استمع إلى الملخص
- تعتمد واندل على أسلوب بصري صارم يركز على المشاهد الداخلية، مما يعزز تفاعل الجمهور مع الشخصيات ويبرز صلابة لوسي الإنسانية وسط الظروف المعقدة.
- يوجه الفيلم نقداً للمنظومة المؤسسية التي تتجاهل الجذور النفسية والاجتماعية للمشكلات، ويعكس أداء الممثلين تماسكاً عميقاً، مما يرسخ مكانة واندل في السينما العالمية.
بعد أربع سنوات من نجاح روائيّها الطويل الأول "عالم" (2021)، تعود المخرجة البلجيكية لورا واندل (Laura Wandel) بـ"من أجل آدم" (Adam's Interest)، المعروض لأول مرة دولياً في أسبوع النقاد، في الدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/ أيار 2025) لمهرجان كانّ، مؤكّدة فيه تحكّمها العميق بموضوع الطفولة وفهمها الدقيق له. هذا منطلق اعتمدته مجدّداً عبر تركيزها على فضاءات داخلية مغلقة، تحاكي دهاليز النفس البشرية وتعقيداتها. هذان الركنان، الطفولة والفضاء الداخلي، أساس نجاحها واستمرار تألّقها.
في "من أجل آدم، تعمل لوسي (ليا دروكير، جائزة نجمة الجونة لأفضل ممثلة، في الدورة الثامنة لمهرجان الجونة السينمائي، المُقامة بين 16 و24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) رئيسة ممرضات الأطفال في مستشفى يواجه نقصاً في الموارد والطواقم. رغم ضغط العمل، تجد نفسها أمام مسؤولية مهنية وأخلاقية إزاء آدم (جول ديسار)، طفل (أربعة أعوام) يعاني سوء تغذية شديد بسبب النظام الغذائي الذي فرضته عليه والدته ربيكا (آناماريا فارتولومي). بناءً على ذلك، صدر قرار قضائي يمنع الأم من البقاء إلى جانب ابنها في المستشفى. لكن لوسي، إدراكاً منها بتعقيدات الحالتين الإنسانية والنفسية، تتوسّط لدى الجهات القانونية للسماح لربيكا بالبقاء معه. غير أنّ الأمور تأخذ منحى آخر، بظهور مشكلات غير متوقّعة، تُطرح معها أسئلة وجودية عميقة: ما مصلحة آدم؟ ما موقع المؤسسة الطبية من هذه المصلحة؟ ما حدود العناية الإنسانية أمام التدخّلين القانوني والأخلاقي؟
اعتمدت واندل أسلوباً بصرياً صارماً ومقصوداً، ركّزت فيه على المشاهد الداخلية، بينما اللقطات الخارجية محدودة جداً، لا تتجاوز بضع دقائق. مع ذلك، حافظت على توازن السرد البصري لـ75 دقيقة. هذا التحكّم الواضح في الإيقاع والفضاء يعود أساساً إلى كونها كاتبة السيناريو أيضاً، ما منحها قدرة على إدارة العناصر السردية وفق رؤيتها الكلية، وضمان انسجامها الكامل من دون تسرّب، ما لا يخدم الفكرة أو المزاج العام للفيلم.
أدخلت واندل المتلقي إلى هذا الفضاء الضيق، لتجعله يعيش حالة قلق وترقّب وتوتّر. هذه المشاعر شكّلت خيطاً رابطاً بين الجمهور والشخصيات. كما نسجت تفاعلاً نفسياً وسياقياً متكاملاً، يبدأ من آدم وينتهي عند لوسي، في سلسلة انفعالات متشابكة: الحسرة، القلق، انعدام المسؤولية، التضحية، التنصّل، الخوف، ثم الترقّب. كل هذه الحالات تتناوب على الشخصيات، لكن لوسي تبقى محور المواجهة، وتتحمّل أعباء الجميع بقلب صامد وملامح قوية، من دون أن تبدو قاسية أو باردة؛ فمهمتها رئيسةَ ممرضات الأطفال تحتمّ عليها البقاء ثابتة ومتّزنة، كي لا تُخلّ بمسؤوليتها المهنية، وفي الوقت نفسه لا تفقد حسّها الإنساني، ولو على حساب القوانين واعتبارات المؤسسة.
أما ربيكا، فسبب مباشر في تدهور حالة ابنها، نتيجة حرصها المفرط وخوفها المبالَغ به. لكن واندل، بما تملكه من حس إنساني راقٍ، لم تُحاكمها وتُدنها، بل قدّمتها ضحية أخرى لزوجٍ مهمل، تركها تواجه مصيرها وحدها. هذا لم تستوعبه المؤسسة القضائية ولا إدارة المستشفى، بينما لوسي أدركت عمق جرحها وألمها، فجازفت بموقعها المهني لإنقاذها. بهذا الطرح، وجّهت لورا واندل نقداً ذكياً وشجاعاً للمنظومة المؤسسية، التي تتعامل مع المظاهر السطحية، وتتغافل عن الجذور النفسية والاجتماعية للمشكلات.
قدّمت فارتولومي أداءً بارعاً في هذا الدور المركّب، مُجسّدة هشاشة الأم وارتباكها أمام سلطتي القانون والمجتمع، فساهمت مع دروكير والآخرين في بناء تجربة تمثيلية متماسكة، مدعومة بمونتاج دقيق (نيكولا رامبل)، وتصوير محكم (فريديريك نوارأوم)، استخدم لقطات قريبة وزوايا ضيقة، لتأكيد المعاني والانفعالات الداخلية.
بهذا، اقتربت لورا واندل كثيراً من جوهر الإنسان الحديث ومشكلاته، بتفكيك علاقاته الجزئية والكلية بالمنظومة التي يعيش فيها، والمنظومة هشّة وغير متماسكة، وتحتاج إلى منطلقات إنسانية وأخلاقية كثيرة لتُعاد مواءمتها وتُجدَّد، فلا يُنظر إليها دائماً بوصفها هياكل بلا أرواح، أو خوارزميات لا تنتهي من تنفيذ الأوامر التي تدرّ المال والخدمات، بينما تعجز عن تقديم البديل العاطفي، الذي يحفظ لكلّ فرد مكانته وكرامته.
"من أجل آدم" من أبرز الأفلام التي تناولت الطفولة قضيةً وجودية وإنسانية، وأثبتت مخرجته مجدداً أنها صاحبة أسلوب متفرّد في التعامل مع الفضاءات المغلقة، والشخصيات المعقّدة. جديدها هذا تأكيدٌ لاستمرارية نجاحها في الأفلام الروائية الطويلة، وامتدادٌ لإنجازاتها السابقة كأفلام قصيرة، بدءاً من فيلم التخرّج "جدران" (2007)، ثم "أو سالب (O Negatif ـ 2011).
بهذا، ترسّخ واندل حضورها المتنامي في السينما العالمية صوتاً نسائياً يلتقط التفاصيل الصغيرة بوعي بصري وإنساني عميق. كما أنّ لها موهبة في اختيار الممثلين وإدارتهم وإعدادهم نفسياً وجسدياً لتأدية الشخصيات بعمق واتزان.