأ، ولو قليلاً.

 

 

الموت في شيخوخة العمر مؤثّرٌ، فللراحل، وإنْ يبلغ مئة عامٍ أو أقلّ أو أكثر، حضورٌ يصعب تجنّب مفرداته في عيشٍ وثقافة ونظرة، خصوصاً إنْ يكن له تأثيرٌ في وجدان ووعي. مهنة الراحل تحرّض على معاينة وبحثٍ، وإنْ تحتوي على شيءٍ من رفاهية عملٍ أو حاجة إليه. لكلّ راحل، اغتيالاً أو موتاً بسبب شيخوخة، تأثيرٌ، عبر فيلمٍ أو أكثر، وبفضل لقاء أو أكثر.

مع لقمان سليم، اختبار مواجهة يومية لثقافة النسيان والمنع والطرد من الذاكرة إلى راهنٍ موبوء بأفعال وحشية، تُغيِّب وتقتل وتهجِّر وترفض استفادة من ماضٍ أليم ووقائع يُراد لها نسيان تام، وسليم يُناقض هذا، فيكافحه علماً ومعرفةً وتوثيقاً وسجالاً هادئاً، ونقاشاً يولِّد معرفة ووعياً. مع عزت العلايلي، يتساوى لقاء مهنيّ به (19 ديسمبر/ كانون الأول 1996) مع أدوارٍ، يحاول الناقد العثور على ملامحها في شخص الممثل الجالس أمامه، وفي كلامٍ يقوله، ونبرةٍ تُخرج الكلام منه بأسلوب صاحبه. مع كريستوفر بلامر، تُستعاد لحظة قديمة، تؤسِّس علاقة مديدة بالسينما، فالفيلم الأول للصبيّ الذي يُصبح ناقداً سيكون "صوت الموسيقى" (1965) لروبرت وايز (المُشاهدة لاحقة على تاريخ الإنتاج بأعوامٍ)، قبل أنْ تتبلور العلاقة بالسينما أكثر، بفيلمٍ ثانٍ، "عودة الابن الضال" (1976) ليوسف شاهين، الذي له حضورٌ في سيرة عزت العلايلي، والحضور مؤثّر في الناقد أيضاً، فبعض أفلامهما تسرد فصولاً من معنى الحياة والتحدّي، وطرح الأسئلة، والبحث الدائم عن إجابات.

ألن تكون هذه سمات لقمان سليم، ناشطاً ومُحلّلاً وباحثاً ومؤرشفاً ومُفكّراً، ومُشاركاً فعلياً في تحقيق 3 أفلام وثائقية ("مَقاتِل" عام 2004 مع زوجته مونيكا بورغمان وهرمان تايسن، وSur Place عام 2009 مع مونيكا، التي يُنجز معها "تدمر" عام 2016)، وعاملاً ميدانياً على منع النسيان من استفحال ثقافته في بلدٍ يركن إلى النسيان، لسهولة الركون إليه في عيشٍ مضطرب، بدلاً من إعمال العقل والمعرفة لتحصين كلّ شيء من الاندثار؟

هذا لن يُلغي ما يحدث بعد لقاءٍ أول، فالمعرفة الأعمق تحدث لاحقاً، وبعضها قبل اللقاء. منذ تأسيسه "دار الجديد"، ومكتبها قريبٌ من شارع الحمرا (بيروت)، تُصبح الزيارات القليلة للناقد متعة واطّلاعاً. عشية اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، يُشاهَد الناقد "صوت الموسيقى" و"عودة الابن الضال"، وبعد سنين عدّة، يكتشف الناقد مع أفلامٍ للعلايلي وبلامر حكاياتٍ ومعانٍ. منتصف تسعينيات القرن الـ20، لحظة لقاء مع عملاقٍ، قامة وقيمة، في صلب سينما مصرية، بعضها الأهمّ والأجمل قليلٌ ومُفيد.

يخرج الناقد على أصول المهنة، مع رحيل عاملين في السينما، لغلبة الذاتيّ معهم في اختبار وعي ومعرفة وبحثٍ غير ناضبٍ عن إجابات يصعب اكتمالها. يحصل هذا أحياناً، فللذاتيّ مساحةٌ في علاقة الناقد بكلّ شيء.

المساهمون